الرجل الذي يعيش في لندن، منذ ما يقرب من عشرين سنة، ما زال يشوّشه ويثقل عليه تذكّره لسوريا. هي دمشق، وكان قد انتقل إليها، بما يشبه هجرة أولى، من القامشلي. ما يلحّ على الذاكرة في منطقة العيش الأولى هذه هو أسماء الرفاق وهوياتهم الكثيرة، إذ بينهم كرد وسريان وأيزيديين وأرمن وأشوريين، إلخ. أما في دمشق فهناك الشوارع وأسماؤها، وأيضا علاقته الغرامية بطالبة في الجامعة، الشابّة الدرزية التي قدمت إلى العاصمة من السويداء. هنا وهناك يظلّ كامنا ما يميّز بين هؤلاء المختلفين في دياناتهم وتاريخهم، فهم مشتركون في كونهم حُملوا على الإنتساب إلى مواطنة واحدة. ثم إن «الأوطان تلتصق بنا مثل جلودنا، لا نستطيع التخلص منها إلا بسلخ أنفسنا». فما جرى تبديله وتغييره من قبل الآخرين، أي الحاكمين، أُمعن في تدبيره وتأسيسه وإلصاقه بأولئك الذين ما زالوا المقيمين في بلادهم: «يزيلون لغتنا وحكايات جدّاتنا وأمّهاتنا ويحشون رؤوسنا، بدلا منها، بلغات أخرى وذكريات أخرى». مثال على ذلك أنهم يدعوننا إلى أن نصرخ مطالبين بأوطانهم السليبة، وبينها فلسطين، في حين أننا، نحن الكرد، مشتّتون حيث ينبغي أن تكون بلادنا لنا: «كان هذا عذابا رهيبا. أن تكون أنت مظلوما وتطالب بحقّ مظلوم آخر».
لكن رغم ذلك، وبسبب الهجرة الأخيرة، بات تذكّر دمشق أشبه بالسعي إلى استعادة وطن مفقود. هناك، في لندن، تظل تحضر أسماء شوارع دمشق وساحاتها في تجوال الرجل الكردي السوري. فها هو يضع شارعا دمشقيا في مقابل الشارع البريطاني الذي يجول فيه الآن. ما يحيط به هنا يأخذه إلى ما كان عليه هناك. ويظل هذا التقابل قائما ومستمرا على مدار صفحات الرواية. في أحيان ينقله ذاك الشبه بين المكانين فيتساءل قارئه، العارف بلندن ودمشق، عن مكامن الشبه بينهما. وهذا التقابل بين هنا وهناك تكثر استعادته، بل يكثر تكراره، في الرواية.
إنه ظلم آخر ألا تأتي الذاكرة بالبلد الأصلي عند اشتعال الحنين، البلد المحلوم به، على الرغم من أن الرجل نشأ على أرضه بين حواضره وسهوله وجباله. لكن، على الرغم من المساحة الكبيرة التي يحتلها قلق الانتماء من الرواية، نجد أن لا أثر لمعاناة قاسية تتأتّى من العيش في كل من البلدين، أو في المدينتين، دمشق ولندن. الحياة في كل منهما تحوّلت إلى أن تكون عادية بسبب طول الإقامة. وها أنه أمكن للمكانين أن يتّصلا بوجود «الحبيبة وفاء، مرّة في دمشق ومرة في لندن. وهما امرأتان وليستا امرأة واحدة. وفاءان. أم وابنتها تحملان، أو تشتركتان بالاسم الواحد نفسه. كان الرجل (نعمّم بالقول كلمة «الرجل» لأن بطل الرواية ذاك لم يُعط إسما فيها) قد هجر حبيبته وفاء قبل عشرين عاما، هناك في دمشق، حين فجأة ظهرت له وفاء الأخرى، بعد كل تلك السنوات، في لندن. لقد جاءت إلى من أُعلمت أنه والدها، وذلك بعد وفاة والدتها.
وفاء الجديدة هي التي تضفي على الرواية إشكالية أخرى، تضاف إلى إشكالية اختلاط هوية البلدان. فبالتدريج يوصلنا الكاتب إلى أن الفتاة التي في مطلع عشرينياتها هي ثمرة خيانة أمها له. لكننا نعلم ذلك بعد أن نكون قد قرأنا مشاهد همّا فيها أن يبالغا في التلامس والعناق. بدا ذلك أشبه بمشهد سفاحي بين الأب وابنته التي لم يسبق أن رآها من قبل. لكن العلاقة بينهما، إثر تصديق الفتاة أنها ليست من صلبه، تظلّ ملتبسة وعلى حافة السفاح. يرجع ذلك إلى ظنّ الفتاة أنه والدها، وهي ظلّت تحلم به على أنه كذلك. لكنها تجد مسوّغا للاستمرار بعلاقة العشق بقولها: «أنا نسخة جديدة من أمي. نسخة معدّلة. مصحّحة. وأظن أنك أنت أيضا، نسخة معدّلة من ذاتك القديمة». لكن يظل ما بينهما غامضا وغريبا مهما حاولت الرواية أن تجعل منهما عاشقين طبيعيين: «لم تتمكن أمي من استعادتكَ. أنا أفعل. أنت الآن مع أمي ومعي في آن واحد. أنا هي أنا ووفاء. أنت أبي وزوجي».
هو أيضا يريد أن يبدأ من جديد، مع امرأته إياها وقد عادت صبية في العشرين. وكان يلزمه أن تكون البداية الجديدة على قدر هائل من القوة كي تقدر على إيقاف الأفكار والمشاعر المتدفقة حيال الهوية والأصل، وكل ما بقي من الماضي، الماركسية والاشتراكية والأممية الرابعة وكردستان… «أنا الآن خفيف ناعم كأنني ولدت للتوّ».
«جسر النحاس» رواية نزار أغري صدرت عن دار هاشيت- نوفل في 137 صفحة- سنة 2023
كاتب لبناني