رواية ‘حياة باسلة’ لحسن النواب: سيرة شعراء صعاليك على جبهات حروب خاسرة

حجم الخط
0

إدريس أنفراصهي رواية صهرها الجحيم، وانبثقت من هول الموت، على جبهات حروب خاسرة، حروب طائشة، بقرارات طائشة… رواية خرجت من أتون النار، تحمل حطام وتمزقات أبطال عاشوا تجربة الدمار و الخراب و الأهوال، فتشققت أرواحهم… كانوا و الحرب مشتعلة على الجبهة تحصد أعمارا طرية، يسرقون أوقاتا من الحياة ليعيشوا حياتهم التي يريدونها وتختارها شياطينهم الساكنة في أرواحهم وأدمغتهم… كانوا يملأون الدنيا شعرا جديدا مختلفا عن السائد، فتنظر إليهم أعين السلطة والحزب الوحيد الحاكم بعين الريبة و الحذر… كانوا’ مربع الصعلكة’ على رأسهم ‘الوشق البري’، يقف باذخا، مثقفا حادا، شاعرا فالقا، أنيقا في فقره، وبفقره، مستهزئا بالنفايات كما يسمي أزلام ومثقفي النظام. كان الوشق البري يرسم لهم خطوات ودروب الصعلكة النبيلة… شربوا الأنخاب على وطن يتفتت ويهرب من بين أصابع أيديهم، وهم يحدقون ولا يستطيعون… وطن تذبح فيه الحرية، وتقطع ألسنة الجريئين… كانوا يقهقهون ويركلون مؤخرات’ العاهرات’ بعبارات تليق بصغرهم وحقارتهم… سرقوا حياة ضاجة بالفرح رغم الحزن المحيط بهم ملتهما أرواحهم…. عرفوا كيف يقاومون ويعيشون الحياة كما يليق بالصعاليك الفقراء النبلاء… كما أنها رواية مكتوبة بالدم، والدمع والعرق هي كذلك تجربة البطل السارد لحياة مريرة، خرج من أهوالها بعدما عاش تفاصيلها وبقيت عالقة وموشومة في الروح قبل الذاكرة. في الرواية نقرأ إنبجاس ذاكرة، وانفتاحها لتنسرب من أعماقها وتنهض تجربة مغموسة في الدم والنار، وفي خسارات عظمى شتى. هي رواية عن تاريخ وفترة معمدين بالدمع والدم والموت، رواية شعب بوطن عميق في التاريخ و المعرفة و الأدب و الفنون، صيره جنون رجل بلدا مفتوحا على الخراب والإنهيار، ليس انهيار العمران فحسب، بل انهيارروح الانسان، وهو الأقسى، والأشد مرارة.

السقوط في غواية كائن متفرد يدعى الوشق البري… ـ أولى الخطوات في الرواية، كانت الحديث عن الظروف التي تعرف فيها السارد على الوشق البري، عن طريق أحد أصدقائه الرسامين وهما يتجولان حين لمح الرسام’شخصا لا أعرفه كان يجلس على مصطبة في حديقة جرداء تطل على نهر دجلة، بمائه الشحيح، ظل صديقي يتطلع بحرص واعجاب إلى ذلك الشخص الذي لم ينتبه لنا ثم همس…’أنظر لهذا الوشق البري’. تأملت ذلك الكائن الحزين بملابسه البالية وصلعته التي كانت بلون التراب لكثرة ما تعرضت إلى لفح أشعة الشمس وقد استغرق في قراءة كتاب صغير بين يديه المتغضنتين، لم يطرق سمعي هذا الاسم من قبل، ولذا دعاني فضولي لاستفهام صديقي الرسام حتى يرفدني بمعلومات أخرى عن حياة ذلك الكائن الذي يشبه الوشق البري إلى حد بعيد’ ص 5-6 لينسج معه علاقة إنسانية، ستتوطد وتتطور وتأخذ مسارب عديدة في الحياة العامة وفي الحياة الثقافية في البلد، بعد أن يطلب السارد من الوشق البري أن يقرأ إحدى قصائده التي كتبها’ وبيد راعشة وضعت إحدى قصائدي أمام ناظريه، لاحظ الوشق ارتباكي، ثم انتشل الأوراق من فوق الطاولة، واستغرق مثل أمير بقراءة القصيدة بحرص واضح، هذا هو الوشق البري عندما يقرأ… يقرأ بإخلاص على العكس من الآخرين الذين يقرؤون استعراضا ليس إلا، وبعد أن فرغ من قراءة القصيدة رفع نظره يتفحصني بخبرة مئات الشوارع التي جابتها حياته، ثم مد كفه الخشنة وصافحني قائلا من هذه اللحظة أصبحت صديقي، أنت شاعر’ وابتدأت الغواية. ص 8 كان السارد في اجازة حربية، إذ كان مجندا على جبهة القتال يخوض حربا شرسة برفقة آخرين على جبهات متقدمة، كانت الحرب طاحنة دامت ثماني سنوات، ينتهز فرصة السبعة أيام، ليقضيها كلها مع الوشق البري…’ وصار الوشق يترقب قدومي من جبهة الحرب حتى أمضي الأيام السبعة من الاجازة برفقته، وكنت أشعر معه كما لو أننا من عالم آخر، وهبطنا سهوا على هذه الأرض، بينما أمست أمي في حيرة من أمرها، وراحت تسأل أصحابي في المدينة، لمعرفة سر غيابي في بغداد إذ ليس من المعقول أن يترك ولدها البيت، ويقضي أيام اجازته في فنادق مليئة بالقمل، ثم يلتحق بالجبهة ثملا وهي لا تعلم أن صداقة نبيلة بدأت تنمو بيني وبين كائن متفرد يدعى الوشق البري. ص 10-11 الوشق الذي كان علامة بارزة بثقافته الواسعة وشعريته، وذكائه الخارق الحاد، والمامه المتين باللغة الانجليزية’ ولما وصل الوشق البري إلى بغداد أثار انتباه الوسط الأدبي بأفكاره النيرة، وثقافته الرصينة التي اقترنت بقراءات مكثفة لروائع الأدب العالمي (…….) أجل إن ساعة واحدة تمضيها مع الوشق البري تزقك من تجارب الحياة ما يعادل أسفارا كاملة’ ص 12. ستغوص الرواية بعمق وستكشف العلاقات الانسانية و الثقافية و الشعرية بالتحديد التي ستجمع بين كائنات يجمعها نفس الاحتراق، ونفس الهم، فيجد كل فرد من مربع الصعلكة كما تقول الرواية، ما ينقصه في الآخر، إذ كان الواحد بمثابة تكملة للآخر، أو بتعبير أدق هو مرآته التي يرى فيها روحه ليتم الانسجام الكامل، بحيث إن لقاءات عديدة ومتكررة ستحصل بين أفراد مربع الصعلكة ويجتمعون في لقاءات احيانا لا تتحدث فيها ألسنتهم بقدر ما كانت أرواحهم تتلاقى لتتناجى وتحكي الخبايا والجراح الراقدة في النفس و الدائرة مع دوران الدم الفائر في شرايين القلب، وقد كانت هذه الحالة أكثر ماتحدت بين السارد والوشق البري الذي احتضن الشاعر فيه وعلمه كيف يعيش الصعلكة بنبل وشرف وبهاء.’حياة باسلة’، هي رواية سيرة حياة ثقافية وحياة مثقفين في بلد تغيب عنه الحرية وتموت فيه نسائمها، في بلد كان فيه’ الزيتوني’ ورفاقه يذبحون شهقة الهواء في السماء إن لم تكن كما تريدها رئاتهم، ورئة’العار’ الذي يحكم البلد. هي سيرة شاعر بالأساس، وشم جبين العراق بحضوره وبشعره وبثقافته وبموقفه المعارض الحاد وبشجاعته لقول كلمته ولو أمام من يحرسون وجود’العار’ في البلد. سيرة شاعر خط لنفسه سيرة حياة خاصة به، امتلأ بها وفاضت به، عاش حياة الصعلكة لمّا حكمت عليه ظروف عاصمة البلد بغداد أن يبقى مهمشا ومطمورا لأنه لايغرد في نفس السرب، وبأنه ليس الخروف الذي يسير في نفس الخط المرسوم… إنه ‘جان دمو’ الملقب في الرواية ب’الوشق البري’ وهي تسمية تليق بشاعر مفرد متفرد عاش في الاعالي طليقا مفردا جناحيه لنسائم الحرية، وللمدى المفتوح ليرتاده إلى آخر نقطة فيه، ولينهل نخب حريته وشعره كما يشاء وكما تبغي روحه هو، وليس كما يبغي القطيع، لذلك فرغم الفقر وقلة الموارد وضيق ذات اليد، كان وشقا بالفعل ينظر من الاعالي ولا يرضى لنفسه أن تنزل فيحين كان الآخرون هم من يطمحون للصعود غلى فقره وإلى صعلكته وإلى نبله للنهل من ثقافته وحضوره الشعري الباذخ… سيرة ثقافية، وسيرة مثقفين شعراء، في بلد كان فيه الصراع الثقافي مظهرا من مظاهر الصراع السياسي الذي عرفه العراق خاصة وأنه غارق في أتون حرب حارقة، فالمثقفون ليسوا كلهم في خندق واحد، لذا كانت جماعة مربع الصعلكة تعبر بوضوح وجلاء عن رفضها للوضع القائم، الوضع الذي يخنق الأنفاس ويقتل الإبداع لأن مشاريع الحزب الوحيد الحاكم هي التي كانت نافدة في الساحة، ومن يعتنقها ويؤمن بها يطوله الرضاء ويعيش في نعيم الهدايا و الأعطيات و الأسفار إلى مهرجانات أدبية خارج الوطن، ومن رفض التزمير و التطبيل للسلطة كان يطوله الشواظ، و السوط والإعتقال وربما المحو من الحياة بشكل نهائي، كما يطول أفراد الأسرة و العائلة التي لم تكن لتنجو من السخط و الغضي لأنها أنجبت من يتطاول على الحاكم وعلى حكمه ومشروعيته.

ورواية حياة باسلة، هي باسلة بالفعل من خلال ما عاشه بطل الرواية، الشاعر الذي صار مجندا يقف على جبهات الموت ويخوض ثلاثة حروب متتالية دون أن يكون موافقا على خوضها بل دون أن يستشار على خوضها والدخول في غمارها… هو واحد ممن احترفوا الكلمة، وليس الحرب والقتال على الجبهات وراء المتاريس، يراوغ القنابل ومسارب الدم الطافح و القفزة على أطراف مبتورة، وسط دخان كثيف لمجنزرات بسلاسلها وهي تفتك بالأرواح.

هي حياة باسلة، لأن أبطالها المنبثقين من أحياء وأطراف مدن ينتمون إلى عامة الشعب المغلوب على أمره، قبضوا على الجمرات الملتهبة ليعيشوا الحياة، لكن قرارات عمياء كانت تقودهم إلى عكس ما يتمنون ويبغون، فيجدون أنفسهم يخوضون حربا بعد أخرى دون إرادتهم، كانت الحرب الأولى ضد إيران التي استمرت ثماني سنوات واستنزفت البلد وخيراته، وجعلت الناس يعيشون حياة البؤس، ويغرقون فيه، وحين انقشع دخان هذه الحرب وجد البلد نفسه مرة أخرى، بقرار أهوج يدخل حربا جديدة مع بلد عربي جار، لم تلبث أمريكا القوة العسكرية الأولى في العالم أن قادت تحالفا دوليا ضد البلد المعتدي، تتدخل بدعوى تحرير الكويت فتبيد أرتالا من الدبابات، وآلافا من الجنود العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في صحراء عارية وهم يتقهقرون، تقتنصهم طائرات الحرب الجوية الأمريكية، بكل سهولة، وتفتك بمعداتهم من ناقلات ودبابات بحيث كان من السهل على الطائرات أن توزع على الجنود الموت وهم يعودون القهقرى ربما يصلون إحدى المدن العراقية القريبة من جبهة الإبادة للتخلص من آثار الهول والتدمير والسحق والهزيمة الشنعاء التي كان فيها الضابط يهرب ويفر بروحه قبلا من الجندي البسيط، وكان من المفروض عليه أن يقدم مثال الشجاعة والثبات والانضباط العسكري… كل هذه الأهوال والفظائع عاشها السارد الشاعر المجند إلى حد التخمة ووشمت روحه وضميره، فبقيت عالقة بدمه قبل ذاكرته، وهو الذي خاض تفاصيلها الموجعة، وكان فاعلا شاهدا عليها، فتخثرت أحداث الدم وأيام القهر في الذاكرة إلى أن امتدت إليها يد الزمن فنبشت فيها لتنبجس الذاكرة وتنفتح فتسيل الأهوال وطاحونة الحرب بكل فظاعتها وجهنميتها ونيرانها الحارقة للروح وتنكتب على الورق لتكون هذه الرواية الباسلة في ‘حياة باسلة’ عاشها أبطال كانوا وقودا لأحداثها، منهم من خرج سالما بأعطاب في الروح ليستمر في الخراب المتبقي له من الحياة، ومنهم من طحنته آلة الحرب وفككت أعضاءه ورمته وراء السواتر إلى النسيان، أبطال باسلون خرجوا بجروح عميقة في الأرواح إلى حد أنهم وخلال تراجعهم واندحارهم من حدود الكويت بهزيمة فوق رؤوسهم، وكل منهم يتدبر وسيلة للوصول إلى مخبأ تحت وابل النار المصبوب، كان أحد الجنود يسخر بسوداوية وهو يأكل خبزا وطماطم: – ‘طماطم وخبز… ماذا تريد بعد من غنائم الحرب أيها الجندي المهزوم؟’ ص 333 . كما أن الدمار و الخراب والجحيم كان ينشر ظلاله على عاصمة البلد حيث القتل والإبادة جعلا فيها الجثث تتفسخ وتنحل من فرط الحرارة وهي ملقاة في العراء، ولا تجد من ينتشلها للدفن ‘ كانت الجثث متفسخة، ورائحة عطنة تنبعث منها وهي مكشوفة إلى وجه السماء وطنين الذباب الذي يستعمر جراحها ودماءها يضج داخل مزاغل روحي التي أوشكت على الذوبان، ولكثافة الذباب الذي يغطي بعض الجثث تظن أنها لزنوج قتلى ولكن حين تقترب منها ويتطاير عنها الذباب تكتشف أن بشرة تلك الجثث ناصعة البياض، حاولت تجاهل النظر إليها لكنها كانت تصادفني أينما استدرت بوجه، ولم يبق أمامي سوى السماء أتطلع إليها وأواصل خطواتي.’ ستتنواصل الخطوات متعثرة، في جحيم الدمار، وهول الخراب المحيط بالأمكنة وبالأنفس، ومع هذه الخطوات المتعثرة و المحطمة، والموت المتربص في كل حين لإزهاق أرواح أخرى، وسط هذا الحطام البشري والوجودي، و الذي تزيده شراسة النظام إيغالا وقهرا في الأنفس، حين تنشر عيونها ومخبريها لمراقبة الحركات المنكسرة للناس وتتبعها، وسط هذا ستتكسر هامات، وتسقط أرواح بعض من كانوا يرفضون التعامل مع النظام ويحقدون عليه، سنجد أنهم في آخر الرواية ـ وقد كانت مفاجأة كبرى إلى حد الصدمة – سيصطفون مع أدباء وشعراء النظام، للتوصل بهدايا وعطايا بعدما كتبوا أشعارا يمجدون فيها الحاكم، وشاركوا بها في مسابقات شعرية لتظفر قصائدهم ويستقبلهم من كان يسمونه ‘العار’ في القصر ليمثلوا بين يديه لإلقاء قصائد التمجيد و التبجيل… هل هو انكسار؟ هل هو ضعف النفس وانحطامها أمام الجوع والفقر والقهر المنتشر بحدة إلى حد أن الناس يبيعون أغراضهم و الكتاب المبدعين يبيعون كتبهم وذخائرهم النفيسة؟ إنه الإنسان حين تطحنه ماكينة الحرب والقهر وتشتد حوله قبضة الطغيان، وهو الذي خرج من قهر الحرب إلى قهر الجوع والدمار، لكن الضوء والجمال كان دائما هو أن الوشق البري، الشاعر الصعلوك النبيل بقي خارج الدائرة، أو بتعبير أدق أبقته السلطة خارج دائرة هداياها ومنحها الموزعة لاستمالة فقر أدباء البلد… وحده الوشق ولد نظيفا وعاش نظيفا، ومات أكثر نظافة، مات ميتة النبلاء الفقراء… مات بلا حذاء، بلا غذاء وبلا غطاء، وحدها كانت هناك ترقبه… عين السماء.

على سبيل الختم:

وأنا أضع نقطة نهاية لقراءتي في الصفحة الأخيرة من الرواية، أحسست نفسي تتوزعها مشاعر عديدة متناقضة، كانت هناك بقايا من الفجيعة ومن الدم، ومن اللحم البشري المتفسخ، ومن جهنم، ومن السواد، ومن الفقر ومن القهر تتراقص في روحي وتنفذ إلى دمي، وكانت هناك أيضا بقايا من الاعتزاز والشموخ والفرح وانا أقرأ سيرة ثلة من شعراء جمعتهم دائرة الصعلكة وحب الحياة و البحث عن متنفس جديد، وعن طريقة جديدة في العيش وفي الكتابة تحت سماء الحرية، يرفعون لواء الإنسان ويركبون من أجله المخاطر والأهوال، هذه البقايا أيضا جالت في خاطري ونفذت إلى روحي، لأبقى منذ اليوم الذي حصلت فيه على الرواية وقرأت ‘حياة باسلة ‘ للأديب العراقي حسن النواب، أرفع قبعتي وأنحني أمام أرواح كل من سقطوا هناك في جبهات القتال، خائضين حروبا متتالية خاسرة أكلت من أرواحهم وشربت من دمهم، كما أنحني وبإجلال عظيم أمام روح الوشق البري الذي لاشك أنه لايزال هناك يمارس نبله في اعالي الفردوس، ويراقبنا بعين الوشق الحادة الحاذقة الواثقة النافذة العميقة، الفسيحة في رؤيتها… تحية للجندي/ للشاعر الذي صاغ هذه الرواية بالدمع و بالدم، بالأنفاس الحارة، وبيد قبضت على زناد البندقية وراء السواتر، وقبضت على روحها لتعتصر دواخلها وتقطرها من تجربة مريرة حارقة جدا ممزوجة بمرارات الذات الكاتبة، خلال تجربة في الحياة لا يخوضها إلا الكبار… كبار النفس، وكبار القلب.

رواية تأخذ من قارئها روحه، رواية تقطع في قارئها الأنفاس وهو يغوص في الفظاعات، وفي الدم الأسود، وفي أدخنة القنابل بين أرواح متشققة من هول ما ترى ومن هول ما تصنع لأن لم يكن لها إلا خيار واحد وهو أن تقف في الجبهة لتكون وقود الحرب فيها وجهنمها، ونارها، أو تكون مطمورة في دهاليز الحبس إن رفضت الخضوع للأوامر… أرواح تساق إلى حتفها وهي ترتجف لأنها لم تألف الفظاعات، ولم تخلق للحرب و الدم والقتل و السفك بل كانت تحلم بالشعر و بالفراشات وبالحرية وبالجمال وبالإنسان، فوجدت نفسها في مسلخ وأي مسلخ.

الروائي حسن النواب سرد بمهارة فائقة عالمه الروائي في ‘حياة باسلة’ بلغة شاعرية جاءت باذخة وجميلة مع العلم أن الكتابة كانت عن الحرب و الدم والسجن و المرارة و الحزن والجوع و الفقر والقهر الاجتماعي والسياسي، ومع ذلك إستل من معجمه اللغوي بحذق وبراعة لغة جميلة ناصعة كنصاعة الدم الطري الذي كانت سقسقاته تملأ عراء الصحراء في الجبهة تحت عين الشمس، هي رواية لم يكتبها حسن النواب بالحبر بل كتبها بالدمع و العرق والدم والأنفاس الحرى وقد توفق أيما تفوق في نقل الأحاسيس والعواطف المختلفة بمهارة فائقة، إنه شاعر وسارد ماهر عاد من وراء السواتر ومن وراء الشمس بجروح في الروح وهذه الجروح هي التي قرأناها في ‘حياة باسلة’ . رواية’ حياة باسلة’: حسن النواب دار العين للنشر الطبعة الأولى 2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية