«كنا معا يا دارتنيان ومونت كريستو وبالسامو، ننطلق على متن خيولنا في طرق فرنسا ونزور ساحات المعارك والقصور والقلاع. ومعك، نحن نحلم»، كانت تلك كلمات الرئيس الفرنسي جاك شيراك عام 2002 بمناسبة مرور مئتي عام على ميلاد الكاتب الفرنسي اليكساندر دوماس.
وكانت كلمات الرئيس الفرنسي قد اختيرت بعناية فائقة، حيث وصفت اليكساندر دوماس بدقة. وكم من كاتب شهير أنتجته فرنسا، ولكن أيا منهم لا يضاهي اليكساندر دوماس شهرة وخيالا وغزارة. وكانت أشهر رواياته، «الفرسان الثلاثة» التي أنتج عنها أكثر من أربعة وخمسين فيلما عالميا، ومثلت فيها مجموعة من أشهر الممثلين العالميين. وأشهر فيلم عنها كان قد أنتج عام 1947 من تمثيل جين كيلي وفان هيفلن ولانا ترنر.
أحداث رواية الفرسان الثلاثة
تبدأ أحداث رواية «الفرسان الثلاثة» عام 1625 عندما حاول النبيل الشاب «دارتنيان» الانضمام إلى فرسان الملك الفرنسي لويس الثالث عشر، ويبدأ رحلة إلى باريس يتواجه فيها مع رجال رئيس الوزراء الفرنسي الكاردينال «ريشيليو» ويتصادق مع ثلاثة من فرسان الملك مكونا معهم فريقا متماسكا شعاره «الجميع من أجل الفرد، والفرد من أجل الجميع» حيث يدافعون عن مصالح فرنسا بدون علم الملك. ويكتشفون أن ملكة فرنسا على علاقة غرامية بالإنكليزي دوق بكنغهام، وأن «ريشيليو» كان يريد فضحها لحقده عليها لرفضها تحرشاته الجنسية، وكذلك للبدء بحرب بين فرنسا وإنكلترا. ويقاتل «دارتنيان» ورفاقه رجال «ريشيليو» في فرنسا وإنكلترا ويواجهون دهاء جاسوسة حسناء بالغة الخطورة، كانت تعمل لصالح «ريشيليو».
وفي خضم كل ذلك نجد الكثير من الإغراءات الجنسية والعلاقات العاطفية ذات الأهداف الخبيثة أحيانا، ومقتل البعض مثل دوق بكنغهام. وفي نهاية المطاف ينجح الفرسان في مسعاهم، وينضم «دارتنيان» إلى فرسان الملك.

خلفية الرواية
لم يكن اليكساندر دوماس المؤلف الأصلي لرواية «الفرسان الثلاثة»، إذ يعود ذلك الشرف للكاتب الفرنسي غاتيان ساندراس (1644 – 1712) الذي عرف بقصصه التاريخية. وكان اليكساندر دوماس قد عثر عليها أثناء قيامه ببحث تاريخي عن الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، فقام بالإجراءات الرسمية لإعادة كتابتها وتحويرها بالتعاون مع صديقه أوغست ماكيت، الذي حدد الخطوط العامة للرواية، بينما قام اليكساندر دوماس بتأليف التفاصيل وكتابتها بأسلوبه الرائع. ولكن الشركة الناشرة للرواية رفضت وضع اسم ماكيت على الرواية، وعن ذلك استلم ماكيت تعويضا ماليا سخيا. واستمر الحال على هذا المنوال، حيث قام الاثنان بكتابة تتمة للرواية على شكل جزئين، وشمل الجزء الأخير شخصية أخرى خلدها الأدب العالمي، وهي شخصية الرجل ذو القناع الحديدي، وسميت السلسلة بغراميات دارتنيان. واشتركا كذلك في روايات أخرى مثل «الكونت مونت كريستو». ومن المعروف أن اليكساندر دوماس تعاون كذلك مع عدة مؤلفين مثل بول لاكروا وبول بوكاج.
لم تكن رواية «الفرسان الثلاثة» صغيرة، حيث تكونت الطبعة الفرنسية من سبعمائة صفحة، واحتوت على جميع أنواع الإثارة الأدبية لامتلائها بالفضائح الجنسية والسياسية للطبقة الحاكمة الفرنسية، وعلى الأخص عائلة الملك لويس الثالث عشر نفسه. ومن الواضح أن القراء الفرنسيين استمتعوا بتلك الفضائح الملكية، ما يدل على قلة احترامهم للنظام الملكي، حتى كون عشيق الملكة إنكليزيا لم يزعجهم. واحتوت الرواية كذلك على الكثير من الإشارات الجنسية، ولذلك اضطر المترجم الإنكليزي للرواية إلى حذفها كي تكون مقبولة من قبل السلطات البريطانية. ومن الملاحظ أن كل امرأة متزوجة في الرواية لديها عشيق، وكل رجل فيها لديه علاقات غرامية. ومن الممكن أن اليكساندر دوماس كان قد اقتبس حكاية علاقة الملكة الجنسية من إشاعة قديمة عن الملكة ماري انطوانيت، حيث اتُّهِمَت بمختلف العلاقات الجنسية، على الرغم من عدم وجود أي دليل يدعم صحتها. وكان اليكساندر دوماس قد كتب ثماني قصص عن الملكة ماري انطوانيت.
كانت كل شخصية في الرواية مأخوذة من شخصية حقيقية، فالكاردينال «ريشيليو» والملك «لويس الثالث عشر» كانا شخصيتان تاريخيتان، ولكنهما لم يكونا متنافسين، كما في الرواية، بل إن قوة «ريشيليو» أتت من دعم الملك له. وكذلك «دارتنيان» والفرسان الثلاثة أنفسهم، ودوق بكنغهام والشخص الذي اغتاله. وحتى شعار «الجميع من أجل الفرد، والفرد من أجل الجميع» لم يكن من اختلاق دوماس، حيث أخذه من شعار معروف في التاريخ السويسري.
عاد اليكساندر دوماس إلى فرنسا عام 1864 ووجد نفسه غارقا في الديون، ومما زاد على ذلك حبه للعلاقات النسائية التي كلفته الكثير من الأموال.
اليكساندر دوماس
كان «اليكساندر دوماس» أشهر كاتب في تاريخ فرنسا الحديث، وأغزرهم إنتاجا، حيث تناول جميع أنواع الأدب، وحتى في مجال الخيال العلمي في روايتيه «الأخوة الكورسيكيون» و«الزنبقة السوداء»، بالإضافة إلى عدد كبير من المسرحيات والمقالات السياسية والثقافية، ولا يزال الباحثون يكتشفون أعمالا كانت مجهولة له حتى الآن. ويعتقد أن عدد أعماله الأدبية تجاوز الألف وأن مجموع ما كتبه من صفحات تجاوز المئة ألف. وقد أنتج حتى الآن أكثر من مئتي فيلم عن أعماله الأدبية من مختلف البلدان، بالإضافة إلى المسرحيات. ولم يحاول اليكساندر دوماس أن يغوص في تحليل الحالة النفسية لشخصياته، بل صورهم كمغامرين رومانسيين في أجواء سياسية ومالية فاسدة، ولذلك فإن الإثارة كانت الصفة السائدة في أعماله الأدبية. وكان بارعا في اقتباس أعمال كثيرة كانت موجودة أصلا وتحويلها بأسلوبه المثير إلى روايات خالدة.
ومن الممكن القول إن ميوله السياسية كانت جمهورية منذ شبابه، واختلط بأعضاء التنظيمات السرية المضادة للحكومة الفرنسية في عشرينيات القرن التاسع عشر. وشارك أيضا مع أشهر موسيقيي أوروبا فرانز ليست وهيكتر برليوز في مظاهرات مضادة للملك شارل العاشر، أدت إلى الإطاحة به عام 1830. وسبب نشاطه السياسي له بعض المشاكل أيضا في ما بعد مع حكام فرنسا التاليين، مثل الملك لويس فيليب ونابليون الثالث، حيث اضطر أن يترك فرنسا لعدة سنوات بسبب غضب هؤلاء عليه. ووصف اليكساندر دوماس عالم السياسة في قوله «في السياسة، تعلم يا عزيزي كما أعلم أنا، لا يوجد رجال، بل أفكار. ولا توجد عواطف، بل مصالح، ففي السياسة لا نقتل رجلا، بل إننا نزيح عائقا فقط». ولأنه كان كثير السفر لأسباب سياسية أو أخرى، فقد زار إنكلترا وروسيا وألمانيا والجزائر (كانت تحت الاحتلال الفرنسي)، ولذلك فقد كتب الكثير من الكتب عن رحلاته، وكان من الأبرز في مجال أدب الأسفار. وكان مُرَحَّبا به أينما ذهب بسبب شهرته الواسعة وكون اللغة الفرنسية اللغة التي يتعلمها المثقفون في أوروبا. وكانت إيطاليا محطة مهمة في ترحاله، إذ انظم هناك إلى القائد السياسي جيوزبي غاريبالدي، وأيد الوحدة الإيطالية وأسس جريدة تدعو إلى ذلك، ولم تكن تلك الجريدة الأولى التي يصدرها، حيث سبق أن أصدر جريدة «الفارس» وجريدة «مونت كريستو» في فرنسا. وفي إيطاليا أصبح دوماس ماسونيا.
كان جد «اليكساندر دوماس» لابيه نبيلا (ماركيز) ومسؤولا رفيعا في المستعمرات الفرنسية في جزر البحر الكاريبي، وأنجب من عبدة افريقية والد اليكساندر دوماس الذي كان عبدا بالولادة، حسب النظام المتبع حينذاك، ولذلك اضطر الجد أن يذهب إلى فرنسا مع ابنه (والد اليكساندر دوماس) كي يقوم باجراءات عتقه وإنقاذه من العبودية. وقام والد اليكساندر دوماس باستعمال اسم اليكساندر دوماس، كاسم عائلة، الذي كان في الحقيقة اسم عائلة والدته الافريقية. ونجح والد اليكساندر دوماس في حياته المهنية وأصبح قائدا كبيرا في الجيش الفرنسي، حيث كان أول شخص من أصول فرنسية – افريقية يصل إلى هذه المرتبة في الجيش الفرنسي. وساعد هذا الوالد ابنه اليكساندر دوماس كثيرا وأمن له عملا عند «دوق اورليان» الذي أصبح عام 1830 ملكا على فرنسا باسم لويس فيليب. وبدا اليكساندر دوماس بالكتابة في تلك الفترة، حيث ألف الكثير من المقالات السياسية والمسرحيات الغنائية، وكان نجاحه الجماهيري سريعا وكبيرا، ثم انتقل إلى كتابة الروايات وتوسع في كتاباته.
عاش اليكساندر دوماس حياة صاخبة امتازت بعلاقاته الجنسية الكثيرة، حتى تجاوز عدد عشيقاته الأربعين، وعُرِفَ بتبذيره الأموال عليهن، وعلى الأصدقاء المحيطين به، حيث كان يعشق الاختلاط بالآخرين، ولذلك كان عُرضَة للاستغلال المالي حتى إنه اضطر أن يبيع منزله الفخم لتسديد ديونه وتعرض للإفلاس عدة مرات، على الرغم من المردود المالي الضخم لأعماله الأدبية.
أنجب اليكساندر دوماس أربعة اطفال على الاقل، ولكن ثلاثة منهم كانوا غير شرعيين. واما ابنه الشرعي، فقد ساعده اليكساندر دوماس واصبح كاتبا شهيرا. وكان اليكساندر دوماس من مرتادي نادي الحشاشين، حيث كان يتناول الحشيش مع بعض الشخصيات الأدبية الكبيرة مرة واحدة في الشهر، وكان منهم فيكتور هوغو، حيث كان تدخين الحشيش مسموحا آنذاك.
عاد اليكساندر دوماس إلى فرنسا عام 1864 ووجد نفسه غارقا في الديون، ومما زاد على ذلك حبه للعلاقات النسائية التي كلفته الكثير من الأموال. وللتخلص من مشاكله المالية أخذ يكتب على عجل، ما قلل من مستواه الأدبي وتقلص عدد قرائه وذهبت محاولاته سدى. وفي نهاية المطاف توفي اليكساندر دوماس فقيرا عام 1870 في مسقط رأسه، ولكنه لم يكن بائسا، حيث كان سعيدا لنجاح ابنه الأدبي وبقاء ابنته إلى جانبه حتى النهاية. ومما قلل من اهتمام الشعب الفرنسي بنبأ وفاته اندلاع الحرب الفرنسية البروسية في تلك السنة.
في عام 2002 واحتفاء بمناسبة مرور مئتي عام على مولد اليكساندر دوماس قامت الحكومة الفرنسية بنقل رفاته من شمال فرنسا إلى باريس ليدفن في مبنى البانثيون، الذي يحوي على قبور كبار فلاسفة وكتاب فرنسا، بحضور الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وكان تابوته محاطا بجنود فرنسيين في زي الفرسان الثلاثة، فقد ظل «دارتنيان» والفرسان الثلاثة مع اليكساندر دوماس حتى النهاية. ولكنهم لم يموتوا معه، بل بقوا معنا لامتاعنا وتذكيرنا بعظمة اليكساندر دوماس.
٭ باحث ومؤرخ من العراق