رواية سوق النساء للأديب والأكاديمي المغربي جمال بوطيب: معترك بين اللذة والألم

حجم الخط
0

رواية سوق النساء للأديب والأكاديمي المغربي جمال بوطيب: معترك بين اللذة والألم

إبراهيم الحجريرواية سوق النساء للأديب والأكاديمي المغربي جمال بوطيب: معترك بين اللذة والألمنزل إلي سوق النشر الكاتب جمال بوطيب دفعة واحدة، بعد قليل من الصمت وكثير من التأمل، وخلال هذه الفترة ظل جمال بحسه المتقد قريبا من الساحة كمبدع وباحث يمسح منجزات الساحة الإبداعية قراءة وكشفا، متذمرا حيناً من كثرة ما أصبح ينغل، من روث الكلام وسوقيه، في المعتركات التي فضل الفرسان مغادرتها بعد أن تلوثت ولطخها بزق الكثير من الذباب، هكذا كان جمال يناقش عابثا تارة وجادا في كثير من الأحيان، غير أنه كان يبدو بين هذه الفترات يلمح لبعض البريق الذي يشع لحظيا في سماء الكتابة. وهكذا وبعد أربع مجموعات قصصية: الحكاية تأبي أن تكتمل 1993 ـ برتقالة للزواج برتقالة للطلاق 1996 ـ مقام الارتجاف 1999 ـ زخة… ويبتدئ الشتاء 2001، يصدر جمال بوطيب رواية سوق النساء ليحتفل، بطريقته الخاصة، بالدخول إلي عالم آخر من عوالم السرد التي لا تقبل الحدود، وبالموازاة أصدر عن نفس الدار ـ imbh safi ـ كتابا نقديا صغير الحجم كبير الطرح والأهمية والقضايا أسماه الجسد السردي: وحدة الدال وتعدد المرجع .تحكي سوق النساء عن قصة حب مستحيلة بطلها المحوري الراوي نفسه، الذي يسرد سيرة عشقه لفتاة تخلت عنه بعد أن ضيعته في متاهة حبها، ورحلت إلي أوروبا بحثا عن مجد من نوع خاص. وقد حولت هذه السيرة العنيفة لهزيم المشاعر لدي الراوي برنامجا بديلا كشف من خلاله القناع عن ذات من نوع آخر، تحولت خلالها الأنثي مجرد رقم، مجرد جسد يتعقبه الراوي لإشباع غرائزه. ويشكل هذا البرنامج التعويضي التلفيقي سعيا للذات صوب بلورة الاعتبار المهدور وترميم ما تبقي منها في أفق تخفيف وقع الصدمة وأثر المعاناة، وتكون هذه الانعطافة في الحكي فرصة هائلة للراوي كي يبوح ويسخر من الواقع الذي يعيش في كنفه، ويعري ما يختبئ في طياته وتنياته المتاهية من إكراهات وإخفاقات للإنساني والآدمي، هذا العنصر الذي يتواري أمام القهر الذي يسلط عليه من قبل فواعل سوسيو ـ ثقافية قوية ومتعددة. ومع أن الذات تنتقل من حال إلي حال في الزمان والمكان: (تازة ـ الجنوب ـ الرباط ـ الشمال ـ إسبانيا ـ البيضاء ـ الجديدة ـ فاس ـ الجزائر ـ تونس ـ ليبيا…) بين مرحلة ومرحلة: (الطفولة ـ المراهقة ـ الشباب ـ الدراسة ـ الجامعة ـ المركز التربوي ـ مقر العمل…) فإن الجرح يظل هو هو، وتظل الإكراهات نفسها تقف مثل السد المنيع حاجزا أمام التحقق، فتكون بذلك الحلقة المفرغة سيدة المسار السردي الذي تعبره الحكاية، وتكون الرواية بالرغم من الترتيب- من حيث الفصول- الذي تبناه لها الكاتب ـ من باب التمويه والخدعة ـ رسما خطيا لسيرورة المتاهة العميقة التي حفرها الراوي ـ العامل الذات لنفسه طوعا أو كرها، المتاهة التي، قاسية، ترمي بكلكلها علي سماء النص، موجهة قوافله نحو دائرة التشظي. ومع ذلك تبدو الشخصيات فرحة بقدرها العنيد، مكابرة، سعيدة في سلك المسار السردي الذي يفضي بها إلي هاوية النص.ويزخر هذا النص الروائي بمادة دسمة بالرغم من صغر حجمه، إذ تحضر فيه ذاكرة الرجل ومعرفته، إضافة إلي المؤشرات العميقة التي تحيل علي المعاش بكل تجلياته، وهو بذلك يمنحنا فرصة أخذ الانطباع العام بكون الكاتب يكتب متنه وهو موصول التفكير بالعوالم التي تحف بقضاياه، وبكونه لا يدرك فحسب بلاغة ملفوظه ونظامه الداخلي، بل أكثر من ذلك يدرك العلائق الرابطة بين هذا المنجز الإنساني وسماواته وأراضيه، وكأن التجربة برمتها منذورة لتجلية هذه العلائق وتذويبها. وتعتبر الرواية فضاء ثقافيا مغربيا بامتياز، لكونها تختزن ثقافة المغاربة ومرجعياتهم وطريقة تعاملهم مع القضايا والأسئلة التي تتناسل قي بيئاتهم اليومية. وكعادته، في كتاباته السردية والشعرية والنقدية، ما يفتأ المؤلف يعابث قراءه ويستفزهم ويداعبهم، عبر مجموعة من المؤشرات التي تخترق المحكي، من حين لحين، وهي، في مجملها، تؤكد ما يلي: ـ الإصرار علي إشراك المتلقي في لعبة الحكي. ـ الخروج عن المألوف في الكتابة النمطية. ـ إعلان السخط من سيادة بعض القيم اللافنية التي يتشبث بها الجيل الجديد من الكتبة. ـ تجريب أنماط أخري من الموروث وتحيينها، وفتح آفاق التلاقح بين الأنواع والأجناس قديمها وحديثها.وقد أتاح العمل الجديد، وفق استراتيجيات الحكي التي اختارها له المؤلف، آفاقا مفتوحة للتعايش والتفاعل بين عناصر حكائية وغير حكائية مثل الرسالة، المثل، الأغنية، اليومي، السيري، المقروء… وغير ذلك، بما يضمن لهذه الرواية، بالرغم من صغر حجمها، الكثير من الغني والثراء والتعدد. ويأتي العنوان، كسيد العتبات، يحمل ما يحمل بين طياته من الإيحاءات والمؤشرات الدلالية التي تتواشج مع البني الدلالية الداخلية للنص الروائي، وهو أيضا يحمل مقولة تناصية كبري، تحيل علي الموروث الشعبي المشترك، وهو القول المأثور لشيخ الزجالين المغاربة عبد الرحمن المجذوب، من خلال بيتين شعريين زجليين يقول فيهما:سوق النساء سوق مطيار يا الداخل رد بالك يوريو ليك من الربح قنطار ويديو ليك راس مالكوهذا القول المرجعي يثبت فرضية خبث النساء وقوة ذكائهن وحدة مكرهن، ويحذر من مغبة الدخول إلي عوالمهن الشقية المليئة بالكيد والغدر، دون تأبط عدة الاحتراس من مخالب أشركتهن ومتاه شرهن الذي لا بد منه. غير أن الرواية لا توظف هذا المقول لتحيل به إلي هذا المعني دوما، بل قد تستثمره، أيضا لأداء غايات أخري عكسية، فالمرأة، في النص، كشخصية لها تعالقاتها السوسيو ـ ثقافية، تتمظهر غالبة ومغلوبة، قاتلة ومقتولة، ساحرة ومسحورة، فاعلة ومنفعلة، وكثيرا ما انقلب السحر علي الساحر، وكم من مرة كانت هي الطلقة والضحية.والمرجعية الثانية التي يحيل عليها العنوان، مرجعية مكانية ص.ب:26 التي يرمز بها الكاتب لأفضية معينة، واقعية أو متخيلة تحتوي أغلب الأحداث أو بعضها. وتأرجح العنونة بين هذا المعني أو ذاك، له ما له من إيحاءات التعدد التي تفضي إليها متاهة السرد نفسها.في سوق النساء تتعالق الخطابات، وتسمي الأشياء بمسمياتها، وتبدو اللغة مرنة، تلقائية لا يرهق الرواة أنفسهم في ابتكارها، وإن كانت أحيانا لا تخلو من شعرية، غير أنها ليست لغة مقدسة، بل لغة مفتوحة الأمداء علي الدارجي والفصحي والفضحي، هي لغة خطابها المتعدد، تصر علي أن تكبر وفق سيرورة الحكي، وعلي أن تكون طيعة في ألسنة رواتها وشخوصها المتعددين.يمنح الكاتب الفعلي مفاتيح الحكي لرواته الذين يحكون، في الغالب، بضمير المتكلم، تمويها للقارئ، كي يتصور أن المؤلف الحقيقي هو من يحكي، وأن ما ُيحكي هو أحداث واقعية عاشها الراوي الشخصية في أزمنة متقاربة أو متباعدة، وأن العمل، بالتالي، هو سيرة ذاتية تخلو من أي تخييل. هذه خدعة من الخدع التي يتأسس عليها المنجز، إضافة إلي خدعة الفصلين المتبقيين الذين نبه الكاتب إلي تأجيل إيرادهما إلي مناسبة لاحقة. إن توالي هذه المقالب، في كتابة جمال بوطيب، يدل علي أن قارئا بعينه، عليه أن يعيد النظر في مفاهيمه ومصطلحاته، وأن يتسلح بآفاق رحيبة، وأن يدع الكسل والخمول جانبا. وهي في نفس الوقت انتقاد للمكتوب من المنجزات الحاصلة والتراكمات الكمية التي تقدس المسارات والأنساق، ودعوة صريحة إلي إنشاء كتابة مغايرة منفلتة لا تروم الخط الوحيد في التفكير والإنجاز والرؤيا.تجد في العالم الروائي هذا، وأنت تعبر المسافات النصية، ما يشبه الذات، وهي ترتوي من عطش الطريق. وتجد نفسك تتعثر بذواتك المشتتة عبر الورق، الآتية من الذاكرة المشتركة للأنا، فلا تلفي فكاكا من أن تتوحد، بقدر ما تستطيع، مع عناصر هذا العالم. بل لا تجد في نفسك أي حرج من أن تلج المتاه النصي بفرح طفولي. فالرواية، بالقدر نفسه الذي تبيح لك أن تعرف العالم والآخر والمحيط المتعدد، تتيح لك، بكل إيجابية، أن تتعرف علي ذاتك، وأن تسائلها، بحياد، الأسئلة الموضوعية التي قد تكون سببا في نجاحك في اقتحام الكلي بشجاعة، ثم أن تقتنص، لشهواتك العطشي، بصيص ألم مشتهي أو فرح طفـــــولي غير مقيم. النص، بتعبير آخر، دعوة إلي القراءة، وفي نفــــس الآن، دعوة إلي الكتابة بأفق جديد لا تسده المواجع، أفق مشرع لاقتراف الحياة النصية بلذاذة، علي أقل تقدير، لأنه نص يعج بالمفارقات والبدايات التي لا نهاية لها، ولأنه كذلك يطفح بالسبل التي تؤدي إلي تلق فعال ومنتج، بالرغم من أنف القارئ وعصاباته. كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية