قد يتبادر لذهن البعض السؤال: هل عاد للفن من قيمة في مواجهة بطش ووحشية وعنف اللحظة الراهنة؟ وهل عاد للفن من قدرة على تجميل شيءٍ من قبح لوحة الواقع الملطّخة بالعنف والقتل والدم والنار والرماد؟ وأخيرا هل من فُسحة للقاء عابر مع الفن بمختلف تجلياته؟ والإجابة المباشرة والواثقة هي: نعم! نحن لا نمتلك أقدارنا، لكننا نمتلك، إلى حدٍ ما، أخذ أنفسنا بالرحمة، ومحاولة الالتفات لجهات أخرى، أكثر إنسانية، وأكثر جمالا وسلاما، ومؤكد أن الطبيعة والفن هما المكان الآخر الذي من الممكن أن نحجّ إليه، كي ننجو بأنفسنا من خيبات تأكل الأخضر واليابس! ومؤكد أن منصات شبكات التواصل الاجتماعي، وشاشات التلفزيون والكمبيوتر والتلفون الذكي، باتت خير متنفّس للكثيرين حول العالم. صحيح أنها تنقل الأخبار الراكضة، وتتناول العناوين الرئيسية، لكن الصحيح أيضا أنها تُقدم، وعلى مدار اللحظة، تسلية عابرة، وإصدارات جديدة، وحفلات موسيقية، وعروضا مسرحية، ووصلا بين البشر والكلمة المطبوعة، وعلى الأخص الإصدارات الروائية.
إن قارئ الرواية العربية بات لا يستطيع متابعة سيل الإصدارات الجديدة، في جميع الأقطار العربية. لكن وقفة صغيرة متأملة تقول، إن معظم هذه الروايات، يفتقد للعناصر الفنية الضرورية اللازمة لبناء جنس الرواية، وبالتالي تأتي هذه الروايات كأبعد ما تكون عن فن الرواية!
منذ سنوات بعيدة، وأنا أنفر من قراءة روايات، صرتُ أطلق عليها، بيني وبين نفسي، وصف «الرواية الأفقية -Horizontal novel «، سواء كانت روايات عربية أصيلة أو روايات عالمية مترجمة. وهنا قد يبرز سؤال لدى البعض: ما هي الرواية الأفقية؟ ولذا أقول، ولفئة الشباب العربي خاصة: إن تعبير الرواية الأفقية يشير لتلك الرواية التي تسير في خطٍ مستقيم، متولّياً الراوي العليم «مُنفرداَ» شق طريقها، ودكّه ورصفه، والسير عليه بأحداث الرواية حتى النهاية.
مؤكد أن أحد أهم أسباب انتشار الرواية في العالم، أنها جنس أدبي أشبه بالغابة، يستوعب أجناسا أدبية كثيرة، كالشعر والقصة القصيرة، وشيء من المسرح والتشكيل. لكن عظمة الرواية تكمن في قدرتها العجيبة على محاكاة حياة الإنسان، مما يجعله يتعلق بعوالمها، وينظر إليها بوصفها مرآة تعكس واقع عيشه، وتظهر وتعري أمامه دقائق أفكاره عن نفسه وما يحيط به!
الرواية الحديثة، وفي كل الأزمان، كانت تخترع طريقتها الفنية الجديدة والخاصة لتقديم حكايتها بعناصر وقضايا الواقع الراهن وقت كتابتها. وهي وحدها قادرة على تقديم أنماط حياة متجددة تتجاوز أنماط الحياة السائدة وتخرج عليها. لكن «الرواية الأفقية» تكرّس نقل الواقع، بحضور الراوي العليم، الذي يتكفّل بتقديم حكايته بينما يكتفي القارئ بمتابعته، وهذا ما عاد مقبولا ولا مُحتملا في زمن الذكاء الاصطناعي ومنصّات التواصل الاجتماعي المتفاعلة والتلفون الذكي. فالقارئ العصري هو ذاك الذي يجد نفسه جزءا أساسيا من حبكة الرواية، ويجد نفسه في أماكن كثيرة منها يقف متسائلا: هل يكتب المؤلف عبر الراوي حياته، أم إنه يتلبس حيواتنا عبر كتابة حياته؟ والرواية الحديثة وبعكس الرواية الأفقية البائسة، هي تلك التي تكسر توقع القارئ، وتقدّم فصولها بحبكة زمن متقاطعة بالتقديم والتأخير، بالتذكّر والاستباق.
لقد بات العالم على أبواب العيش مع «الربوتات»، وعلى أبواب التعامل مع الذكاء الاصطناعي في كل متطلبات الحياة، وهذا يقول بشكل صريح: ما عادت ساحة الإبداع تطيق وجود «رواية أفقية» براوٍ عليم، يعرف كل شيء عن كل شيء، ويخبرنا بتفاصيل حكاية متشعّبة دون أن يبرر معرفته بها، أو علاقته بزمانها!
مرحبا بكل الروايات الجديدة المتجددة، وبجميع صيغها، ومرحبا براوٍ يعرف رتم العصر، ويعرف كيف يقدّم حكاية مشوّقة، ويخاطب القارئ مُشيّدا علاقة به، ووداعا لرواية أفقية، ما عادت تليق بلحظة الواقع الإنساني الراهنة والمتغيّرة. ومؤكد سيأتي يوم، ليس ببعيد، وتُفرَزْ به «الرواية الأفقية» بوصفها شيئا من الماضي!
روائي كويتي