رواية «حفيدة الراعي» للكندية آن لوريل كارتر: تزييف الوعي الفلسطيني

حجم الخط
0

«كيف تكرهني وأنت لا تعرف أي شيء عني؟ هذه الجملة البسيطة التي قيلت في أحد الأفلام الوثائقية ـ بطولة مورغان فريمان ـ تختصر ما تحاول الكاتبة الكندية آن لوريل كارترأن تمرره لنا عبر روايتها «حفيدة الراعي التي تحكي عن فتاة فلسطينية «أماني» تلتقي بفتى يهودي يعيش في المستوطنات «جوناثان» ومن خلال الحوار بينهما تسلط الكاتبة الضوء على قناعة كل منهما بمعتقداته التي تربى عليها، وتحاول أن تصل بالحوار بعد أن تقارب بينهما عاطفيا وفكريا؛ لنظن معها أنه بالتسامح والحب يسهل أن يتآلف الشعبان «الفلسطيني واليهودي» على هذه الأرض.
تبدأ الرواية بإقامة الكاتبة في المستوطنات الإسرائيلية أثناء مهمة بحثية لها هناك، وقد خبرت الحياة هناك، وتعايشت مع بعض الأسر الفلسطينية هناك والشخصيات في الواقع التي تقابلت معها؛ فاستلهمت قصة روايتها «حفيدة الراعي» من زخم الأحداث التي مرّت بها في فلسطين، فهي في روايتها هذه وكأنها تدس السم في العسل، كما تعمل على تزييف الوعي الفلسطيني، بل والوعي العربي كله، خاصة أنها ترتكز على شخصيتين رئيسيتين في الرواية وهما أماني الفلسطينية وجوناثان اليهودي، وكأنها توجه رسالة لفتية وفتيات هذا الجيل الناشئ الذي يريدونه أن يتقبل فكرة التعايش بين الفلسطيني واليهودي، فالحب والتسامح يستطيع أن يجمعهما.
تبدأ الحكاية بأماني فتاة عربية تستعد للدخول إلى المرحلة الثانوية في رام الله، تحبذ أن تصبح راعية مثل جدها سيدو. تسير أحداث الرواية ضمن مسار يتيح للقارئ استقراءها بهدوء عبر منعطفات قصدتها الكاتبة؛ لتكون جسرا للبوح عبر الشخصيات «أماني «بنت فلسطينية وحيدة مع غنمها، يصعب أن تكون تهديدا «، لكن المستوطنين اليهود يستولون على أراضيهم. كيف تواجه أماني الوضع؟ ثم الفتى جوناثان هذا الفتي اليهودي الذي انتهى من المرحلة الثانوية ويستعد لدخول الجامعة والمقيم في المستوطنات، تقول له أماني «أنت مستوطن، المستوطنون يقومون بأفعال سيئة. يرد جوناثان، أنتم من تقومون بأفعال سيئة أنتم لا تعترفون بدولتنا، أنتم تأتون إلى مدننا بهجماتكم الانتحارية، أنا لا أقتل أنا راعية. جوناثان، لست أنت أنا أعني الفلسطينيين أنا أعني الإرهابيين. أماني، أنا لست إرهابية،عائلتي ليست إرهابية، أنتم سلبتم أرضنا، أنتم تجعلوننا نكرهكم نحن نحارب إسرائيل.. لقد نصبتم سياجا حول جبل جدي، نحتاج الجبل لقد قلعتم كرومنا؛ لتمدو طريقكم. جوناثان، إن اليهودي الحقيقي يدافع عن الأرض المقدسة، أنا لم أعد أعرف ما الذي يعنيه أن أكون يهوديا حقيقيا، جدايّ رأيا الكثير من اليهود يموتون في المعسكرات، كانا يؤمنان بأرض مقدسة يكون اليهود فيها آمنين.

كما أن تزييف الوعي الفلسطيني تمرره الكاتبة عبر الحوار بين أماني وجوناثان، التي تجعل أماني تبدو كالقلب الحاني في استعطافها للمستوطنين مثل جوناثان، هل نلتقي ثانية أومأت أماني موافقة.

يحاول الفتى تهدئتها «ياتك قبل المستوطنة أتخيلك وأنت تسرحين بأغنامك، مثل أول يوم شاهدتك فيه لا سياج ولا جنود ولا طريق سريع فوق أرضكم، المستوطنة دمرت حياتكم إن عدت إلى نيويورك أستطيع أن أتحدث عنكم». وكأن أمريكا معها كل خيوط اللعبة تحركها كيفما تشاء، ثم نلمح علاقة حب أماني وجوناثان لا تطابق الواقع الفلسطيني المستلب لحريته «كانت سعيدة جدا حين رأته. جوناثان يبتسم كالمجنون كنت طول الوقت أصلي أن تكون وصلت إلى الدرب.. وهي سعيدة برفقة جوناثان الصامتة، وسرعان ما جلسا على كرسيين مكسورين أمام النار المضطرمة يأكلان الفلفل ويشربان حليب الشكولاته، تمنت أماني لو تستطيع أن تقول لجوناثان كم تشعر بالمودة نحوه.. وتسأله متى سيرحل؟ ويجيبها جوناثان غدا أود أن أبقى معك الليلة، لكنني إن لم أرجع للمستوطنة سريعا فسيظنون أنكم قتلتموني ويرسلون الجيش؛ ليبحث عني في القرية. أماني،»أنا هنا بأمان في المغارة جدي كان ينام هنا مع أغنامه حين كان صبيا شكرا على البطانية والطعام، وفي مونولوج داخلي يسبر أغوار حالتها الشعورية تجاه الفتى «لو كان كل المستوطنين أكثر شبها بجوناثان والحاخام الذي يعرفه أبوها، فربما أمكنهم أن يتوصلوا إلى حل».
تخالف الكاتبة الواقع الفلسطيني بأن تسمح لفتاة تتحدث مع شاب يهودي ويجتمعان في المغارة وتنشأ بينهما علاقة حب، وباتت الفتاة في المغارة لوحدها. كما أن تزييف الوعي الفلسطيني تمرره الكاتبة عبر الحوار بين أماني وجوناثان، التي تجعل أماني تبدو كالقلب الحاني في استعطافها للمستوطنين مثل جوناثان، هل نلتقي ثانية أومأت أماني موافقة.. سأقابلك بعد قطف الزيتون، وهو من العادات الفلسطينية حيث أزهار الزيتون، إنه أجمل عطر في فلسطين. تعمدت الكاتبة الابتعاد عن الشخصية بمسافة تسمح برؤيتها بأبعادها الكاملة، حيث شخصيات الرواية الأخرى الموجودة في محيط أماني من الجد سيدو، وهو شخصية مؤثرة في حياة أماني، حيث الجد سيدو «الذي أراد لأماني أن تورثه في حرفة الرعي» – والأب عارف يريدون أرضنا ومياهنا يريدون طردنا قرية بعد أخرى، من حق أي إنسان أن يدافع عن نفسه فوق أرضه. والعم هاني، «محاكم من؟ محاكمهم سنضيع مالنا ووقتنا، سننضم إلى الطريق الطويل من قضايا الأراضي الفلسطينية». ثم شخصيات أخرى كأخيها عمر ووالدتها وجدتها وعمتها فاطمة، كل شخصية تحكي عن مأساة فلسطين فنجد هذه الشخصيات في مجملها عبر حديثها تسجل لنا مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشهادات‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياة‭ ‬مسكونة‭ ‬بالوجع‭ ‬والمحو‭ ‬والاستلاب ولوحاتٍ حية من الواقع الفلسطيني وهي ممزوجةٌ بآهات الحياة ومنغصاتها حيث الملامح العديدة للمعاناة الفلسطينية تتراوح بين البحر والجبل والحاجز والمعبر عرب48 ،67،وأوسلو واللاجئين و القدس ورام الله وغزة والمخيم أمام التباسات الصراع فهي الحقائق والأكاذيب والأساطير التي أحاطت به، ذلك كله ألهمَّ الكُتاب في شتى بقاع العالم ،أن يسجلوا معاناة الفلسطنيين ولكل وجهة نظره في مناقشة القضية لكن الفلسطينيين القابعين هناك في ظل هذا العدوان الغاشم يعيشون مآساتهم في كل لحظة مع عدو يرتكب أبشع الانتهاكات ضدهم.
ونختتم بشخصية مهمة في أحداث الرواية أماني وجوناثان معجبان بها، وقد أسبغت عليها الكاتبة الحكمة والقناعة والعطاء وهي شخصية «الآنسة عبوشي» مدرسة أماني «إنها الآنسة عبوشي هي فلسطينية وجيدة بشكل أروع». وتربت في أمريكا، لكنها عادت إلى بلدها فلسطين ليست مثل أولئك الذين يرحلون. تريد من أماني أن تنتقل إلى رام الله حيث هناك ستدرس منهاجا دوليا جيدا، ستكون مدرسَة ممتازة لتعليمك الثانوي السنة المقبلة. هكذا الآنسة عبوشي تساند أماني دوما لأن عقليتها المتفتحة ونشأتها في أمريكا جعلتها موضع ثقة للفلسطيني واليهودي، وكأن الكاتبة تعزز في شخصية الآنسة عبوشي دور أمريكا القوي في تعزيز العلاقات بينهما.
القضية الفلسطينية ما زالت محض اهتمام عالمي لكن كل من وجهة نظره فمن يرفض تماما التطبيع مع العدو الصهيوني ومن يريد التعايش معهم وحدث بالفعل من بعض الدول سواء عربية أو غربية. لكن الشعب الفلسطيني يأبى أن ينهزم أو يقبل التطبيع حتى آخر نفس في حياته فلا يشعر بالنار إلا ممسكها. ظهر ذلك جليًا عندما تابع العالم كله الأحداث الأخيرة في حي الشيخ جراح، ليتأكد للعالم كلهَ أن فلسطين ستظل حرَّة أبية بأبنائها المخلصين الذين لا يبخلون بأرواحهم فداءً لها.

ناقدة وأكاديمية من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية