إن وضوح التجربة يضيء هذه الرواية ومغزاها، لكن ثمة أسئلة تثيرها رواية عتيق رحيمي الصادرة عام 2008 عن دار الساقي، والفائزة بجائزة غونكور، هل تمكنت الرواية من تحقيق التوازن والتناسب بين أركان الرواية، والأدوات اللازمة لبناء روائي متماسك نابض بحياة جديدة، فثمة صوتان يتناوبان، كما لو كانا روايتين منفصلتين، إلا ان المغامرة قدمت الحكايتين بإطار ولون وإيقاع، وكأنهما رواية واحدة، كلاهما يشترط الآخر لظهوره وتناميه، وتشدهما علاقة إثراء متكافئ متبادل، فلا تعود الأولى إطاراً يضم الأخرى، الرواية تركيبة من نوع آخر، يبتعد فيها الروائي عن الشكل الكلاسيكي، ملتزماً بوحدة الحدث والمسار.
لكل من النصين خطابهما الخاص، في الأول يهاجر تميم من أرضه ووطنه، إلى فرنسا إلى اللاشيء، يغيّر اسمه إلى توم، يريد الانسلاخ من جذره وتاريخه، الهوية لا معنى لها عند التخلي عن الذات، وعن عائلته: الزوجة رينا، والطفلة لولا، يهرب بنفسه نحو امستردام، من دون أي ندم، أو حنين، أو أسف على طفولته، أو سماء كابول الزرقاء، ولا شموخ الجبال التي أبصر عند سفوحها النور، تميم دفن كل شيء في مقبرة أجداده حتى اسمه الأصلي. يلتقي بنوريا في الطريق، التي تكتشف كذبه، والتعتيم على أصوله الأفغانية، فتهجره بعد تجربة عشق سريع وعابر، وتغيب عنه نهائياً. يتشبث بصديقتها روسبينوزا عسى أن يجد سبيلا للوصول إلى نوريا، ويخيب في النهاية، يعود منكسراً محبطاً عاجزاً، يدركه رثاء غريب لنفسه وكراهية لكل ماضيه، لتنتهي حياته بحادث في طريق العودة إلى فرنسا.
في النص الثاني قدم لنا عتيقي شخصية يوسف السقا، وهو يعيش كابوساً جاثماً على الروح، دراما موحشة مكتظة، مركبة، بأداء متقن ذكي وبليغ، مستفيداً من خبراته في الفن الروائي، ومعرفة طيبة بالفن الروائي العالمي، وتمرسه بمشكلات البناء والشكل، حتى استقامت لديه بلاغة الفن الروائي، إن الصورة الخارجية للواقع السياسي والاجتماعي، في أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان، تبدو في حقيقته المرعبة والمأساوية في الحياة الخاصة ليوسف، إذ يعيش حالة اغتراب أشد وطأة من اغتراب توم، ويعاني من حالات فشل عاطفي في محاولته الاقتراب من شيرين ابنة عمه، التي تتقاسم العيش والسكن معه بعد غياب زوجها سليمان، تدفعه رغبات ملحة تستبد به للدخول إلى أحلام المرأة الشابة، أحلام خرساء لدى الاستيقاظ، توم إنسان مسحوق ومرعوب، يخاف إمام المسجد، ومسلحي طالبان الذين يرمون بجثث قتلاهم تنهشها الكلاب، بتهم ملفقة، مثل الزنا، أو تعاطي الأفيون، أو تهمة خيانة الإسلام، يحاول يوسف تجنب نظرة الاتهام واحتقار الإنسان بقدراته العقلية المتواضعة والمشوشة.
لا وظيفة لهذا الرهان الأليم، إلا أن يوظف الروائي احتدام الإيقاع الداخلي لانفعالات يوسف، التي تتطلبها ذاته الممزقة بين مخالب المتناقضات، وفي كلمات بصدق الاعتراف، تضيء أعماقه المخرّبة بهذا العذاب القاسي. وهكذا كان الصدق في الرؤية، والصدق الفني في العمل، هما جناحي الإطلالة على الحياة في أفغانستان طالبان، وأنفاقها المعتمة، إن الأشياء تتحدث عن نفسها في هذا النصف من الرواية، نص تتوالى فيه الخيالات والافتراضات والإضافات الدرامية والعاطفية، إن القارئ يجد في يوسف شخصية تراجيدية، مادام مشدوداً إلى مركز زوبعة، تتجاذبه فيها اتجاهات ونزعات تتناقض اتجاهاً، وتتكافأ قوة، وتسيطر عليه رغبة طاغية في خلاص لن يتحقق، إنما انتهى برصاصة في الظهر، وعثر على جثته، يجرها كلب في صقيع كابول الجليدي، وفي اليوم ذاته، رجمت شيرين حتى الموت بتهمة الزنا، وشنق عشيقها وهو تاجر هندوسي في حديقة عامة.
وزع الراوي نفسه وتجربته بين يوسف وتوم، فالتقت جوانب أساسية مختارة من التجربة، بأحلام خاصة في الحياة، فأقصت العمل أن يكون سيرة ذاتية، وأحسب أن شخصية توم في هواجسها وأحلامها، امتداد للشخصية الأثيرة لدى الكاتب، تلك التي التقت فيها عناصر الواقع والحلم والتوق إلى الاغتراب، مستخدماً أسلوب تعدد الأصوات وتمكينها من التعبير بوضوح وتلقائية، وحافظ الروائي على التوازن عندما ترك الأحداث تتجه وجهتها الطبيعية.
هذا الأسلوب جاء لتمكين الروائي من أن يجمع أكبر قدر ممكن من حكايات الأفغان، وعن اللجوء والتشرد، والحرب الأهلية، والحصار والاحتلالات، ليعيد من خلال تلك الحكايات كتابة التاريخ الأفغاني، بدون المساس بفنية العمل الروائي. كما إن الاستخدام الواعي والتقني في
تداخل الحكايتين، حقق نجاحاً للسارد في الانتقال من ظروف سردية انغمس فيها القارئ، إلى ظروف أخرى مغايرة، نتج عنها دمج عناصر سردية جديدة، الأمر الذي يجعل السرد جامعاً لفضاءات متعددة من الواقع، والخيال، ومتداخلة على مستوى الزمن، أو الحدث، أو الشخصيات.
تنبغي الإشارة إلى أن رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب المصري بهاء طاهر، صدرت عام 1995، تدور أحداثها في بيروت قبل الاحتلال الإسرائيلي بداية الثمانينيات، بطلها صحافي مصري يطلّق زوجته منار، ويهاجر إلى سويسرا، يرتبط بقصة حب مع فتاة نمساوية، يعدّها بعض النقاد وثيقة تاريخية بإطار إبداعي، بينما يرى البعض الآخر، أنها خلاف ذلك، لا تنتمي إلى الروايات الفنية الناجحة.
كاتب عراقي