رواية’موفيولا’ لتيسير خلف: حكاية الفلسطيني الذي ينتج يومياً تشرده ومنفاه

حجم الخط
0

لم يكن من السهل عليَّ أن أحظى باقتناص نظرة خاطفة على شارع السلط في عمان، حيث ذكرى مبنى سينما زهران، أقام ساتراً زمنياً ليفصل السينما عن الشارع، تعزّزه المحلات الشائكة وأضواء الكشافات الساطعة التي تظل مشتعلة معظم الأيام طيلة الليل والنهار، وأصحاب المحلات المدججون ببضائعهم وعيونهم المرتابة.
مكتب أوّل، غير أن جدرانه وزواياه، بابه الرمادي الغامق ونوافذه المفتوحة على ذكريات الكتّاب والمبدعين، تظل تنزلق عن سطح ذاكرة كانت ما تزال هشّة وحديثة التشكّل، عندما ذهبت إلى دار فضاءات للنشر للحصول على رواية ‘موفيولا’ للروائي تيسير خلف، بعد الذي دفعني لقراءتها الصديق القاص والروائي محمود الريماوي، الذي تقابلنا صدفة في مقر رابطة الكتّاب الكائن في اللويبدة بجانب دوّار باريس…
لا أعرف ما هذا السرّ الذي يربط بين الأمكنة، في نص’ موفيولا’ الذي يتنقل بين روما والقاهرة، وألمانيا، ودوار باريس في عمان…
كان يوماً عاديا من أيام عمّان. يوم صيفي مشمس، وحنون، ولولا رواية ‘موفيولا’ التي ايقظت الظهيرة من غفلتها، وهزّ كياني الراقد في ‘شارع السلط’ لما كان هذا اليوم ذا شأن.
صبيحة اليوم التالي، ومع ارتشاف القهوة وأخبار جريدة الرأي التي اعتدت على قراءة أخبارها يومياً، وبعد أن انتهيت للتو من قراءة ‘موفيولا’، كانت طرقات خفيفة، حييّة، مكسورة ومنهوكة، تدق باب ذكرياتي، فتحت. فلم يكن بالباب إلاّ ذلك الفلسطيني محمد صالح الكيالي بطل رواية ‘موفيولا’، يحدق إليَّ بعينين دامعتين، مهزومتين بالذبول.
بوقار لا أُحسد عليه، شرعت بكتابة قراءة عن ‘موفيولا’، ولضرورات الإنسجام مع ذلك الوقار الثقافي، كتبت التالي:
يعى خلف كاتب سيرة ‘موفيولا’ إلى أن يبعث الحياة فيما تبقى من مادة جامدة تخلفت وراء عبور الإنسان هذا الزمن الطويل من العمر، فيسعى إلى أن يسترد ما كان بمثابة الروح والجسد والمشاعر، ويصوغها على صورة ذلك الإنسان الغابر.
وذات محمد صالح الكيالي المصور الفلسطيني، الذي عشق السينما، أراد توثيق فلسطينه، أفلاماً وثائقية، بعد أن فُقدت الأرض، وبقي الوطن صورة وثائقية، أراد حفظها في ذاكرة من يريد أن يتذكر، أن وطناً يدعى فلسطين قد ضاع!
هذه الذات تدفع نفسها لاستحضار الماضي والبحث عن الزمن الضائع والمفقود هي ذات فاعلة ومثمرة بالدرجة الأولى، وليس بالضرورة أن يكون الماضي المستعاد من الذاكرة هو الفردوس المفقود الذي ينطوي على كل معاني البراءة والبكارة بالقياس إلى حاضر بفتقدهما، فالسيرة الذاتية ليست دائماً قراراً رومانتيكياً من وطأة الحاضر، حتى ولو كانت في مواجهته مع الذات، وليس من المحتم أن يكونالماضي منبعاً للحنان المفقود في الحاضر، إنما هي حالة خاصة متفردة، تقول ولا تقول، تعبر عن أحداث إنسانية وقعت لكنها اختبأت في الوعي واللاوعي، نجتلي منها ونسترجع المحاور الإنسانية التي عاشتها الأنا في يوم من الأيام بحيث جاء الوقت لأن تكون منظوراً هاماً للتأمل والاعتبار.
وخص تيسير خلف المنظور المكاني على الشكل التالي:
(سماء نيسان شديدة الزرقة، تكتنفها ندف غيوم بيضاء تحجب بين حين وأخر شمساً مائلة، والبحر اللازوردي يحضن سنناً أخرى، تبدو من بعيد كأنها مخلوقات خرافية تتأرجح على صفحة الماء المهتاجة، تحمل مئات المهاجرين من يهود بولونيا.
يمضي الشابان وحمّالهما خارج ‘البور’، باتجاه ساحة الخضر.
تتوقف عربة يجرها حصانان فيصعدان إليها. تمضي العربة بهما عبر شارع الخضر، ثم تعبر التقاطع باتجاه اليسار، مارّة بشارع العجمي، لتصل إلى ساحة السراي والقشلة…ص14).
– حكاية لا تشبه حكاية أخرى…
شوارع عمّان ترتعش الأن تحت أشعة الشمس، تسكبها سماء سخية تكتنفها أسرار وأسرار، فتعيد تأثيث المدينة بيوت منسية…تستعيد حجارتها مجدها الغابر، وترجع تربتها إلى لون القهوة المسحوقة…
لطالما بحثت في شتاتك، في كل شتاتك، عن حكاية تشبه هذه الحكاية.
….ومن مطار القاهرة إلى عمّان تطل من نافذة رواية ‘موفيولا’ حكاية محمد صالح الكيالي، الذي فارق الحياة وكانت حياته شتات يستظل بمطر ناعم يشبه المطر.
ناعم بذكرياته أثناء دراسته السينما في روما، وقاس في الوقت ذاته، في ترحاله بين مدن العالم.
وعندما تعلن الذاكرة عن فشلها وتهفُتُ ينهض الخيال بديلاً منتجاً يؤثث ويوثق ما تركته الذاكرة موتاً. فتندحر السيرة الذاتية بعيداً لتظهر الرواية بكل طغيانها وقدرتها الفائقة على حكي الممكن كما لو أنه كان بالفعل. فمهما اجهد الكاتب نفسه وكابد محاولاً تذكر فضاءات هذه الحياة ونشرها فأنه أبداً يكتب نهاية محمد صالح الكيالي:
(بعد يومين، في الوقت نفسه الذي سيصل فيه السادات قادماً من تل أبيب. سيمنعون دخول نعشه إلى أرض الكنانة، لدواع شتى، منها وثيقة السفر الفلسطينية التي يحملها، وأمن الرئيس وسلامته.
سينتظر النعش في الترانزيت ساعات وساعات، حتى يؤذن لجسده ان يوارى الثرى، قبل أن يتفسخ في التابوت. ص200).
إن الحقيقة في السيرة الذاتية هي على الأرجح قضية زائفة، إذ أنّ السيرة الذاتية من حيث هي سيرة ذاتية، مجافية للحقيقة. وأوّل أسباب ذلك أن كاتب السيرة الذاتية لا يستطيع مهما فعل أن يتخلص من الحاضر الذي يكتب فيه ليلتحم بالماضي الذي يرويه. ولمّا كان تيسير خلف لا يقوى على الإفصاح بما يعرفه عن ‘الأشخاص’ والأشياء’ خوفاً من خلق لا يعرف متى يثأر منه فإنه لا ريب يخفي من سيرته الكثير ممّا يخص الاخر ويخص ذاته. ورغم ما توهم به سيرته في ‘موفيولا’ من فضح من قتل محمد صالح الكيالي وتعرية المجرمين الحقيقيين، فإن نسبيّة قول الحقيقة تجعل صورة المسكوت عنه في ذهن القارىء أكثر فظاعة وخطورة مما قيل. ومن ثم تكون حقيقة من حقائق الواقع الموسوم بالقمع والإسكات هي التي قد تكون حكمت على بقية الحقائق بالبقاء في العتمة، وعلى السيرة الذاتية بالانزياح نحو الإبداعي، فينفلت بين اللحظة والأخرى جنس السيرة الذاتية من جنسه الخطير باعتباره اعترافياً لينفتح على جنس الرّواية المحصن بالية التخيّل. وهل يحكم المرء على التخيل؟ ولكن هل التخيل غير!؟ ومن الذي سلم من شيطان الخيال؟! الحقيقة؟ هكذا يختم تيسير خلف ‘موفيولا’ قائلاً:
(في حديقة مسجد المخيم، سيبكي الثلاثة، والثلاثة فقط، وهم يوارونه على عجل، في قبر حُفر على عجل، على مقربة من مسلحين متوترين وملتحين… يصوبون مدفعيتهم باتجاه المخيم. ص202).
وما بين خاتمة الرواية، وبدايتها، حكاية تبتدأ بفعل الماضي الناقص:
(كان مخيم شاتيلا يغط في نوم عميق، وانوار البيوت أطفئت قبل ساعات. ولولا ضوء المصباح الخافت في غرفته المنتصبة كشاهدة قبر مكسورة، وأغنية عبد الوهاب، لكان المخيم أشبه بمدينة مسكونة بالجن. ص7).
يفتتح تيسير خلف عمله بما يشبه الميثاق السيّر ذاتي الذي حدّده الفرنسي لوجون وهو وعد يقطعه الكاتب، منذ البداية، على نفسه يخصّ به القارىء فحواه أن ما سيقوله في نصه هو سرد لحياته الشخصية وهذا الميثاق تتوجه من خلال القراءة وجهة محددة تميّزها عن قراءة الرواية ومختلف الأجناس الأدبية الأخرى، فما يميز موقفنا عند قراءة سيرة ذاتية عن موقفنا عند قراءة رواية ليس كون الأولى حقيقة والثانية خيالية، وإنما كون الأولى تظهر لنا في لبوس الحقيقة والثانية في لبوس الخيال.
– دفْ المكان…
من نافذة شبه صغيرة في شارع الأردن، وكأن لم تكن لك ذات يوم سيرة ذاتية مفعمة بالأحلام الهاربة، ورؤى طائشة، وذكريات كنت تسكنها قبل أن تسكنك، بشوارعها ومدنها وقراها، ودفء الروح…
…ولسوف تظل تسكب دمعك، حتى نهاية قراءة ‘موفيولا’ التي احتفلت بالمكان. ولئن شغل المكان موقعاً هاماً في الرواية، والرواية المعاصرة تحديداً، فقد يُغني خضوره القارىء عن البحث عن بطولة بشرية أو أسطورية فإن هذه الأهمية للمكان تتضاعف في السيرة الذاتية، لن هذا المكان ‘اللغوي’ في العمل الأدبي له مقابل في الواقع، وليس فضاءً متخيلاً ابتدعه الكاتب. غير ان ارتباط مكان السيرة الذاتية بالمرجع المكان الواقعي لا يفقده بعده الإيحائي لأن كاتب السيرة باعتباره بطلاً لسيرته الذاتية، تنعكس حالاته النفسية على محيطه في العمل الروائي فتتلبس الأمكنة بألوان النفس وهمومها. ولعلّ ما يجعل من حديث الأمكنة في ‘موفيولا’ حديثاً مخصوصاً هو تلك العلاقة التي يربطها تيسير خلف بالمكان معيشاً يومياً في الكتابة السردية: ( يركبون عربة’ الترويكا’ فتعبر بهم شارع المحطة متجاوزة حي المنشية، وصولاً إلى حي ارشيد. ثم تنعطف يميناً عبر شارع بستروس، أو اسكندر عوض. عربات أخرى خلفهم، وسيارات قليلة.
تتوقف العربة في منتصف شارع بستروس. منظر السوق بواجهاته الزجاجية المقنطرة الفخمة، يغري الأمير بالنزول والتفرج على محلاته. يستجيب رئيس البلدية على مضض لرغبة الأمير، فحسب مخططه، كانت الجولة السياحية ستتبع الغذاء. ولكن، لا مناص من تلبية رغبة الضيف الكبير. ص24).
هذا المكان الذي يقصده تيسير هو يافا التي استقرت بذاكرته حتى تحول إلى معلم من معالم الرواية وبناء من بناءاتها النصيّة ومزار من مزاراتها داخل النص الروائي.
يخلق تيسير خلف علاقة استثنائية بينه والأمكنة ضارباً بها النظرية والمادة فأماكن الإقامة تتحول معه إلى اماكن عبور وانتقال وأماكن الانتقال تتقلب أماكن للإقامة تتحول الأماكن الاختيارية إلى أماكن إجبارية:
(منذ عرفها، حاولت ماريز أن تشركه في جلسات اصدقائها اليومية في مقهى ‘لى دو ماغو’. ذهب مرتين أو ثلاثاً، ثم استنكف. شعر بالملل من احاديثهم المكرورة، والمليئة بالادعاء،والتخمين بجنون الشخصيات المريضة وعبثها. رامبو وفيرلين، ولوتريامون، وايقونتهم سلفادور دالي. ص51).
هذا حال المكان، نموذجاً لأماكن الإقامة التي فقدت وظيفتها، أمّا اماكن الانتقال التي عادة ما ارتبطت بالحرية والانطلاق- فالحرية في اكثر صورها بدائية هي حرية الحركة، تحولت مع تيسير إلى أماكن للنفي فحضوره متأرجح بين روما، وطرابلس، ومخيم شاتيلا والقاهرة. غير أن هذا النفي يظهر لنا في سيرته الذاتية بطعم الإدمان أكثر منه اختيار.
والإدمان يصبح إجباراً وقسراً وسجناً يأسر النفس والجسد، كذلك تيسير لا يقوى على فراقها فقد أصبحت ‘يافا’ توحي بالانتحار لممن يستطيع مغادرتها، لقد ضاع فيها كل ما هو أسطوري وجميل.
هكذا نقل لنا تيسير هذا التحول لتتحوّل سيرته الذاتية ‘موفيولا’ إلى وثيقة تاريخية تنقل واقع يافا وتاريخ ضياعها ونكبتها مدينة فلسطينية ابتداء من حرب 1948 إلى اتفاقيات كامب ديفيد.
وهذه الوظيفة التوثيقية هي التي تنمّي عند القارىء ذلك الفضول، الذي يحدثه كاتب السيرة الذاتية حينما يكتب، لا بوصفه شاهداً على نفسه، بل بوصفه شاهداً على ما يحيط به.
– كأنه وداع…
شعرت بالعزلة، بوحشة الشتات وخوائه، وغياب الرفاق، واحسست بلسعات النفي الباحثة عن هوية وطن، تتكاثف في شرايين القلب فتحترق.
هذا الذي وصلت إليه من احتراق، عندما هم تيسير خلف بمغادرة النص قائلاً: (قبل سنوات قليلة، كان هؤلاء الأشقاء يتقاسمون مع أهل المخيم الماء والطعام والبيوت والقصف الإسرائيلي، وحتى المقابر!
الآن، مع هؤلاء الأشقاء الماء والطعام، عمن تبقى من أهل المخيم في الملاجىء القليلة، حتى أكل كثيرون القطط وشربوا المياه الآسنة. ص201).
إنها ‘موفيولا’ الفلسطيني الذي ينتج يومياً منفاه وتشرده.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية