الحديث عن الواقع الاجتماعي أمر يستهوي الكثير من الكتّاب، وأعلى مراتب الاستهواء، حين يلامس التابوهات المسكوت عنها؛ فالتطرق إلى تلك الزوايا المظلمة تجعل الكاتب ملازما لمجتمعه مطلعا على أحواله مصححا لتلك الجاهليات المتوارثة التي لا تحتكم إلى عقل أو دين، ومن بين تلك القضايا الاجتماعية الحساسة، قضية التعامل مع فئة (اللقطاء أو أبناء الخطأ)، ومدى تقبل المجتمع لهم، ولا شك في أن الحديث عن هذه الفئة حديث يطول، إذا ما أردنا طرحه من الجوانب الدينية والاجتماعية والتاريخية؛ ذلك أنها قضية أزلية لا تستوعبها هذه العجالة، وما يعنينا في المقام الأول تناول الأدب العربي لهذا لموضوع، وبالأخص الجانب الروائي منه، ومعرفة التجارب الأولى التي تناولت هذه المسألة الحساسة في الأدب الروائي، «فأول من تناول هذه القضية في الأدب العربي هو محمد عبد الحليم عبد الله في قصته «لقيطة ليلة غرام» وتبعه أدباء وأديبات آخرون، كتبوا عن الفكرة نفسها، وفي عام 2009 صدرت رواية «زينة» للكاتبة نوال السعداوي (عادل الأسطة/ الطفل اللقيط وسؤال الهوية في الرواية العربية)، وفي عام 2012 صدرت الرواية الأكثر جرأة بعنوان «سعودي ولكن لقيط» للكاتب سمير محمد كسيرة ذاتية في ثوب روائي رائع، كشف من خلالها صورة المجتمع الخليجي وتعامله مع هذه الفئة، وما أكسب هذه الرواية التميز، أن من ألفها ينتمي لهذه الفئة بصرف النظر عن تقنيات السرد في الرواية، إلا أنها بحق تعد تفردا في هذا الجانب الحساس للرواية الخليجية، وفي عمان صدرت للكاتبة العمانية شريفة التوبي رواية «سجين الزرقة» في 345 صفحة دار ناشرون 2020. تناولت فيه مجهولي النسب، ومصير هذه الفئة في المجتمعات المحافظة على النقاء العرقي، وما يتعرضون له من معاملة سيئة جراء جريمة هم ضحيتها.
إشراقة:
تبدأ الرواية بتجهز شاب في الثلاثين من عمره للرحيل إلى أمريكا، تاركا وراءه كل مآسيه التي نالها من مجتمع لا يعرف في قاموسه الرحمة، لفئة حُمّلت ذنباً لم ترتكبه. راشد الذي تربى في دار الأيتام بلا أم ولا أب ينتمي إليهما، باستثناء وعد قطعته له أمه حين أخرج من السجن إلى الدار «أجي أشلك راشد لما أطلع ما تخاف» كان ذلك الوعد الخيط الذي يربطه بالمجتمع لكي يعيش مثل البقية، إلا أن الوفاء تلاشى مع الزمن، لم يظهر ذلك الملاك ليأخذ بيده من بين الأمواج المتلاطمة «ثلاثون عاما من عمري كافية جدا على وهم كبير، وخدعة كبرى، ثلاثون عاما وأنا أربي أملا كاذبا لأن أعثر عليها». إلا أن الأمل أوقد له شمعة في مهب الريح، فأحب مريم التي كانت في مخيلته عوضا عن أمه، التي فارقته في الخامسة من عمره، كانت مريم هي المنقذ الذي حرك الساكن في أحلامه المستحيلة، التي كان يعرف نهايتها سلفا، فخاض تجربة باءت بفشل ذريع «يقول لك أبوي نحن ما نزوّج غبون»، كان يتوقع الرفض، ولكن لم يكن في خلده أن الردّ سيكون بهذه القسوة حينها قرر أن يأخذ وثيقة عبور، بل هروب إلى الضفة الأخرى فلبى دعوة صديق عمره سالم.
في الفقرة الثانية يبدأ سرد ذاكرة أم راشد، من خلال ظرف الرسالة التي سلمت له قبل الرحيل «آن الأوان لأن أنزف جرح ذاكرتي لتعرف كل شيء فلن يبرأ الجرح بالتقادم»، مأساة شمسة الأخت الكبرى لثلاثة أطفال غيب البحر والدهم في يوم عاصف، فكانت فريسة لزوج أمها الذي غابت عنه كل معاني الإنسانية، فارتكب جريمة الاغتصاب فيم ن تعد أمانة عنده، وفي شهرها السابع ظهرت المصيبة التي غيرت واجهة الحياة لكل من شمسة البنت الخجولة، وزوج أمها، أحالت البنت إلى السجن لعشرة أعوام والزوج إلى حبل المشنقة. لم يعد لها العزاء إلا في ابنها راشد، الذي ربته في السجن خمسة أعوام، ثم اضطرت للتنازل عنه؛ حتى يقوم دار الأيتام على تربيته، على أمل اللقاء به بعد خروجها، ولما أكملت أعوامها كان رجاءها باللقاء قد تبخر أمام القانون الذي حال دون ذلك، ظلت تراقب ابنها عن بعد، فاطلعت على معظم أحواله، وأهمها حبه لمريم، وأثناء توجه راشد للمطار تقدم إليه رجل مبتسم بظرف يسجل تفاصيل المأساة التي مرت بها والدته.
الإضاءة الأولى:
رواية «سجين الزرقة» ممتعة في قراءتها، «وإذا كانت قراءة الرواية تشكل متعة ذاتية بامتياز، فإن الكتابة عن الرواية غالبا ما تكون (تفتيتا) لعالم المتعة هذا» (تقنية الرواية والتأويل المعرفي/ ماجد صالح السامرائي) فالناقد من يعيد تشكيل الرواية من الإحساس الجمالي إلى التركيب العقلي للنص، ولا أظنني سأقوم بتفتيت الرواية بقدر الطواف بأهم أحداثها.
السرد النسوي يصل درجة من القوة والإبهار، والمتعة التي لا تمتلك خلالها إلا المواصلة، خلافا لفقرة الابن التي تتسم بالملل، بل إن القارئ يتمنى انتهاء الفقرة الذكورية، إن صح التعبير ليعبر إلى الفقرة التي تليها
من وجهة نظري كقارئ، في البداية أرى من الصعوبة بمكان الحكم على نضوج التجربة الروائية لدى شريفة التوبي في تجربتها الأولى، ومن الملاحظ أن التوبية تمكنت من توظيف خبرتين في روايتها الجديدة:
الأولى: خبرة من سبقوها في هذا الموضوع، إذ الفكرة التي يتمحور عليها الموضوع وهي قضية (مجهولي النسب)، قضية اجتماعية تكرر طرحها في الرواية العربية، والسؤال ما الجديد الذي ُطرِحَ في رواية «سجين الزرقة»؟ وهل نجحت الرواية في خلق شعور مغاير في ذواتنا تجاه هذه الفئة؟
كموضوع أرى أن الكاتبة لم توفق في طرح قضية (مجهولي النسب) لو أردنا أن نقول إنها تناولت هذه الفئة في المجتمع العماني، فإنها لم تتعد تكرار النسخة الخليجية في عمان، إذ أن المجتمع الخليجي ينظر النظرة ذاتها لتلك الفئة، نظرة احتقار وازدراء، وبالتالي لم تحدث ذلك الأثر النفسي في ذاتي على الأقل، بقدر حزني على تلك الفتاة التي تحطمت حياتها بسبب رجل قذر عديم الإنسانية.
الثانية: خبرتها الشخصية في واقع قد تكون اطلعت عليه بحكم العمل مثلا، من هنا جاءت الفقرة الافتتاحية «كل ما ورد في هذه الرواية من أحداث وشخصيات، من خيال الكاتبة، وإن صادف تشابها مع الواقع، فما ذلك سوى محض صدفة». هذه الفقرة تعد منفذا قانونيا بامتياز، وهو ذاته نفي لما قد يرد إلى التفكير بواقعية الحدث، تضاف إلى خبرتها الشخصية نكهة اللغة المرتبطة بجذور المكان، أو ما يسمى بخصوصية المكان، فقد استطاعت الكاتبة النفاذ إلى القارئ العربي من خلال عنصرين: أولهما: الحوار الذي طعم باللهجة العمانية الدارجة، الذي شكل قرابة 20٪ من مجمل الرواية. ثانيهما الأغاني الشعبية العمانية، التي يُداعب بها الطفل للنوم أو للفرح (تاتا حبوه مشى .. تاتا يسابق حياته بالعشا)، وهي بالتالي تجذب القارئ العربي للاطلاع على الثقافة العمانية.
الإضاءة الثانية:
متعة الرواية في السرد الذي ينتقل بين القوة والضعف، أو بين الإبهار والخمول، أو بين المتعة والملل، بالعودة إلى الرواية بفقراتها، التي قسمت بين راويتين، (الابن/ الأم)، في عملية تبادلية بينهما، نجد أن السرد النسوي يصل درجة من القوة والإبهار، والمتعة التي لا تمتلك خلالها إلا المواصلة، خلافا لفقرة الابن التي تتسم بالملل، بل إن القارئ يتمنى انتهاء الفقرة الذكورية، إن صح التعبير ليعبر إلى الفقرة التي تليها؛ والأمر عائد إلى تعدد الأصوات، واختيار مستويات الحكي لدى الأم، بين أحداث مرّت بها وهي لب الموضوع، وانتقالها إلى الحكايات التي تمر عليها في السجن مثل، حكايات (سلوى/حليمة/سوشيلا) على الرغم من تسلل الممل إلى بعض حكاياتها كحكاية (حليمة). والثاني: قد يكون تعاطف الكاتبة مع الضحية (شمسة) وانتقاما من جنس الرجل الذي دمّر مستقبل المرأة على وجه العموم، هذا إذا نظرنا إلى الرواية على أنها نسوية تدافع عن حقوق المرأة التي سلبت حقوقها بشتى الوسائل الاجتماعية والاقتصادية، وأن ما وقع على شمسة ما هو إلى جزء من الظلم الذي عانت منه المرأة من التسلط الذكوري وسلب إرادتها.
الإضاءة الثالثة:
يمثل العنوان أيقونة الرواية؛ فهو العتبة الأولى التي من خلالها تتوالى عوالم النص، ومن يشتبك مع المتلقي منذ اللحظة الأولى بصريا، وقد احتل عنوان الرواية الثلث الأعلى من واجهة الغلاف، مبتدأ باسم المؤلفة، ليؤكد ملكية الرواية لمؤلفتها، ونوعا من التسويق للمنجز النصي، وشاهد يحسب للكاتبة ومدى حضورها المميز في الساحة الأدبية. يتلوه العنوان (سجين الزرقة) الذي يتكون من لفظتين الأولى:
السجين «والسّجين هو من فعّيل من السجن، وكأنه يثبت ما وقع به فلا يبرح مكانه» (لسان العرب مادة/ سجن) مكان لم تبرحه شمسة سبعة أعوام، وابنها خمسة أعوام لم يلتقيا إلا عن بعد، كانت فاجعة الحكم على شمسة بعشرة أعوام، بمثابة الصاعقة… كيف يساوى بين الجلاد والضحية؟ كان راشد هو العزاء الوحيد في عالم تجهل عنه كل شيء.
اللفظة الثانية: الزرقة التي تكررت في الرواية أكثر من (47) مرة، ولا شك في أن اللون بشكل عام يمتلك طاقات إيحائية إيجابية تارة، وسلبية تارة أخرى، فالأزرق يرمز للإخلاص، وفي الجانب الآخر يرمز للنفاق، والرياء، والخداع، «وفي زماننا هذا يربط الناس اللون الأزرق بأمور مؤذية ومشينة، فيتحدثون عن (القتل الأزرق) و(الأفلام الزرقاء) و(الرعب الأزرق) و(الاثنين الأزرق) إلخ»، (ألوان شيطانية/ هيرمان بلاي)، ويدل هذا اللون عند مفسري الأحلام على السلام الداخلي مع النفس، كما أنه يدل على الرضى والاستقرار، وقد يدل على الشدائد والصعوبات، «أخرج من البياض وأدخل الزرقة، يلوح لي لحاف أمي الأزرق، أراها تبكي وهي ترتدي ثوبها الأزرق، تتمثل أمامي شوقاً مؤلما، وحياة مؤلمة كل ما يربطني اللون». فاللون الأزرق يربطه بأمه التي فارقته، لم يعد بينه وبينها، إلا اللحاف الذي يظهر على غلاف الرواية، ممسكا به عله يعيد تلك الرابطة المقدسة بينه وبين أمه، حتى أنه أحب البحر ذلك المخلوق اللامتناهي البصر لا لاتساعه وامتداده بقدر زرقته؛ والسبب «كلما ذهبت كنت أراها تخرج كحورية منه، تجذبين نحوها، تلفّني زرقتها، أركض نحو الزرقة، والزرقة تبدو أبعد مما أظن، أصرخ، أنا قادم، ولا أثر للزرقة، ولا أثر لها»، فالزرقة هي أمه أينما حلت في عالم الأحلام، أم في الواقع الذي ربط بعالم المشاهدة وهو البحر صديق المحزونين والعشاق.. البحر صديق الجميع».
من هنا سيصبح اللون الأزق لدى راشد مرتبطا بعالم الطهر والسلام والمحبة، مهما تقادم به العهد «ألف الظرف بلحافها الأزرق، أشمه طويلا قبل أن أدخله في الحقيبة، فأتأكد أن الرائحة هي رائحة الزرقة التي عشت عمري كله سجينا لها».
كنت أتمنى أن تبدأ الرواية بمدخل قوي يجذب القارئ كقولها:
«أنظر للبحر ولتلك الزرقة المغرية فيه، أنظر للبشر الذين يسيرون على شاطئه محملين بتفاصيل حياتهم الثقيلة»، أو» في قاعة الانتظار في المطار، أجلس وحيداً متأملاً الوجوه العابرة، أبحث عنيّ وعنها بينهم، أقرأ الوجوه، لكل وجه حكايته، تشي بها ملامحه» 340 كم كنت ارجو من الكاتبة أن تستشهد بالأغاني العمانية كخاصية تتميز بها عن الغير.
لكنها في الجانب المشرق أجادت في توظيف جانبين الأول لقصيدة (أنشودة المطر) «عليك أن تنام وستأتي أمك» حين قال الشاعر العراقي المبدع بدر شاكر السياب:
كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لجّ في السؤال
قالوا له: بعد غدٍ تعودْ.. لا بد أن تعودْ
والجانب الثاني: شخصية مريم وكأنها مريم المجدلية، حين يعتذر إليها بصمت طويل، وكأنه في غرفة الاعتراف: «أعتذر إليك يا مريم، أعتذر لنفسي، للعاطفة، للحب، للدنيا، للمكتبة، للبحر، للسماء، للحلم للحقيقة». كما يحسب للكاتبة ما يسمى باللغة النظيفة، إذ أنها لم تخرج في سردها على ما يعرف بالآداب العامة، ولم تلجأ إلى الشتيمة وبذاءة اللسان، والتشبيهات التي تنفلت من دائرة الحياء، إنها لغة مجتمع له تقاليده وعلاقاته المتزنة.
٭ أكاديمي من سلطنة عمان