رواية «خطف الحبيب» للكويتي طالب الرفاعي: مواجهة الحقيقة من مسافة الحياد

للكاتب الكويتي طالب الرفاعي عدد من الروايات والمجموعات القصصية، فضلاً عن بعض الأعمال التنظيرية والتطبيقية التي تتصل بعملية الكتابة والإبداع، فهو من المبدعين الذين يتأملون العملية الإبداعية، مع سعي إلى ترجمة هذه التأملات سردياً، غير أن روايته الأخيرة «خطف الحبيب» التي صدرت عن عدة دور نشر مجتمعة في توقيت واحد، تسعى إلى أن تكون إضافة إلى نهجه، حيث الكتابة تقبع بين ثنايا المسكوت عنه، مع محاولة تقويض النماذج التي تتصل بثقافتنا التي نتجاهل الحديث عن عيوبها أو سوءاتها.

فاعلية السرد

ربما تبقى الكتابة مسكونة بوعينا الذي نقرأ من خلاله هذا العالم، إذ تبدو روايات طالب الرفاعي أقرب إلى الواقع، لا من منطلق قدرتها على التجسيد، كما شاع في المدرسة الواقعية، لكن من حيث قدرتها على مواجهة الواقع، وتأطيره في سياق سردي ثقافي متخيل يحفل بالكثير من الحيل السردية، مع القدرة على تمكين حوافز القارئ ضمن سرد يميل إلى الإيقاع المتوازن والمدروس، ولاسيما العناية في بناء المتواليات السردية، والحبكة، فيبدو نصه أقرب إلى تحقيق متعة سردية تخلو من أي عوائق تقنية، أو شذوذ في سياق بنية سردية آمنة، على العكس من بعض الأعمال التي تتولى نموذجاً سردياً في وضع انزياح، لكنه حقيقة يفتقر إلى رؤية واضحة، فتشيع في النص فوضى تكوينية ودلالية تصل إلى حد الإفساد، لعدم القدرة على قبض مفاصل السرد.
تعمد الرواية إلى عنوان يبدو على قدر واضح من المباشرة، ربما للتعبير عن رؤية عاطفية أسهمت بصورة أو بأخرى في إضافة قدر من الوضوح الدلالي؛ ما أضعف شيئاً من فاعلية التأويل، لكن النص سرعان ما يواجهنا بمستويات دلالية تستعاد في مدارات متعددة، أو متداخلة، ومع ذلك تبقى الرواية مسكونة أو مرتهنة إلى فعل سردي محوري، ونعني خطف الابن (أحمد) المفضل ليعقوب – رجل الأعمال الكويتي المتنفذ- والأخير هذا، يبدو لنا شخصية سردية مصقولة بعناية، تكاد تمتص طاقة النص، أو أنها تتشكل حوله، إذ تخضع القارئ لتأثيرها، حيث أحسن الروائي تشييدها بنائياً، وبالتحديد خاصية التحول لرجل تجاوز الستين بقليل، يمتلك مجموعة شركات إنشائية، كان مؤمناً بأحلام القومية العربية التي شهد أفولها، يميل إلى العلمانية، مؤمن بحرية الإنسان، استهلكته سنوات من العمل من أجل تشييد أكبر شركة للتجارة والمقاولات، وهو أيضاً كويتي مسلم سني، ساند صدام حسين في حربه ضد إيران، لكنه بات ينظر إلى هذا القائد بشكل مختلف، ولاسيما بعد الغزو العراقي للكويت 1990 وعلى الرغم من ذلك يحصل على مناقصة تنفيذ مشروع ضخم في بغداد بعد سنوات الغزو الأمريكي عام 2003 لكنه يتوارى في الخلف نتيجة حساسية علاقته السابقة مع النظام البائد.
تبرز شخصية (شيخة) زوجة يعقوب التي لم تتمكن من انتشاله من جموده، وانعزاله، حيث كان العمل يطغى على أي شيء آخر، كما أنها سيدة لم تتمكن من استثارة روحه أو حواسه كما ينبغي، وهذا من شأنه أن يحفز التمكين السردي على مستوى الحبكة، ولاسيما حين يواجه الموظفة الجميلة (فرناز) الإيرانية، ويعني اسمها باللغة الفارسية (الدلال العظيم أو الفتان) وهي من مواليد الكويت، تتمتع بجمال وحضور لا يمكن تجاوزهما، تتقاطع مع يعقوب في مرحلة كان يستشعر فراغاً بعد خطف ابنه، وبروز رغبات لم تعد تحتمل، ما يحيلنا إلى مرجعية نفسية، حيث الرغبة بتحرير اللاوعي المستكين، لكن هذا سرعان ما يحضر بشكل تجاوري يكاد يكون متلازماً مع استحضار صورة ابنه الجهادي، مع جملة (وملأت روحي رائحة دم نافر) وهي عبارة تكاد تتكرر في وعي يعقوب، لتمسي خاتمة لكل فصل يتعلق بالسرد الخاص به.

المتواليات السردية

يلتحق أحمد – ولد يعقوب- بإحدى الجماعات الدينية المتطرفة، التي تغلغلت في المنطقة العربية، وسرعان ما يتخذ (أحمد) موقف عدائياً تجاه أسرته بداعي انحرافها عن القيم، يرتحل في ما بعد للجهاد في سوريا والعراق بتأثير أو مساعدة من خاله، الذي يسهل هذا الانتقال عبر علاقاته بالتيارات الدينية، على الرغم من أن هذا الخال لديه ولدان أنهيا دراستهما في الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا نقرأ إحالة إلى فعل التشوية الذي تمارسه هذه الجماعات عبر البحث عن وقود لأفكارهم، كما نقرأ نقداً للمجتمع، وضعف أدوات الدولة التي تسمح لهذه الجماعات وأفكارها المتطرفة بالعبور إلى عقول النشء، عبر استغلال المدرسة أو المسجد… تتمهل الرواية لبيان موقف يعقوب مما حصل لابنه، ومحاولة حمايته عبر التهجم على أستاذ المدرسة، والإمام بوصفهم مسؤولين.
على الرغم من انتقال (أحمد) للجهاد في سوريا بوصفه حدثاً مركزياً في العمل، إلا أن هذا يأتي ضمن سياق تجاوري للكثير من القضايا التي تحتمل تجسيدا سردياً، حيث ينبعث السرد كي يمسّ جملة من القضايا التي تتصل بمواقع التمايز الديني والطائفي، وقيم المهاجرين والمقيمين، وهذا موضوع عولج في غير عمل للروائي عينه، فالفتاة الإيرانية في تكوين دلالي تحيل إلى (موضوع) بيني، فهي على مستوى الهوية تتنازعها مشكلة الانتماء للطائفة الشيعية والهوية الإيرانية، بالتوازي مع حضورها في بلد عربي شكل طفولتها، وجزءا من أحلامها، ومن هنا تكون (فرناز) مع عائلتها بما في ذلك شقيقها (رضا) الذي غادر الكويت جزءاً من هذه المجاميع التي تحضر في أوطان الآخرين، لكن تبقى على الهامش. يكدح الأب على (سيارة نقل) في حين أن الفتاة تعمل في شركة يعقوب، والهاجس الذي يظلل العائلة حرصها على الإقامة الكويتية، فضلاً عن التعلق العاطفي بالوطن الثاني، الذي اقتطع جزءاً كبيراً من حيواتهم، مع سعي مستمر للعمل على عودة الشقيق رضا إلى الكويت، أو حتى تأمين زيارة له، وهنا نقرأ تعلقهم بمكان لا ينتمي لهم على المستوى العملي، إذ ترفض غير شركة توظيف (فرناز) لأنها إيرانية: «كنت سأقول له: لو أني ولدت وعشت ربع عمري في أمريكا لحصلت على الجنسية الأمريكية».

تبدو خاصية النموذج السردي في حكاية تبدو على أقل تقدير جزءاً من فعل يحمل طابعاً واقعياً من حيث تمكُّن الحبكة البوليسية، بالتناوب مع حبكة عاطفية، لكن الرواية تستند حقيقة إلى خطاب آخر مضمر، ومن ذلك تجسيد قيم التحول تجاه الكثير من المسلمات، كما أوهام التمايز الطائفي، وجوهرانية الهوية، أو الوقوع بين عوالم رمادية، من حيث الانتماء.

وهكذا تتسرب في ثنايا النص جملة من الإحالات الدلالية لكن ضمن خاصية توظيف صيغة المتكلم، حيث تتناوب الشخصيات في سرد ما تتضمنه من أحداث، ربما تتقاسمها شخصيتان أو أكثر، ومن ذلك لقاء يعقوب بفرناز في فندق الشيراتون بعد افتعال تواصل دبره الأول للتقرب من الفتاة، فعين الحدث نراه من منظور أو تأويل مختلف بهدف تأكيد حيادية الموقف للكتابة السردية، ومن ذلك ما يضمره (يعقوب وفرناز) تجاه علاقة تبدو مضطربة شائكة، ولاسيما أنها تخرق الكثير من الضوابط، بيد أن هذه العلاقة تقرأ في سياق يتصل بهيمنة السلطة أو القوة التي تتمثل بشخصية يعقوب، على الرغم من اضطراب نواياه تجاه الفتاة، غير أن تحكمه في الأمور لا ينطلق من هيمنة ذكورية فحسب، وإنما يتصل بالقوة ذات الطابع المهيمن (عرقياً ودينياً وطبقياً):« أعلم أنه يمتلك سلطة يستطيع من خلالها عمل ما يريد. مصيري كان معلقاً بيده، وبجرة قلم أعادني لوظيفتي براتب أعلى. لأول مرة أنتبه: أصحاب السلطة لا يقف شيء في وجوههم، يقررون مصائر البشر كأسهل ما يكون. عشت عمري فقيرة، وها هو أحد أغنياء الكويت يلاحقني، ويرجوني للقائه» ومع ذلك تبقى الفتاة تجسيداً أو موضوعاً (مرغوباً) ربما أكثر فاعلية من زوجته «شيخة» التي لم تتمكن على مدار سنوات من أن تتلمس ما في داخل يعقوب، ويبدو أن تفسير ظهور فرناز قد يتصل بفعل قدري، ولاسيما حين نعرف بأن المختطفين نقلوا عملية التسليم إلى إيران مقابل دفع فدية كبيرة، فيساعده (رضا) شقيق فرناز في عملية تتبع تعليمات الجماعات الإرهابية لاسترداد (أحمد).

عزلة الوعي: ارتهان الأيديولوجيا

هكذا تبدو خاصية النموذج السردي في حكاية تبدو على أقل تقدير جزءاً من فعل يحمل طابعاً واقعياً من حيث تمكُّن الحبكة البوليسية، بالتناوب مع حبكة عاطفية، لكن الرواية تستند حقيقة إلى خطاب آخر مضمر، ومن ذلك تجسيد قيم التحول تجاه الكثير من المسلمات، كما أوهام التمايز الطائفي، وجوهرانية الهوية، أو الوقوع بين عوالم رمادية، من حيث الانتماء، فاختلاف فرناز لا يبدو معضلة، بمقدار ما يبدو التطرف، ورفض التعددية هو المشكلة. ضمن مستوى آخر تتمثل جزئية الاغتراب كما في شخصية الابن الذي ينعزل عن عالمه، في حين يعقوب يعيش في حدود صمته، فهو إما أن يكون منعزلاً في عمله أو داخل ذاته، في حين أن الأم (شيخة) زوجة يعقوب تستسلم لعالمها البسيط، نتيجة برود زوجها، فتغرق في عوالم المادية الاستهلاكية، وهنا يتحقق الانغلاق على مستويين: الأول ظاهرية الحياة، والثاني مأساة الأيديولوجيا. تذهب الرواية إلى أننا لا نتمكن من البحث في ذواتنا نتيجة ذلك، فنغرق في المسبق من الأفكار، وهي إشارة إلى عوالم ناشئة صاغتها الحداثة – التي يجسدها برج الشركة المطل على البحر- ونقيضها حيث بدا العالم مغترباً عن ذاته.
ولعل تقويض المعنى المغاير يتجلى في قرب يعقوب من الفتاة الإيرانية التي تنتمي للنقيض حيث يقول يعقوب: «إيرانية! شعّت العبارة في رأسي، ما دامت إيرانية فهي شيعية! دار ببالي كيف سمح إسماعيل بتعيينها؟ ولدي أحمد يقاتل الإيرانيين إلى جانب الجماعات الجهادية، وأنا خانس هنا بأفكاري، ماذا أريد من البنت؟». على الرغم من تغاير الفتاة على مستوى الطائفة والجنسية، لكنها تبدو أكثر حقيقية من أي شيء آخر، وهنا نقرأ إشارة تحمل أكثر من دلالة تنهض على تقويض وهم الاختلاف الطائفي، بينما هناك دلالة أعمق حين نرى بأن هذا التقارب بين فرناز ويعقوب عاطفياً يحيل إلى أن هذه التمايزات الطائفية لا تبدو لنا حقيقية، ومن هنا فلطالما بدت أسئلة يعقوب تجاه هذا التغاير جزءاً من صراعه الداخلي، حيث كان سابقاً من أكثر المؤيدين لصدام حسين في حربه ضد إيران التي من وجهة نظره تحمل حقداً تاريخياً تجاه العرب، ولاسيما بعد أن سلبوهم مجدهم الفارسي الإمبراطوري، في حين أن المضمر يشير إلى أن الاختلاف الطائفي، والتمايز العرقي، ووهم نقاء الأنا، وتفردها التاريخي، لا يعد جزءاً من حقيقة الإنسان، وينبغي ألا تتوجه الأنظار إلى هذه المعضلة بوصفها هامشاً، لكن تكمن المعركة الحقيقي ضد التطرف أينما وجد، وهنا يبدو أن خطاب السرد يبدو جزءاً من محاولة فكفكة هذه الصيغ التي تقود إلى أن اختراع عوالم متصارعة تخلو من التسامح، فالجميع يعيش في عوالم أو جزر منعزلة ضمن مستوى بنائي داخلي، فالزوجة والأبناء سلبتهم مظاهر الحياة حقيقة وجودهم، في حين أن الابن أحمد والصهر ارتهنا لاستيهامات الأيدولوجيا، بينما فرناز تقبع في عالمها الضيق بوصفها متغايرة عن محيطها، وهكذا تبدو مقولة تشكيل الإنسان حقيقة مفرغة كونها تحيل إلى سياقات ثقافية تصوغنا فنمسي غرباء عن ذواتنا.

كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية