«أريدكم أن ترقصوا معي، على بنان أرجل يتيمة. أن تستفيقوا. أن تقفوا ولا تستكينوا… لا تستهينوا بي فقط. أريدكم أن تميطوا اللثام، استثناء.. لا تناموا بعد اليوم». بهذه العبارات يُصدّر الكاتب المغربي حسن بوفوس روايته المعنونة بـ«الرقص على حبال المكر»، والصادرة عن مطبعة سليمي أخوين في طنجة 2018. تتوزع أحداث الرواية عبر أربعة عشر فصلاً، بدايتها بعنوان (رحلة العودة إلى طنجة)، وختامها بعنوان (نهاية مأساوية).
العنوان والغلاف
الرقص على حبال المكر.. عنوان مثير، فالرقص حركات وكونه على الحبال فهو يحول الركض إلى الترنح والميلان ما قد ينتج عنه السقوط، وهو النتيجة التي يسعى إليها المكر والخداع. لذا فمفردتا (الركض) و(الحبال) تثير في المتلقي عدة دلالات كلها تدل على الخطر والمغامرة وتوقع السقوط لا محالة. والعنوان بهاته الصيغة يحمل بمضمونه عامل التشويق الذي يعد المحفز للقراءة، بغية الكشف والاطلاع على ما تحيل عليه معطياته. أما لوحة الغلاف ــ وهي للفنانة حنان الريحاني ــ فتمثل بُورْتْريهاً لامرأة أو فتاة بشعر أسود فاحم، تحدق بعيدا مركزة بصرها على شيء أو أشياء محددة، ولأن اللوحة ملونة بالأزرق وبتدرجات متناسقة، فإن هذا الازدحام لهذا اللون الذي عمّ كل معطيات اللوحة حتى وجه وبعض شعر الأنثى ليقابلها في الجهة الأخرى ما يشبه أحجارا كريمة تتحرك متتابعة تخترق لُجة اللون الأزرق. اللوحة بمختلف عناصرها تحيل على البحر، وله حيز كبير في متن الرواية، بل يُعتبر من الأماكن الرئيسية التي جرت فيه أو بجانبه أحداث لها وقعها على مجريات ووقائع الرواية، كما أن البحر حظي بنصيب ملحوظ من حيث وصف الكاتب له معبرا عن أعماقه ورؤاه، متخذا إياه عنصرا ترميزيا لما تحيل عليه الأحداث. فالعنوان واللوحة مُوجِّهان أساسيان لقراءة الرواية، لأنهما بوابتان تفتحان أمامنا سبلا لتصور العوالم التي سنرتادها عبر القراءة للأحداث المنتظرة.
هدوء تأملي وصراعات متلاطمة
تتواتر الأحداث بدءا من رحلة البطل عبد الله عائدا إلى طنجة، رحلة ممتعة تكشف عن تأملاته في ما يصدر عن أفراد أسرة لينتهي به الأمر إلى طنجة حيث الجو اللذيذ والهواء المنعش الممزوج بندى البحر، وهناك سيتحاور مع أبيه بصدد مهنته وعمله وآماله في علاقة مع صديقته عائشة التي أرهقته بطلباتها المتكررة، قبل أن يتعلق بنادية التي فتنته وقرر الزواج بها، ما أغاظ عائشة، وهنا ستدبر المكائد والخدع حتى لا يسعد بزوجته نادية التي شعر بنفسه مندفعا إليها بقوة، ولكون عائشة السبب في الدفع به لينخرط في عملية مخدرات تردد في قبول القيام بها في البداية لكون مسعاه يخالف مسعى عامة الناس وخواصها، وهنا سيحلق عبر الحلم ليتصور الكثير من العقبات التي ستعترضه والتي سيسقط في حبائلها قبل النجاح في إنجاز المطلوب منه، وتتطور الأحداث، ويرتبط بنادية متحديا تهديدات عائشة التي تزداد شراسة لحظة بعد لحظة، ويحدث ما ليس في الحسبان وعبد الله يفكر في التخلص من عائشة بأي وسيلة إذ فوجئ الناس ومنهم عبد الله لما رأوا امرأة مكتوفة اليدين في حالة تبعث على الاستغراب والشفقة (وهي عائشة) ليتبعها رجال الإسعاف حاملين شخصا ملطخا بدمائه وهو عبد الملك الصديق، الذي لازم عائشة مدة طويلة يبتزها ويعنفها. وهي نهاية مفجعة تخالف وتكسر أفق انتظار القارئ، وتخلو الساحة والمجال لعبد الله الذي كان «همه أن يسعد بنادية عسى أن يكون له في حبها ما يهدئ به فورة ضميره»… يخاطب نادية أو يتخيل أنه يخاطبها «أيا نادية، اذهبي، انشرحي، إبسطي سلطانك العادل على هذه الخرائب، انتشلي من بين ركام الأحجار وأكوام الرمال جثتا متعفنة، وانفخي فيها من محاسنك السحرية..» قال ذلك قبل أن يتجه إلى مقهى باريس كي يكتب قصيدة يعبر بها عما يجيش به صدره من أحاسيس إزاء نادية. وبوصف جميل لسكون البحر وجماله يختتم الكاتب روايته. تلك أهم أحداث الرواية، ومن ميزتها تقديم الحدث تقديما حيا ديناميا يجمع بين دقة التصوير وانسياب السرد.
بنية السرد
جسّد الكاتب ذلك بصيغتين، صيغة مقالية وتتعلق بتصديراته لكل فصول الرواية، وصيغة سردية تتبدى في توقفه بين الحين والحين، ليوقف تتابع الحدث بتعليق غير مباشر على الحدث السابق أو اللاحق، وبذلك يمتزج ما هو فكري بما هو سردي، بدون أن يعيق ذلك خطية وتطور الحدث، بل إن الكاتب كثيرا ما يفصل بين حدث وآخر أو بين فصل وآخر بمشهد كالذي يعمد إليه مخرجو الأفلام للفصل بين الأحداث الرئيسية.
الحدث وأزمنته
وما يثير في الرواية اعتمادها بوضوح على بطل عمد الكاتب إلى وضعه في محك الوقائع المتناسلة بسرعة وبحدَّة في ثنايا الأحداث، فهو الطامح المتعدد العلاقات المحاول إنقاذ نفسه من رزايا ودنايا كثيرة، ما جعله يعيش بين ضغط القيم وضغط تحقيق مطامحه المادية والنفسية، لينتصر في الأخير وقد تفرغ لعلاقته بنادية التي ستعيد إليه استقراره الاجتماعي والنفسي. أحداث متكئة إلى حبكة متناسقة البناء عبر لغة شفيفة تقرب بين السرد والوصف في ارتباط مساهم في إتاحة القراءة لكل الفئات، بدل أن تصير لغة الكتابة النخبوية فحَسْب. ولقد جاء الحدث في الرواية متقاطعا بين الماضي والحاضر وما ينتظر أن يؤول إليه، ومن هنا يجعلك الحدث تعيش الحاضر وسرعان ما تعود إلى الماضي كي تعود منه إلى الحاضر، متأهبا إلى السفر عبر التوقع والافتراض لوقائع الآتي، ورغم ذلك فالكاتب متحكم في سيرورة مرسومة تجعل الحدث لا يؤثر عليه الاسترجاع والافتراض، فقد جعل الحدث الواقعي الذي تعيشه الشخصية في حاضرها هو الرئيسي الذي سيحافظ على وتيرة ومنحى الحدث نحو النهاية.
الشخصية الروائية
في رواية حسن بوفوس يتضح التفاوت في ظهور الشخصيات، فحيز الأحداث الكبرى كان من نصيب شخصية عبدالله الذي لا شك أنها تمثل السارد لكونها محملة بالمبادئ والتساؤلات والتأملات، وكل ما يراه ينبغي أن يكون، مؤنبا أحيانا، ومترددا أحيانا، ومقترحا أحيانا أخرى. علاوة على شخصية عائشة التي كانت صديقته لتصير عدوته وهو يهم بالارتباط والزواج بنادية، ما أثار غضب وغيرة عائشة التي ستحيك لهما ما تستطيع من مكائد قبل أن تلقى مصيرها متهمة بالقتل. وتتميز شخصية عبدالله بالشخصية الرافضة لسلوكات وقيم وقع ضحيتها رغما عنه بينما تمثل عائشة الشخصية الممثلة للجانب المنهك من المجتمع المهضوم الحقوق المهمش المستغل من قبل ذاك وذاك مما حولها إلى شخصية تُظْلَم من قبل البعض وتَظْلِم بنفسها البعض الذي تجد فيه وداعة وتسامحا. وبصفة عامة فكل الشخصيات الواردة في الرواية لها مرجعية اجتماعية مغربية يمكن أن تجدها في جل أو كل مناطق المغرب بقيمها وصراعها السلوكي والمعيشي المضي إلى التصالح والإجرام أحيانا.
٭ كاتب من المغرب