أبو يوسف طهالكتابةُ تفكيرٌ بالصُّور؛ في سنة 1969 اعتدتُ على الجلوس الصَّباحي في مقهى رُوكْسِي، في الزَّاوية المُواجهة لصيدليَّة الرِّباط حيث تَفِدُ صيدَلانِيَّةٌ كما لو تَخْطُو على الهواء، شامخة بِجمالِها البَاذِخِ: هُبوبُ نَسمةٍ، أو ترجيعُ نايٍ آتٍ من الأقاصي… يتعذَّر على الأصابع مُلامَسَتُها: بين المادَّة والطَّيْفِ؛ هذه اليافعةُ الفِردَوسِيَّةُ جَبَّتْ في ذِهْنِي المَاقَبْلَ صَادَّةً المَابَعْدَ، تَتَأَبَّدُ مِنَ الاقتيات على نَسْغِ المُخيِّلَة… كانت مَنْبَعَ شَغَفٍ لا ينضب، يتحدَّر منه الرَّونقُ الباهِرُ، والبَهاءُ الآسرُ تَحَدُّرَ قطرات المطَر مِنَ الغيْم: الإحساسُ بديلُ الكلام؛ هذا الشَّغفُ ذاتُه هو ما تولَّد عند إنْهاء قراءة رواية ‘العميان’ للرِّوائي، والباحث عبد العزيز ايت بنصالح.القراءةُ المدجَّجةُ بِعتادٍ نَقديٍّ أكاديمي تُشَكِّلُ خدشاً في تكوين هذا النَّصِّ البَهيِّ، والإستثنائي. سُئِلَ أحدُهم عمَّن يُمكنُ تسميتُه قاص، أو روائي مرَّاكش، على غِرار محمَّد شُكري بالنِّسبة إلى طنجة، وزفزاف بالنِّسبة إلى الدَّار البيضاء. بدا المسؤولُ راغباً عَنِ الجواب، ونَفِقَتِ الكلماتُ في كَهْفِ فَمِهِ، ولأنَّ المناسَبَةَ شرطٌ؛ فصدورُ رواية ‘العميان’ تجعل من كاتِبِها (روائي مرَّاكش) بامتياز، وبيانُ ذلك أنَّ الكُتَّابَ المَغاربَةَ جميعُهم يُسهِمون، كُلٌّ من مَنظوره، ومَوقِعِه في بِناء ‘الوطن الزَّمن’. ولا غَضَاضَةَ في الإقرار بالسَّبق، أَوِ الأفضليَّة، أَوِ التَّخصُّص بالنِّسبة إلى البعض، لأنَّ مَجالَ الكِتابة الأدبيَّة ليس مَجالَ تَزَاحُمٍ بالمَناكب. وللتَّأكيد على التَّمثيليَّة المدينيَّة لِهذا النَّصِّ الجميل يجب التقاطُ الرُّوح السَّارية بين ثناياهُ، وتحديدُ أَمزِجة شخصياتِه، واستبطانُ العلاقات، والأفعال، والأقوال، وقد أحكَم مُوَزِّعُ برامج السُّرود، والسِّجلاَّتِ اللَّمْلَمَةَ، والرَّبطَ، والتَّكوينَ، والتَّنميطَ، وبَلوَرَةَ الحوافزِ، وتحديدَ المؤازَرة، والمعارضَة، وضمانَ فعالية الأحداث والوقائع.إنَّ القراءةَ التَّفاعليةَ وحدَها الكفيلة بتحقيق التَّلَذُّذِ بالنَّصِّ، وجَوْسِ سراديبِه، وارتياد شِعابِه. لقد لَجأ بعضُ مَسْرحيِّي المغرب إلى استثمار الأشكال ما قبل المسرحية كواحدةٍ من طُرُقِ تَبْيِئَةِ المسرح. وهذا الصَّنيعُ ذاتُه في تأجيج، وتوهيج رواية ‘العميان’. كثيرٌ من النُّصوص الرِّوائية أخفقت في التَّفْضِيَةِ، فيبدو المَكانُ أخرسَ خالِيّاً من العلاقات المتواظفة، لكن هنا المكانُ يتحدَّثُ لُغتَهُ البليغةَ، تتناسجُ داخلَه، أو حواليه العلائقُ المُتماهيةُ مع كُنْهِهِ…الرِّوائي عبد العزيز آيت بنصالح شيَّد مدينتَهُ/مدينةُ مرَّاكش. هذا هو الامتيازُ الإستثنائي. أعود ثانيةً إلى الصَّيدلانيَّة ذات البهاء؛ مَضَتْ على رُؤْيَتِي لَها 43 سنة… عَجَّزْتُ، خَرَّفْتُ، ماتتْ؟… كصورةٍ ماثلةٍ في ذِهْنِي، متألِّقةٍ بِكُلِّ النَّضارَة، والعُنفُوانِ؛ ذلك ما سيكون بالنِّسبة إلى العديد من القرَّاء، لأنَّ نَصَّ ‘العُميان’ عَصِيٌّ على النِّسيان، ذلك يَجِدُ تبريرَه في (كِفايَتِه الذَّاتية). فالرِّوايَة مُحكَمةٌ من البِدايَة إلى النِّهاية، محدَّدةُ الحوافِّ كمدينةٍ مُسَوَّرَةٍ، تتنافى وَأَيَّ استدراكٍ، أو إضافَةٍ: ذاتُ مَنطقٍ داخليٍّ صارمٍ، مِمَّا يَدُلُّ على امتِلاك الكاتب قدرةً مُمَيَّزَةً على البِناء الرِّوائي، هذا البِناءُ المُماثلُ لِفَتْلِ ضَفيرةٍ بين نصَّيْنِ مَرْكَزِيَّيْن، مُسْتَرْفَدَيْنِ من مَحكياتٍ صُغرى تَشَكَّلَ في تَضَامِّها، وتَعاضُدِها ‘المجتمع النَّصِّي’. هذا المجتمع العديل، الرَّمزي لمدينة مرَّاكش، الذي نقرأُ حاضرَهُ في ماضيه، وماضيه في حاضِرِه.لا غَرْوَ أنَّ ما يُشَكِّلُ مَصدرَ قوةٍ، بالإضافَة إلى رِوَائِيَّةِ كاتِبِه غيْرِ المُرتاب فيها، الإرساءُ المَرجِعيُّ/التَّوثيقي، الذي كان الأرضيَّةَ الخِصبَةَ التي انبنى عليها النَّصُّ الرِّوائي، وهذا يطرح تحدِّياً مُحرجاً على الرِّوائيِّين. هل نستطيعُ كتابَةَ روايةٍ دون عِلْمٍ ومَعرفةٍ، مُكتفينَ بترديد أنَّ لِكُلِّ نَصٍّ شجرة أنسابٍ؟إنَّنا بِصرفِ النَّظر عَنِ الطَّابَع الأُلعوبي، والإنسيابية، وتأكيداً هذا العُنصُرُ هو الضَّامنُ لِما أدعوهُ الإنزلاقَ السَّلِسَ في القراءة الخطِّيَّة، والإرتداديَّة، مؤشِّرٌ دالٌّ على ما وَسَمَهُ المرحومُ د. نجيب البهيتي بـ (اندِراج الصَّنعة تحت الطَّبع) حيث لا نُتُوءَ في التَّقانَة يَعوقُ القِراءَةَ. القراءَةُ هنا أشبهُ بالسَّيْرِ في طريقٍ مُعَبَّدَةٍ. هذه التَّقانَةُ، في جوانِبِها الإجرائيَّة، والتي أَسْلَمَتْنَا، ونحن نُمارسُ تِجوالاً حُرّاً في طوايا النَّصِّ، والتي يُفصِحُ عنها (القائلُ التَّخييلي) وهو يُبَئِّرُ السُّرودَ على الرُّواة، تُدْنِينا من أن نَكونَ مشاركين في الكِتابَة من خلال قراءةٍ تَفاعُليَّةٍ.إذا ارتقَيْنا خُطوةً في بَسْطِ هذه الانطِباعاتِ باستدلالِ، وتصنيفِ المُدوَّنات سنهتدي إلى أنَّ ثقافةَ الكاتب الأكاديميَّة قد وفَّرت له العُدَّةَ والعتادَ الضَّروريَّيْن لِتأمين غِنَى الرِّواية، وقوَّةِ ‘إيهامِها بالواقع’. استطاع أن يُؤَالِفَ من المدوَّنات: تاريخية، اجتماعية، صوفية، عاطفية، نفسية، جِنسية في نوعٍ من الإتِّساق، فضلاً عن التَّنقُّلات الزَّمانية، التي تُضيءُ بِمُراوَحَةِ المراحل المختلفة… تبقى اللُّغةُ التي صيغت بِها الرِّوايةُ مِيزةً دالَّةً لِتناسُبِها مع الموضوع، والمَحكيات: (اللُّغةُ الفصيحةُ، اللَّهجاتُ، الرَّطاناتُ) ولا أَشُكُّ لحظةً في أنَّ الكاتبَ بَذَلَ جُهداً فريداً لِبِناء مُعجَم الرِّوايَة الخاصِّ، وسيكونُ من دواعي الإستغراب ألاَّ يثيرَ نَصٌّ تَوَلَّدَ مِنِ اجتِماع السَّليقة الرِّوائيَّة بالبحث الدَّؤوب، الجادِّ نقاشاً يُحَدِّدُ الرَّاهنَ الرِّوائي، وإمكانياتِه المستقبليَّة جَماليّاً، لأنَّ وضعَ الإستراتيجيات من عَمَلِ الأنظمة الشُّمولية.يجب، ونحن نلتمس طريقَنا لالتقاط ما هو جميلٌ في النَّصِّ، التَّوقُّفُ عند بناء الشَّخصيات؛ فالكاتب يَقِفُ في صَنيعِه بين الشَّخصيَّة المَقاميَّة والرِّوائية، وهو خِيارٌ غيرُ اعتِباطي. لكن من مِنَّا، حين يَفْرَغُ مِنَ القِراءة، ويستسلمُ للتَّذَكُّرِ لا يُسعِفُه الحالُ بِأن تَرِدَ على بالِه شخصيَّةٌ من الشَّخصيات اللَّائذَةِ بين الرُّموز والعلامات في رواية ‘العميان’ مِثْلَما وردت على ذِهْنِي الصَّيدلانيةُ ذاتُ الجمال الذي لا يُضاهى؟ الأكيدُ أنَّ جميعَ الشَّخصيات سَتَرِدُ كَسِرْبٍ من الطُّيور مُرَفْرِفَةً بِأجنِحَتِها حواليه لاكتمال بِنائِها، ودلالة نَمَطِيَّتِها.*كاتب من المغربرواية ‘العميــان’ صدرت عن المركز الثَّقافي العربي عام 2012، للروائي المراكشي عبد العزيز آيت بنصالح، ورُشِّحت لِجائزة البُّوكَرْ.