رواية «حفلة أوهام مفتوحة» لهوشنك أوسي: الحياة بوصفها قطاراً

رواية هوشنك أوسي «حفلة أوهام مفتوحة» الصادرة عن دار سؤال ـ بيروت 2018، اختراق روائي فذ، تظهر موهبة الكاتب المتفرّدة، وتَمكّنُهُ من الكتابة الروائية إلى درجة السطوة. إنها روايتان منشورتان، ومخطوطة متدفقة بالقصص والحكايات المتدفّقة، داخل رواية أخرى حاضنة. بمعنى أنها لا تتوقف إلاّ بوصول القطار الذي تستقله شخصية يورغن. لكن ما يكشف وهم توقف هذا التدفق الرهيب لحكايات وقصص المخطوطة، في الفصل الأخير من الرواية، هو القانون الذي يحكم حركة القطارات ودلالاتها. فكل محطة يتوقّف فيها قطار «يورغن» والمحطات التي سبقتها مع المحطات اللاحقة، تشكل سيلاً جديداً من القصص، يضاهي عدد الركاب الذين نزلوا من القطار، والذين ركبوه في المحطة الجديدة. فلسفة القطارات تؤكد لنا بأنه حتى وصول يورغن راينر إلى وجهته، لا يعني بأن ذلك السيل المتدفق سيتوقف، أو يجف، فشخصية يورغن في الفصل الأخير من الرواية، شخصية قطارية بامتياز، وكل رحلاتها المقبلة أيضاً ستكون استمراراً لذلك السيل العارم الغريب، عبر صمته وإنصاته لما يجري داخل القطارات.
أبحر أوسي في هذه الرواية، بطريقة ملحمية. ذلك أنها عابرة لأزمنة متعددة، أوطان متعددة، أماكن متعددة، وثقافات وهويات متعددة. هي أشبه بالإلياذة التي يذهب فيها الأبطال إلى الحرب وهم محملون بأحلام وأوهام وخيالات لانهائية. بينما طريق العودة هي الأوديسة بكل مخاطرها وساحراتها وشياطينها. والمفارقة التي يطرحها أوسي بدقة؛ هي أن التاريخ لا يكرر نفسه، إلاّ بطريقة مأساوية، غارقة في الكوميديا السوداء، فبطل الأوديسة الإغريقي يعود بعد انتصاره، لكنه يعرف من هو، وما ينتظره من أهوال. بينما بطل «حفلة أوهام مفتوحة» (يان دو سخيبر) الذي يقرر الاختفاء في ظروف غامضة، جُرّد حتى من هذه النعمة أو النقمة، إن شئت القول. هو كائن مستسلم لأقداره، بهوياته المتعددة المتداخلة. كما كان والده الجندي البلجيكي ألفونس دو سخيبر، الذي فقد الذاكرة في الحرب الكورية، واكتسب هوية مكان الحرب (كوريا) ثم الهوية التركية، فالكردية، وليس أيّ منها هويته الأصلية، لكنه يحملها ويرزح تحت آلامها. وتعود إليه الذاكرة في اللحظة الأخيرة، أثناء سكرات الموت، وتعيد معها إليه هويته البلجيكية وذاكرته المفقودتين منذ ثلاثة عقود ونصف العقد. لكن بعد انتهاء العمر، ما نفع عودة الذاكرة والهوية المفقودتين؟

تبقى الرواية متجاوزة لحدود الحفلة، ولجملة «أوهام مفتوحة» بل هي سيل حكايات غريب، يمر دون ضجّة.

يعرض هوشنك حفلة أوهامه المفتوحة، التي تتكشف لأبطاله الروائيين الحقيقيين، بطريقة متجردة من التخندق والانحياز والولاء، فهو حين يتقمّص البطل البلجيكي الحالم بتوهم «ألفونس دو سخيبر» أو بطله الكردي الشاعر الثوري «أوميد سرختي» المنكسر تحت وطأة اكتشافه لأوهامه الحزبية واليسارية الثورية، ويسرد كل ذلك باحترافية، وبالتالي الحياة هنا حفلة أوهام مفتوحة. لكن تبقى الرواية متجاوزة لمساحات الحفلة، وإطلاق صفة المفتوحة على سيل حكاياتها، إجحاف بحق الرواية. واضح أن الكاتب لا يعني من العنوان التدليل على الرواية فقط، وقدرته على الكتابة الروائية، لكن بالنسبة لأي قارئ متمعن، تبقى الرواية متجاوزة لحدود الحفلة، ولجملة «أوهام مفتوحة» بل هي سيل حكايات غريب، يمر دون ضجّة. ومع ذلك، يبقى عارماً قاسياً يجرف معه الأبطال والأزمنة والأوطان والهويات. يقتلعهم من جذورهم ويرمي بهم على عتبات فقدان كل شيء، ويفرض عليهم أسماء وملابس وهيئات وتحديات وحكايات أخرى، لم تكن لهم، فتجدهم حتى حين تهديهم الأقدار إلى هوياتهم الأصلية، يبقون عالقين بين السماء والأرض؛ لا هم يحلقون، ولا هم يخطون بثقة على أرض راسخة.
ليس آخراً، أطلق هوشنك أوسي على حكايته الثالثة، أو فصله الثالث في الرواية، صفة المخطوطة. ربما لعدة أسباب، منها: إنه عرض روايتين منشورتين في إطار الرواية الحاضنة (الحفلة) بمعنى أنهما نصان خضعا للتدقيق والتحرير. بينما أبقى الثالثة كمخطوطة، وهي أقرب إلى البوح المتجرد في لحظة عري وتداع. وعرضُها كمخطوطة، يعفيها من أي انتقادات، لأن المسودة غير المكتملة، يمكن أن يشتغل فيها مشرط المحرر الأدبي حذفاً وتعديلاً.
قدر الكاتب البلجيكي المركّب الهوية «يان دو سخيبر» أن يختفي في ظروف غامضة، تاركاً وراءه روايتين، ومخطوط رواية ثالثة، بالإضافة إلى العديد من الأعمال الشعرية والتشكيلية الأخرى. عبر أعماله الأدبيّة، يتسرّب «دو سخيبر» إلى حياة «إيريك فان مارتن» الضابط المحقق المكلّف بالتحقيق في قضية اختفائه، ويقلب حياته، ويدفعه إلى الاستقالة من عمله والتوجّه نحو الأدب والكتابة. المفارقة الصادمة هنا لا تكمن في اختيار نهاية غير متوقعة للرواية، بل في عمق دلالاتها، فبالإضافة إلى استخدام أوسي الأدب والفن في التحقيق الجنائي، إلاّ أنه يجعل قضية التحقيق تغلب المحقق نفسه، وتدفعه إلى اتخاذ قرار مصيري يطاول تغييرات في هويته وتركيبة شخصيته، عقب تأثّرهِ بما تركهُ «يان دو سخيبر» من إرث روائي وشعري وتشكيلي. وتبقى الملحمة مفتوحة، إذ أن استقالة «فان مارتن» لا تعني غلق التحقيق في قضية اختفاء الكاتب، بل تتولاه محققة جديدة؛ «فانيسا ديفوس» التي تعد بالسعي للكشف عن ملابسات حادثة اختفاء الكاتب البلجيكي المفقود.
إذن نحن إزاء نهاية مفتوحة.. نهاية ربما تفسح المجال أمام جزء آخر للرواية، يضعنا أمام رحمة سيل آخر من القصص والحكايات، قد يجرف معه فانيسا ديفوس، ويجرفنا معها أيضاً؟

روائي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية