‘اللعبة ُ المُحكمة’لكريم السماوي: أحمد محمد امين يبدو أن كريم السماوي يعرفُ اسرار سوق الكتاب، ورغبات القراء، فضلاً عن امتلاكه حدساً يتميزُ بالذكاء والشفافية حين نأى بنفسه في روايته الجديدة الصادرة عن دار فيشون ميديا- فكشو ـ السويد عن السياسة وهمومها التي باتت تقض مواجعنا اليومية بكل تداعياتها وسلبياتها، سواء أكنا داخل الوطن أم في ضواحي المنافي. الكتابةُ في السياسة تفرز لنا اعداءً كثيرين ومؤيدين قلائل، أما الحياد فمصطلح فارغ يضعك دوماً الى جانب الأعداء حسب مقولة بوش الإبن: مَنْ ليس معنا فهو ضدنا. لقد مل كل من القارئ والمبدع السياسةَ، ولا بد من اعتماد قنواتٍ اُخرَ يلجها الكتابُ ليحرثوا في برها وبحرها. منتهى الذكاء، يتمتع به السماوي حين القى عصاه في صقع آخر. وما دام الإبداعُ هو ذاته في أي حقل كتابي، فلمَ لا ينحى منحى ذا ايقاع درامي اشبه بالرواية البوليسية. كما أن ادبنا العربي يفتقرُ الى مثل هذه الروايات، ربما يُمكن أن يُقال عن ‘اللص والكلاب’ لنجيب محفوظ إنها تندرج ضمن هذه الخانة. ثم تبعه آخرون، وهم قليلون، بعد ذلك… فرواية ُ ‘اللعبة المُحكمة’ جاءت لتسد هذا الفراغ وتلبي حاجة ً افتقدناها، وتكون مبتدأ لكتابة روايات جديدة تلتقي مع مستجدات العصر.. فالفوضى التي افرزها الغزو الأمريكي للعراق وتدخل السياسات الأمريكية في مسار الوضع العربي، وخضوع حكوماتنا للهيمنة الإمبريالية، والصراعات الدموية التي استشرت بين الكتل من طائفية وعنصرية، كل ذلك تمخض عن وسائل جديدة للجريمة بكل اشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فثمة مساحات بكر يُمكن لكتاب الرواية البوليسية أن يُكرسوها لكتاباتهم، ويغترفوا منها.
اخشى أن اكون ذهبتُ بعيداً عما طرحه السماوي في روايته. ففصولها الخمسة والأربعون التي لا يتجاوز الفصلُ الواحد منها اربع صفحات أحياناً، تجيء وفقَ تموجات تعتمد التداعيات واستشراف المستقبل ورصد الواقع الآني المعيش. لن الخص الرواية لأحرم القارئ من متعة الكشف ومتابعة تصاعدها الدرامي. فالقائمون على تحريك الاحدات وملء البؤر الزمنية والمكانية فيها هم بضعة ُ اشخاص: /اوسكار/ زاك / كريستينا / ومولن سكرتيرة زاك / ثم ميشيل صاحب الحانة/ واخيراً ماريو ناشر كتب اوسكار/ كما لا ينبغي أن ننسى الكلبين بوسي وبوتشر اللذين لهما ثقلٌ مادي ومعنوي لا يستهان به. السماوي روائي مُلم بدقائق عمله، واظن أنه خططَ مسبقاً لبنائية روايته، واضطلع بحِرَفية غاية في الدقة، تجري وتنساق وفقاً لمنهجية صارمة ظلت توجه مسارَ الرواية من اول فصل حتى الخاتمة، منذ تكليف زاك سكرتيرته بقراءة عشر روايات لـ’اوسكار’ خلال شهر، وولوج اوسكار حانة الوردة الحمراء حتى… ساعةِ جلوسه لصق جدتي كريستينا وزاك. فقد تحققت رغبةُ هذا المحامي الألمعي بتزويج اوسكار من كريستينا، لكني استغربتُ بداية وضع زاك/ جد كريستينا / حين فرض زواجاً مصلحياً على اوسكار، الذي لا يكن اية عاطفة لحفيدته. وقد يعلم الجد الماكرُ من حيثُ لا نعلم أن الحب سيتأجج بين الزوجين بعد الزواج حين يطمئنان الى بعضهما عن كثب، ويتحابان، ثم فوجئنا أن الفكرة برمتها كانت بمبادرة من كريستينا نفسها. في الرواية جاذبية ٌغير عادية تسوق قارئها الى متابعة القراءة واستشراف الأحداث المتلاحقة. بداية ً اربكنا السماوي وجعلنا نظن، كل الظن، أن زاك المحامي يطمحُ في ثروة كريستينا، وظل شكنا قائماً يتراكم فينا حتى ابان لنا الحقيقة. هكذا يلعب الروائي لعبته التشويقية ويتماهى، يلتف ويدور ويضعنا في بؤر الحيرة والظنون.
الرواية من الفصل الأول حتى نهاية الفصل الخامس والأربعين تكتظ بالأحداث والشك والخوف والترقب والانتظار والسرية. ويكتظ روعُ القارئ – منذ اتفاق زاك واوسكارعلى ‘استغفال كريستينا’ خللَ جريان الأحداث المتلاحقة – بالقلق والحيرة، وقد يُرددُ مع نفسه مقولة ميكافيلي المشهورة: الغايةُ تُبررُ الوسيلة.. الروايةُ أيضاً تظل تنتفخ وتزدحم بالمفاجآت، الا أنها في نهاية المطاف تنفجرُ مثلَ بالون مطاط من دون أن يمس أحداً بضرر. ويبدو أن السماوي معجبٌ حد العشق برواية زوربا والفيلم الذي مثله انطوني كوين، بموسيقاه / من تأليف ليمكيس ثيودوراكيس/ ورقصته المشهورة، على الرغم من تراكم سنوات طويلة على عرض الفيلم في الوطن العربي، فقد رقصوا، جميعاً، على انغامها في حانة الوردة الحمراء وفي اسبانيا أيضاً، واستحوذت تلك الموسيقى على اجواء الرواية. كما لو كانت أحد شخوصها. السماوي يحفظ كثيراً من العبارات المستلة من نصوص قراءاته ووظفها ليُبعدَ قارئه مما يشوبه من ملل ورتابة خلال فصولها المُتلاحقة، كما انه استقدم لبنيتها الدرامية تقنيات المسرح والسينما وأجوائهما، وربما سيحولها أحدهم الى مسرحية مثلما حولوا قصص اجاثا كريستي الى مسرحيات ظلت تُعرض على مسارح لندن قرابة عشرين عاماً بلا انقطاع. وأعجبتني مقاطع حفظها من قراءاته الكثيرة منها:
ـ ان الواحد منا كالقمر له وجه ٌ مظلم.
ـ فليذهبِ الميتُ الى القبر والحي الى الخمر / من رواية دون كيخوتةـ المفلسُ يجتازُ السوق سريعاً / مثلٌ انجليزي.
ـ لا يوجدُ وقتٌ للعيش بسعادة افضل من الآن/ اوسكار وايلد.
ـ لا تُعتبرُ السعادةُ سعادة الا اذا اشترك فيها اكثرُ من شخص، ولا يُعتبرُ الألمُ ألماً الا اذا تحمله شخصٌ واحدٌ./ اوسكار وايلد.
وامثلة ٌ اخرى كثيرة يمر بها القارئ هنا وهناك.. كما أن مشاهد حية آسرة وحميمة نلتقيها ونعيشها إبانَ القراءة، منها على سبيل المثال:
ـ واستكثرُ ان يعمل بمهنة بيع الزهور وهو بكل هذا القبح. مهنة تتطلب الكثير من الرقة والرومانسية والجمال، ص / 35 / ظل سيمون / بائع الزهور/ مُركزاً نظره على بوتشر ويُمسدُ له جسده بتناغم فيه محاباة ومحبة / ص 38/ هنا يبدع الكاتب في اظهار مهارة البائع لترويج بضاعته.
ـ محاولة نهوض ماريو، ربما لمعانقة اوسكار لتخفيف غضبه، غير أن خُطوة صامتة نحو الامام من /ميغل/ منذرة جعلت ماريو يُدرك أن عليه التوقف وهو بين القيام والجلوس. ص 55 اظن اننا بحاجة الى روايات هادئة النبرة، مجردة من الهم والعنف السياسيين، تتكئ على رؤية ابداعية ومعرفية وخبرةِ صانعها، وتختلفُ عما الفناه عبر عشرات الاصدارات التي تستغرق في جنونِ وهموم السياسة، وقمع حقوق المرأة العربية والخليجية على وجه خاص، وتتكررُ في كل رواية تصدر هنا وهناك، وتُصيبنا بالوجع والصداع. كما أن ‘اللعبة المحكمة’ ستفتح امامنا مساحة ً جديدة لتوغلَ فيها ومضاتٌ جديدة من الإبداع الأدبي البوليسي الذي يُريحنا وينأى بنا عن السياسي واليومي اللذين يمضغهما اغلب الروايات العربية.
تبقى ملاحظة مهمة أن السماوي التقط احداث روايته من المجتمع الغربي، وربما اراد أن يُخاطب الأوروبيين ان المبدع العربي الذي اندمج كلاً أو بعضاً في مجتمعاتهم لا يقل معرفة بمشكلاتهم عنهم. ولن يتحقق له ذلك الا اذا تُرجمت الرواية الى احدى اللغات الاوروبية الحية.
لقد نجح كاتبُ ‘اللعبة المحكمة’ عندما خاض هذه التجربة الجديدة، ومنحنا وقتاً للراحة من دون صداع وقلق.. اذكر انني خلل حياتي الدراسية، ولا سيما في أيام الامتحانات، كنتُ ألجأُ الى قراءة روايات أرسين لوبين وروكامبول وشارلوك هولمز في منتصف خمسينيات القرن الماضي. او اذهبُ الى السينما. فاُريحُ نفسي من تعب المذاكرة، ومن مناهجنا الدراسية المملة.