رواية «زقاق المدق» لنجيب محفوظ: القَضايا والشخصيات

واكب نجيب محفوظ التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع المصري، من خلال منجزه الروائي الباذخ المتميز، ابتداء من المرحلة التاريخية وبداية المرحلة الاجتماعية، مروراً بالمرحلة الواقعية النقدية والمرحلة النفسية والفلسفية، «السراب» و«أولاد حارتنا» وبداية مرحلة اجتماعية جديدة (كتاب تأملات في عالم نجيب محفوظ لمحمد أمين العالم) يقوم بناؤها على استخدام الرمز وتقنيات الرواية المعاصرة، «ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» وصولاً إلى مرحلة توظيف التراث العربي، «ليالي ألف ليلة» و«ابن فطومة» والتراث المصري القديم « العائش في الحقيقة» وانتهاء باستخدام الشكل الملحمي في رائعته «ملحمة الحرافيش» على سبيل المثال لا الحصر.
فمتابعة تراث نجيب محفوظ الروائي والقصصي، وتناوله بالدراسة والتحليل يحتاج إلى تسويد الصفحات، وكتابة الأسفار والقيام بجهود يقصر عنها فريق عمل مختص في مجال السرديات. وخلال هذا المسير الطويل من إبداع الكاتب الروائي، خاصة في المرحلة التي كتب فيها روايته «زقاق المدق» «تعرضَ للقاهرة الأرستقراطية وعلاقتها بالبورجوازية الصغيرة في رواية «خان الخليلي» وفي رواية «السراب» عالج حياة فرد ضائع في القاهرة الأرستقراطية، ورصد من جديد التحولات الطارئة في القاهرة في روايته «زقاق المدق». (المصدر نفسه). وسنحاول في هذه القراءة العاشقة الحديث عنها مركزين على محورين أساسين هما القضايا التي تعالجها الرواية والشخصيات الروائية المتعددة المتنوعة التي تعج بها.
هذه الرواية إحدى روائع نجيب محفوظ، ومن الجدير بالإشارة أنها كانت تدرس في كلية الآداب في الجامعة المغربية هي و«الثلاثية» ولولا قيمة «زقاق المدق» سواء على مستوى البناء أو الدلالة، لما كانت مجالاً للدراسة والتحليل في أعلى المستويات الدراسية. قرأت الرواية بشغف وعشق ولهفة. ومن الجدير بالملاحظة أنها رواية تعج بالشخصيات الطريفة النابعة من قاع زقاق المدق في القاهرة المُعزية. وأرى أن الشخصيات هي المهيمنة فيها، تليها العناية بالفضاء الروائي ووصف الزقاق الضيق، الذي ليس له إلا منفذ واحد يصله بالقاهرة الجديدة. يرى عبد المحسن طه بدر «أنَّ الزقاق أصبح يستقطبُ كل اهتمامات المؤلف.. وتُصبحُ «زقاق المدق» لذلك أشد رواياته تماسكاً في بنائها بالقياس إلى الروايات السابقة عليها».

فقد أصبح اهتمامنا في « زقاق المدق» منصباً على الزقاق وحده في حياتهِ بين القاهرة القديمة والجديدة، وكانت عناية المؤلف في رواية «خان الخليلي» موزعةً بين محكيات القاهرة القديمة، ومحكيات أحمد عاكف وشقيقه رشدي عاكف. وفي كتابه الرائد عن نجيب محفوظ الموسوم بـ«تأملات في عالم نجيب محفوظ» يرى الدكتور محمود أمين العالم أن الخروج من المنفذ الوحيد الذي يصل الزقاق بالعالم الخارجي قد تم عبر ثلاثة أشكال: إلى الحج وإلى العمل وإلى الدعارة، ويرى محمود العالم أن الشكل الأول والثاني ليس خروجاً على الزقاق، وإنما هو توثيق لربط الأواصر به، ذلك أنَّ الحاج الحسيني الرجل المؤمن الراضي بواقعه، يعود من أداء حجه لينشرَ الرضا والمحبة والاستقرار. وعباس الحلو وحسين ابن المعلم كرشة (صاحب المقهى) اللذان خرجا طلباً للعمل من أجل تحسين وضعيتهما الاجتماعية، لاسيما عباس الحلو الذي كان يرغب في الارتباط بحميدة التي كان يحبها، فعاد من عمله المضني بشبكة ذهبية ليقدمها هديةً لها، لكنه يجدها قد خرجت من الزقاق. حميدة وحدها التي خرجت من الزقاق تمرداً عليه، وتسلقاً إلى عالم أكبر منه وأجمل.

يقول محمود أمين العالم عن شخصية حميدة: «لم تخرج من مجرد منام إلى يقظة صاخبة، من زقاقٍ ضيقٍ إلى ميدان فسيح، وإنما خرجت من زقاق المدق لتلتقي مع عالم الحرب العالمية الثانية، بكلِّ ما تعني من قيم ومغامرات». وعبقرية الرواية تكمن في هذا الصدام بين زقاق المدق والحرب العالمية الثانية (في نهايتها) ومن هذا الصدام يتفجر المعنى اللا أخلاقي للحربِ وترفُّ قيمُ السلام».
إِنَّ قارئ هذه الرواية لا يمكن أن ينسى شخصياتِ الزقاق، كنظيراتها في أعمال نجيب محفوظ الروائية الأخرى. نذكر منهم هنا الدكتور بوشي – المعلم كرشة ـ زيطة ـ حميدة ـ عباس الحلو ـ حسين كرشة ـ الشيخ رضوان الذي يمثل أحد الأنماط المعروفة في معظم أعمال نجيب محفوظ، التي تمثل الرضا بالواقع والقناعة مثل حُسين في «بداية ونهاية». ومن يقرأ لنجيب محفوظ، سيصادف هذا النمط من الشخصيات إلى جانب المتسلق إلى الطبقة الأعلى كحميدة في الزقاق، وحسنين في «بداية ونهاية» ومحجوب عبدالدايم في «القاهرة الجديدة» وسرحان البحيري في «ميرامار» ورؤوف علوان في «اللص والكلاب» وغير هذه الشخصيات التي أفرزتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية في مراحل معينة من المجتمع المصري . ليست الرواية تقريرا صحافيا، كما يدعي البعض، بل هي رواية فنية تقوم على مكونات الخطاب الروائي الحديث، ويُعنى فيها الروائي بدراسة الشخصيات دراسة دقيقة عميقة، وتصور بكثير من الصدق مرحلة الاحتلال الإنكليزي لمصر وظروف نهاية الحرب العالمية الثانية، وأن لا نجاة لمن يطمح إلى تحسين وضعيته الاجتماعية عن طريق التسلق غير المشروع، الذي تدفع إليه الأنانية. والملاحظ أن الشخصيات «الناجية» في رواياته هي الشخصيات الغيرية، كما يرى عبد المحسن طه بدر في كتابه القيم عن روايات نجيب محفوظ الموسوم بـ«الرُّؤيةُ والأداة/ نجيب محفوظ».

كم أتمنى أن يتيح لي الوقت والجهد العودةَ إلى الحياة بين أولئك الشخصيات التي أتقن نجيب محفوظ تصويرها داخليا وخارجيا، لأستمتع بالفن الرفيع والكتابة الروائية المتقنة، التي لم نعد نصادف في المشهد الثقافي والأدبي العربي مثيلتها في الإمتاع والمؤانسة إلا نادرا …
وترى الكاتبة الروائية المغربية عائشة العلوي لمراني، «أن نجيب محفوظ أسس دولة الحارات بعيدا عن الأيديولوجيا والسياسات والتكتلات، دولة الإنسان يدبر أمر يومه بالقليل الأقل، فرد يذوب داخل الحارة وحارة تتشعب داخله، «زقاق المدق» كانت اختيارا موفقا في المقررات الدراسية، فتحت أمامنا عوالم كنا نتعالى عنها ونحسبها تفاصيل بسيطة في عالم الشعارات الكبيرة، فقال لنا نجيب محفوظ إذا لم ننزل إلى القعر، لن نعرف طريقنا إلى القمة».
إن شخصيات روايات نجيب محفوظ شخصيات عصية على نسيان قرائها. من ينسى شخصيات الثلاثية: سي السيد أحمد عبدالجواد – ابنه المناضل الوطني فهمي وكمال وزنوبة والخادمة وعائشة والأم الرؤوم الخادمة لأسرتها بكل تفان وإخلاص ورضا؟ من مِن قراء «زقاق المدق» ينسى شخصياتها الطريفة الغريبة التي يدفعها الفقر والحاجة إلى مهن غريبة كصنع العاهات للقيام بالتسول الاحتيالي؟ وحفر القبور ليلاً لأموات دفنوا حديثاً لنزع أطقم الأسنان الذهبية، ليُزين بها الدكتور بوشي أفواه الأحياء رفقة المعلم زيطة؟ من ينسى عباس الحلو حلاق الزقاق الشاب الوسيم الطيب القلب العاشق المدنف بحميدة، الطموحة المتسلقة إلى حياة أفضل خارج الزقاق؟ لقد خرجت حميدة من الزقاق لتمارس الدعارة، وتواصل حياتها في الحانات؟ من ينسى مأساتها ومأساة حبيبها عباس الذي كان يريد انتشالها من ذلك العالم ليعيدها إلى الزقاق؟ لقد كان مصيره الموت قتيلاً في معركة عنيفة مع الجنود الإنكليز، يموت عباس الحلو، وتواصل حميدة طريقها المؤدي حتماً إلى الهوان والهلاك.
بقي أن نقول في الأخير: إن الروائي العبقري نجيب محفوظ، استطاعَ أن يسبر أغوار المجتمع المصري في مختلف مراحله في العصر الحديث، ويعرض لنا في متحف فنه الأصيل لوحة فنية صادقة عن التحولات التي عرفها بطرائق فنية فاتنة، يقدم لنا من خلالها المتعة والمعرفة معاً، في واقع تردت فيه الكثير من قيم الخير والفن والجمال.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية