الوطن وازمته من خلال شهادات الامهات واصواتهن المفجوعةبوشعيب الساوري
1 ـ دلالة العنوانكما جاء في المعاجم الرَّجمُ: الرَّميُ بالحجارة، والرَّجم: القذفُ بالغيب وبالظنِّ، ومنه قوله تعالي: لأَرجمنكَ واهجُرني مَلِياً أي لأقولن فيك ما تكرهُ. والمقصود به في الرواية الكلام القبيح الجارح الذي قيل كثيرا وبصيغ متعددة في الكاتبة من قبل الحاقدين. تقول الرواية: دخلت القاعة، ورأيته يجلس في الصدارة.. ما يزال يتكلم في اختيال وعنجهية وفذلكة.. وما يزال يردد ادعاءات كذبه المأفون.. ومضيت بذهول الدوي ورجيم الكلام… (ص.265.) . انطلاقا من العنوان تبدو لنا الحمولة الأخلاقية للرواية، إذ تسعي الكاتبة من خلال روايتها ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد؛ إعادة الاعتبار لنفسها ككاتبة لها مكانتها المتميزة، تصفية الحساب مع من نصبوا أنفسهم أوصياء علي الإبداع، الكتابة عن الوطن والذات من خلال تجربة الاجتياح العراقي للكويت، وتمجيد رموز الوطن من خلال شخصية أسرار البطلة التي دخلت تاريخ الكويت من بابه الواسع، وهو ما انعكس علي شكل الكتابة الروائية فجاءت متراوحة بين التاريخ والاحتفاء والبوح السير ذاتي والتأمل الأدبي والنقدي في عملية الإبداع ومحاسبة ولوم الحاقدين.2 ـ الانشغالات الروائية 2-1 ـ الفقدانتلتقي الرواية علي الرغم من تشعب مشاغلها حول ثيم ناظم هو الفقد الذي يتخذ تجليين في الرواية: ـ فقد عام ويهم الوطن من خلال التركيز علي الاجتياح العراقي للكويت الذي جعلته الكاتبة منطلقا لتشكيل عالمها الروائي بالإضافة إلي إظهار وقع الاحتلال والفقد علي الانسان الكويتي انطلاقا من دواخل النفوس التي عانت منه. فيصير الفقد جماعيا ومشكلة الوطن بأكمله. وفقد المواطنين لذويهم واختفائهم أثناء الاجتياح، بتسليط الضوء علي مشاكل الاختفاء وآثارها علي الناس وتفاعلهم معها، من خلال التركيز علي الانفعالات والتوتر والألم والصدمات وكيف تمت مواجهتها. ـ فقد خاص يهم شخصا بعينه مثل فقد الساردة فوزية لزوجها، وفقد الساردة نارنج لحبيبها وفقد الكاتبة لمكانتها الاعتبارية لدي بعض الأوساط النقدية في الكويت أو بعبارة أخري رفض الاعتراف بإبداعها. والكتابة من هذا المنظور تصير علاجا لأزمة الفقد وتجاوزها وهو ما تحاول نارنج الساردة الكاتبة في الرواية. كما أن الكتابة بالنسبة لفوزية صوت الكاتبة الحقيقية فرصة للمكاشفة والمحاسبة والتأمل في التجربة الإبداعية وأصدائها وفي الذات. 2 ـ 2 ـ القيمتعلي الرواية من شأن بعض القيم مثل التضحية في سبيل الوطن والحب، والاعتراف بالآخر، مقابل الحط من بعض القيم مثل الاستغلال ورجم الناس بالكلام علي عواهنه. ويتجلي ذلك في علاقة الكاتبة بالنقد؛ من خلال ما تعرضت له أعمالها السابقة من نقد لاذع وتهميش إلي درجة رفض نعتها بالكاتبة. تحتج الرواية ضد التردي القيمي النسبي الذي يطبع سلوك بعض المثقفين، انطلاقا من سلوكاتهم وردود أفعالهم تجاه الأعمال الأدبية، وذلك بالسعي إلي فضح ادعاءاتهم ونشرها وإخراجها من دواخل الشخصية بعد أن أثرت بشكل سلبي علي الشخصية الساردة فوزية وظلها نارنج. وبالمقابل تحتفي الرواية بالقيم النبيلة مثل التضحية في سبيل الوطن انطلاقا من قاعدة متوارية وراء السرد وهي الدعوة إلي مكافأة الطيبين ومعاقبة الأشرار.
لا تُقدم شخصيات الرواية باعتبارها نماذج تحتذي، وإنما تُعلي من شأن بعض القيم النبيلة، والازدراء بقيم أخري مثل الهجوم علي الإبداع الحداثي، العنف ضد المرأة واحتقار ها.
وعموما فسلم القيم إيجابي وأحادي البعد يعلي من قيم الخير ويحط من قيم الشر والحسد والخيانة والعنف، في علاقة بسياق الكتابة عندها وعلاقتها بالنقد أي سياق تلقي أعمالها، فتتداخل الذات والكتابة والوطن. 2 ـ 3 ـ الرواية والتاريخ تكتب فوزية شويش السالم روايتها هذه ضد النسيان، لتؤرخ روائيا للعديد من الأحداث الكبيرة التي شغلت الذات والوطن بل العالم ككل خلال فترة زمنية ممتدة بين الاجتياح العراقي للكويت وما بعد الاجتياح الأمريكي للعراق واحتلاله، بالعودة إلي الماضي القريب، بعد أن أخذت مسافة زمنية مكنتها من جمع العديد من المعطيات، بالإضافة إلي تطورات ما بعد الحرب وملف الأسري.
تعيد الرواية كتابة التاريخ لكن من دواخل الشخصيات، انطلاقا من تجارب فقد الأهل والأقارب بتوظيف حكايات المفقودين وشهادات الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن. كما تسجل تجربة الخوف من الحرب والاجتياح بسبر دواخل الشخصيات وما يعتمل داخلها، بتحويل التاريخي إلي محكي عبر الإعلاء من شأن الانفعالات الداخلية واستعادة فترة تاريخية انطلاقا من مشاعر الانسان، وهذا ما يميز الرواية عن التاريخ بالإنصات ووضع اليد علي الأمور التي عادة ما يسكت عنها المؤرخون.3 ـ البناء السردي واللغة السردية3 ـ 1 ـ البناء السرديتختار الروائية تقنية التوازي بين ثلاث حكايات تؤشر عليها باختلاف الخطوط الغرافيك الخط البسيط العادي خاص بالساردة نارنج والخط المضغوط خاص بسارد غير معروف يحكي عن البطلة الأسطورية أسرار وهناك خط ثالث خاص بالساردة فوزية، مما جعل الرواية تقوم علي ثلاثة برامج سردية متوازية لكنها تتقاطع أحيانا لتعطي للسرد صبغة مرآوية خصوصا بين نارنج وأسرار حينا وبين نارنج وفوزية حينا آخر.
يضطلع السرد بمحاولة فهم شخصية أسرار الشهيدة، تلك الشخصية التي أجمعت كل الاتفاقات علي بطولتها الأفعال والأبراج تقول: إلا أن طبيعة برج القوس هي النار وهي أعلي مستويات الطاقة نشاطا. (ص.259.) فهناك احتفاء بأسرار وبطولاتها وما أنجزته إبان الاجتياح العراقي للكويت، بالمقابل هناك جلد للذات انطلاقا من مرآة الشهيدة البطلة.
بالنسبة لنارنج الكتابة عن أسرار فرصة للبوح وفضح الذات وتجريحها وجلدها ليصبح الحديث عن البطلة الوطنية أسرار فرصة لإدانة الذات. تقول: ليس إلا أسرار من تفضح أسراري. ليس إلا هي من يعريني ويفضحني أمام ذاتي. (ص.12) لتصير أسرار مرآة لا تقوم علي التماثل وإنما تعكس الذات بشكل معكوس يكشف خيبات نارنج وخوفها. فتصير أسرار مرآة فاضحة لها، فالحديث عن بطولة أسرار ومجدها يصبح فرصة لجلد الذات وفضحها وبيان خوفها. وهو ما جعل الرواية تقوم علي مفارقة أساسية بين شخصيتين نارنج وشخصية أسرار، تقابل علي عدة مستويات هو الذي يدفع إلي تناسل الحكايات وتشعبها.
تقول: امرأة في الثلاثين قطفت النجوم.. وامرأة في الثلاثين قطفت الخواء.. بيدين عاريتين وعمر راجف. (ص.258.) نارنج تتحدث عن ذاتها انطلاقا من فقدها واختفاء حبيبها المتزوج الذي يجرها للحديث عن وضع المرأة وكيف يتم التعامل معها في مجتمع ذكوري، ليتناسل السرد إلي مجموعة من الحكايات سواء وقعت لنارنج أو لصديقاتها(حكاية بصيغ متعددة) تلتقي في أمر واحد وهو العبث بالمرأة والازدراء بها. علي عكس الساردة فوزية ظل الكاتبة التي فيها شيء من أسرار، الحاضرة في أعمالها الإبداعية السابقة مثل النواخذة… تقدم الساردة فوزية تصوراتها الجمالية في الكتابة وطقوسها وعلاقتها بالذات والجسد. كما تحاول الكاتبة فضح تصور قائم في الكتبة والتلقي وتأسيس تصور جديد وخلخلة السائد. تقول: وها أنا أهديه نصا سيضعه فوق بركان الحيرة.. (ص.113.) يصبح السرد أحيانا فرصة لحديث الكاتبة عن مسارها الفني بلغة مفعمة بالحسرة والبوح والفضح وتصفية الحسابات مع بعض الأشخاص. ربما عجزت عن ذلك في الواقع فأدخلت هذا الهم إلي الرواية، وكأنها كانت تتهرب من المواجهة إلي أن طفح الكيل وانفجرت في هذا النص. فإذا كان السرد بالنسبة لنارنج مناسبة للحسرة والبوح وجلد الذات، انطلاقا من غرابة الاسم نارنج، مقابل أسرار التي لم تعش الغربة قط وكان السرد لديها فرصة للحديث عن الذات وعلاقتها بالأشياء والناس (عجزها عن تكملة تعليمها) والحديث عن الكتابة التي اعتبرتها فرصة للتنفيس عن أزمتها وعلاجا لها فضح كواليس الكتابة ودواليب النشر القائمة علي استغلال الكاتب الذي تعامل معها كأنثي ولم يتعامل معها كإنسانة كاتبة بالطمع في جسدها مقابل النشر، فالسرد بالنسبة لفوزية فرصة لرد الاعتبار وفضح المغرضين. فالسرد كان فرصة لفضح العفن الثقافي فما لم تستطع قوله فوزية أوكلته للساردة نارنج لأنها مرآة لها في الكتابة وفي المعاناة مع السياق الثقافي. وهو ما فرض حضور التفكير في الكتابة الروائية والإبداعية ومشاكل التلقي الخاطئ ومساوئه ومحاسنه علي العملية الإبداعية للكاتبة. لتغدو الرواية في بعض الأحيان شهادة للكتابة. فكان السرد فرصة للفضح وتصفية الحسابات بذكر المتعاونين والناقمين بأسمائهم سواء بالنسبة للساردة فوزية التي اختارت أن تكون بطلة أو ظلها نارنج.
ما تشترك فيه فوزية ونارنج كل منهما فقدت عزيزا زمن الاحتلال وفي الكتابة وفي الحديث عن أسرار. فكل من فوزية ونارنج تقيم مقارنة بينها وبين أسرار ففوزية تري أنها آثرت الخوف والحكمة خوفا علي أبنائها. أما نارنج فلم يكن لها أي مبرر للخوف.
لم تقدم لنا الساردتان سيرة عن أسرار بالمعني المتعارف عليه بقدرما قدمتا تفاعل اللغة مع الأحداث التي أقدمت عليها هذه الشخصية البطولية عبر سرد تقريري يعتمد علي ما هو عام، تقارير، عملت الكاتبة علي إدراجها كما هي عبر تقنية الكولاج. عموما يتميز السرد في رواية رجيم الكلام بعدة خصوصيات تمنح النص جاذبيته، منها ارتكازه علي تقنية تعدد الساردين والتنويع في أشكال السرد؛ البوح، التقرير، اليوميات، الاسترجاع والتقرير، التي تكسر خطية السرد. 3 ـ 2 ـ اللغةيصبح السرد ومعه اللغة احتفائيين بشخصية أسرار البطلة الوطنية وذكر مناقبها والتذكير بجلائل الأعمال التي قامت بها علي الرغم من كونها امرأة داخل ظروف الاحتلال القاسية. وفي أحيان أخري تصير اللغة نقدية تجريحية عندما تعمل علي فضح الذات(نارنج) وفضح دسائس المثقفين بالنسبة لفوزية. وعند الحديث عن تجربة الكتابة تصير اللغة تأملية في شروط الإبداع. عموما تميزت اللغة في الرواية بالتعدد والتنوع؛ فإلي جانب لغة السرد هناك لغة شعرية عبر الحضور الكبير في الكثير من النصوص الشعرية والزجلية، ولغة نثرية تقريرية، ولغة وصفية ترصد الانفعالات، ولغة تحليلية نقدية للتصورات والمواقف والأوضاع، وهناك لغة استفهامية عبر الحضور القوي لأسلوب الاستفهام الذي يهدف إلي الفهم وفي أحيان كثيرة إلي الاستنكار الذي يطلع بدورين حسب كل ساردة: ـ فعند نارنج فرصة لتأزيم الذات وجلدها ومحاولة فهمها مقارنة مع البطلة أسرار. ـ أما بالنسبة للساردة فوزية فيتخذ نبرة احتجاجية ومحاولة فهم دواليب السياق الثقافي الكويتي. تقول: لماذا نشر نص لي يحدث كل هذا الإزعاج؟ (ص.75.) وهو كذلك فرصة لفضح القيم والمنطلقات التي احتكم إليها الخصوم من الأوصياء علي الإبداع وتناقضاتها في الحكم علي تجربة الكاتبة.
هكذا يمتزج في رواية رجيم الكلام الحديث عن الوطن وأزمته، من خلال شهادات الأمهات وأصواتهن المفجوعة مثلا وانطلاقا من الذات ومشاكلها ومشاغلها بتسليط الضوء علي دواخلها ومعاناتها في الوجود والكتابة وتجربة الحب ومعاناتها، بالحديث عن الكتابة ودسائسها ومشاكل النشر والتلقي وسوء الفهم. لتجمع الرواية بين أمرين الكتابة والتفكير فيها. كما تقيم علاقة بين الكتابة وسياقها. وهو ما يفسر عدم بقاء الرواية سردا خالصا؛ لتصير تأملا في الحياة الخاصة للساردة والكاتبة بفهمها ووضع اليد علي مقومات ومرتكزات تلك الحياة انطلاقا من الحضور القوي لأسلوب الاستفهام.
ہ كاتب من المغربہہ فوزية شويش السالم، رجيم الكلام، منشورات دار أزمنة، الأردن، 2007.