رواية «ترتر» لنزار عبد الستار: محاولة في سردنة المدينة

■ تكشف رواية «ترتر» للروائي نزار عبد الستار والصادرة عن دار هاشيت أنطوان/ 2018 عن ما هو عميق في روح المدينة، وعبر وجودها في سياق مرحلة مهمة من تاريخ الصراع الوجودي بين الاستعمارات الكبرى، على الأرض والمصالح والممرات، وعلى حيازة القوة الرمزية التي تحمل معها فكرة السلطة وتدوين التاريخ.
قراءة الرواية تنطلق من مستويات أنثروبولوجية وسياسية وثقافية، إذ تستدعي هذه القراءة خطابا سرديا يحبك روح المدينة عبر تحولاتها وصراعاتها، وعبر تمثلات يشتبك فيها الواقع مع التخيّل، والتاريخ مع السيرة، وهي اشتباكات تنفتح على استكناه خفايا الصراع العميق بين القوى الكبرى في مدينة الموصل – البريطانيين والألمان والروس والدولة العثمانية – من جانب، والصراع بين قيم الحداثة والتقدّم وقيم التخلف والجهل من جانب آخر..
هذا الصراع هو الفضاء السردي الذي استقرأ من خلاله الروائي سيميائية التحوّل التي عاشتها المدينة في المرحلة بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وعبر التعرّف على طبيعة التشكّلات الاجتماعية، والشيفرات الثقافية، والصراعات السياسية فيها، والتي تقنعت بها شخصيات الرواية، بوصفها أقنعة لشخصيات واقعية، لكنها كانت تؤدي وظائف سردية فاعلة، تنطوي سيميائيا على أفكار ومواقف وقيم لها علاقة بمرجعيات الصراع، وبتمظهراتها في الواقع، أو في المدونة السردية التي أراد من خلالها الروائي «سردنة» المدينة، بوصفها مركز وجوديا للأحداث، وعتبة أنثروبولوجية للتوغل في عوالم الشخصيات وهوياتها وأنماط أفكارها وعاداتها. المكان المركزي ـ مدينة الموصل- يضع الشخصية المركزية- ألينور هانز- في سياق مواز، فالمكان يعيش رمزيا تداعيات الصراع بين تلك القوى الكبرى، التي تتنازع السيطرة عليه، والشخصية المركزية تعيش صراعا معقدا داخليا عبر الغياب الغامض لحبيبها رودولف، وطبيعة هويتها المضطربة – أب ألماني وأم تركية- وخارجيا مع قوى متعددة، تبدأ من الجماعات المخابراتية الإنكليزية ورهانها على نجاح مشروعها الاقتصادي الكبير في المدينة، ولا تنتهي عند صراعها مع الواقع الاجتماعي المضطرب الذي يمثله التجار أصحاب المصالح، أو بعض رجال الدين، والبيئة الشعبوية الغارقة بالخرافات والبدع، فضلا عن حساسية مسؤوليتها السرية عن تمثيل التحالف الألماني العثماني بمواجهة القوة البريطانية الناهضة.. تبدأ سردية الرواية من لقاء الآنسة ألينور المرشدة السياحية في شركة توماس كوك، مع السلطان عبد الحميد الذي كلفها إدارة هذا المشروع مع امتيازات اقتصادية وأمنية كبيرة، كرهانٍ على فاعلية القوة الناعمة للتحالف الألماني العثماني في مواجهة التغول البريطاني، وتنتهي الرواية باللقاء الأخير مع السلطان ذاته، وهو يدعوها منكسرا وفاقدا للسلطة، للتخلي عن المشروع، ومعلنا الفشل العثماني في تلك المواجهة، ومتماهيا مع شجاعتها وجرأتها بقوله «لقد أثبت أنك أشجع من جيشي السادس».

هذه الصراعات الواقعية تتبدى أكثر توحشا وقسوة عبر أقنعة الشخصيات السردية، وعبر مقصديتها في إثارة جملة من الأسئلة التي تخص هوية تلك الشخصيات، أو ما يخص مرجعية الأحداث الواقعية.

سردنة التاريخ

قد تبدو الرواية قائمة على موضوع «سردنة التاريخ» إذ يحضر التاريخ فيها عبر الوقائع وعبر لعبة التخيّل، والتي يصطنع لها الروائي إجراءات سردية، تعمل على قراءة الأثر في التاريخ، وعبر الحفر سرديا في أنساقه المضمرة، ومن خلال وظائف «بروبية» تؤديها «شخصيات مأزقية» كما يسميها محمد بوعزة، التي تكشف عن رعب مصائرها عبر تلك الوظائف، فهي تتحرك في السياق، لكنها تنخرط في لعبة الصراع السياسي أيضا، مثلما تذهب باتجاه المصالح، لكنها تؤدي وظيفة شكلانية تتبدى من خلاله مظاهر الصراع، بوصفه صراعا يخدم البنية الدرامية والدلالية، مثلما هو صراع يُعبّر عن استراتيجية مصالح القوى المتصارعة، وعبر وقائع إنشاء سكة حديد برلين- بغداد، بوصفه إجراءً سياسيا، وفي سياق منافسة التجارة مع الإنكليز وتهديد مصالحها عبر قطع طريق الهند وإنشاء صناعات نسيجية لغرض السيطرة على أسواق مدينة الموصل ذات الطابع الجيوبولتيكي.
تصميم الشخصية الرئيسة سرديا قد يكون واحدا من أكثر مستويات الرواية إثارة للجدل، فهي شخصية روائية غامضة، رغم توصيفها الواقعي وحتى الجندري، فضلا عن كونها شخصية تدرك خطورتها مهمتها ذات الأسرار المخابراتية، لكنها تواصل اللعبة وكأنها رهان شخصي، وهذا ما يجعل فعل السردنة أكثر تمثيلا لسيروة هذه الشخصية في وظيفتها، وفي علاقتها، وفي مغامرتها، وفي صراعاتها مع الواقع المعقد، ومع السير هنري من جهة، ورجال الجامع والمرتشين الذين اتهموها بالكفر والتعدّي على المُقدّس من جهة أخرى.
التحبيك السردي للرواية انطوى على جملة من الموجهات التي تخصّ البناء الفني، أو على مستوى البناء الثيمي، الذي أجد في تمظهراته نوعا من الأنثروبولوجيا التي تُعنى بالكشف عن طبائع المجتمع الموصلّي، فضلا عن كشف طبيعة تمثيله للجماعات، والهويات، التي تتحول إلى بؤر سردية متعــــــددة يكشف فيــــها الروائي عن وثائقــــه ومرجعــــياته التاريخـــية التي تخـــص مدينة الموصــــل، وعن تعاطيه معها بوصفها بنية سردية تتجاوز الزمن الواقعي بين 1898 و1918، إلى زمن سردي تتبدى من خلاله الصراعات العاصفة التي انتهت فيها الدولة العثمانية، وانتصر التحالف الإنكليزي الفرنسي على الألمان، ولتغيب معها صورة البطلة «الينور» وكل الشخصيات الساندة لها في التاريخ والحدث والوثيقة، بفعل ما قام به الإنكليز المنتصرون، أو ما قام به غوغاء المدينة الذين يقودهم الشيخ معروف، كعلامة تؤشر إلى هوية ذلك الغياب، وطبيعة القوى الداخلية والخارجية المسؤولة عن إنتاج أشباحه وضحاياه في الواقع، أو في سياق التنامي السردي لأحداث الرواية.
عناية الروائي بتاريخ المدينة لا يعني نزوعه إلى كتابة رواية تاريخية، بل إنه قادنا إلى فضاء سردي، يستجيب لفعل سردنة التاريخ، تلك التي تُفضي إلى معرفة أسباب الصراع، عبر الكشف عن حجبه السرية، وعن طبيعة الحروب الباردة بين القوى الكبرى على الأرض وعبر المصالح، وعبر طبيعة الوظائف التمثيلية للشخصيات الإيجابية والسلبية في الرواية، بدءا من شخصية الطبيب جرجيس اليسوعي الداعم لها، وشخصية الشيخ سعد الدين صاحب كتاب «الشطرنج» وانتهاء بالشخصيات السلبية التي يمثلها السير هنري ذو المزاج المتعالي، والذي يقول لها «أنتِ تفسدين الموصل، الفرح لا يناسب هؤلاء، إنّهم يتجهّزون للقبر»، وكذلك الشيخ معروف بسلفيته ورجعيته وبفتاواه التكفيرية ضد كلّ ماهو جديد..
هذه الصراعات الواقعية تتبدى أكثر توحشا وقسوة عبر أقنعة الشخصيات السردية، وعبر مقصديتها في إثارة جملة من الأسئلة التي تخص هوية تلك الشخصيات، أو ما يخص مرجعية الأحداث الواقعية، والدور اليهودي الخفي فيها، فضلا عن فضاء الإيهام الذي انغمرت به الشخصيات، وهي تتحرك في المسار الروائي، لتوسيع مديات لعبة السرد، وفي التصريح بما لا يتحمله التاريخ، عبر قصدية الإيهام، وعبر أنسنتها واغترابها، أو عبر التعرّف على مرجعياتها، وعلى الأثر الفاعل لموجهات تلك اللعبة في صياغة سمات الأحداث والصراعات، والذي تذهب ضحيتها الينور، والمدينة ذاتها، ليس بسبب انتصار القوى الاستعمارية الجديدة التي يمثلها الإنكليز حسب، بل بسبب هيمنة قوى التخلف والجهل التي ترفض فكرة «الحداثة» عبر منع إنشاء جامعة في المدينة لدراسة العلوم، فضلا عن رفضها لوجود عيادة للطب النسائي و»مستشفى الغرباء» ووجود آلة التصوير الشعاعي، وقبله وجود بازار بيع الملابس النسائية الجاهزة ومصنع الجواريب ومقر لنسج الموسلين، التي أدارتها بمهارة وحيوية وبجرأة وبروح شجاعة.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية