رواية «سيرة حمار» لِحسن أوريد: حكاية وأشياء أخرى… (٭)

البشير البقالي
حجم الخط
0

واهم من يعتقد أن «سيرة حمار» رواية تاريخية، وواهم كذلك من يزعم أنها ترتبط بجانب من التجربة الذاتية للكاتب ويقصرها على هذا الجانب. صحيح أن النص يبوح ببعض الأواصر مع التاريخ، إذ يلتقط حكاية يؤطرها الكاتب في فترة تاريخية معينة، ببعض ملامحها وتفاصيلها، سواء على مستوى الشخصيات أو أسماء الأماكن وأنماط العيش ومظاهر الثقافة. وصحيح أيضا أنه يوحي بحمولة ذاتية في بعض أجزاء المَحْكِيّ وبعض الصور السردية. لكن ذلك أمر طبيعي في الرواية، لأن التاريخ حليف استراتيجي لها، كما أن الإبداع الروائي غالبا ما يحمل بعض ملامح شخصية المؤلف وبعضا من تجاربه، في ظل ظروف موضوعية وسياق تاريخي يستدعي ذلك، ما يجعل الرواية فضاءً لتشاكل الفخم والحميم؛ أي التاريخي والذاتي.
وإذا كان لا بد من علاقة بين الرواية والتاريخ والذات، فهي علاقة تلازمية بالضرورة، لأن الرواية في جوهرها رحلة إلى الزمن وإلى الإنسان وقضاياه الوجودية، بالشكل الذي استشعرتها الذات المبدعة، لذلك فهي تنسج صورة الزمن وزمن الصورة، وتلتقط صورة الذات وذات الصورة في الآن نفسه. كثيرا ما تُظلَم نصوص في غمرة أحكام قبلية وقراءات متسرعة تقود الإبداع إلى غير ما تقصده منه صاحبه، وتبتعد به عن غايته الجمالية، وفي ذلك حيف كبير لمجهود تداولته المتعة والألم، وعَصَرَه مخاض فكري يكون في الغالب عسيرا. وهنا يلزم التريث، ليس لوضع النص على سكة دلالية ثابتة، ولكن لاستدعاء أسئلة وإثارة ملاحظات وانطباعات قد تغني الآفاق القرائية والدلالية. والواقع أنني حين تناولت «سيرة حمار» لأقرأها، لم يكن لديّ أدنى نية للكتابة عنها أو دراستها. غير أنني حين فرغت من قراءتها أحسست بما يشبه الاستفزاز، ورأيت صورة روائية منكسرة، كأنها قطع البِلَّور المكسور، واستشعرت أن النص أكبر من عنوانه، وأن الطبيعة الهزلية للعنوان مجرد ستار يواري أدغالا دلالية موغلة في الجدية. وتفاقمت حدة الاستفزاز أكثر، حين اطلعت على بعض القراءات حولها، حيث لم تتجاوز كون الرواية تاريخية أو سيرة ذاتية أو سيرة فكرية، وتناولتها بأفكار وتصورات مسبقة، بدون مراعاة خصوصيتها وطبيعة بنائها وحمولاتها، وراهنت على مباغتة القارئ والكاتب أكثر مما راهنت على مساءلة مكونات النص وسماته وأثرها الدرامي والجمالي وخلفياتها الفكرية والشعورية.

رأيت صورة روائية منكسرة، كأنها قطع البِلَّور المكسور، واستشعرت أن النص أكبر من عنوانه، وأن الطبيعة الهزلية للعنوان مجرد ستار يواري أدغالا دلالية موغلة في الجدية.

اليقين الذي لا غبار عليه، هو أن الكاتب كتب الرواية بمتعة، إلا أنه حَرَّم علينا القراءة بمتعة، لأنه نبش الأفكار أكثر من المشاعر، وكانت الحمولة الفكرية ثقيلة جدا، ما جعل النص عمليةً وليس نتاجا، وجعله كذلك سؤالا دراميا مربكا أكثر منه تطهيرا آمنا. ورغم الحمولة الفكرية العميقة في الرواية، فإن البناء السردي بدا بسيطا، اعتمد خلاله الكاتب تقنية قصصية خطية قديمة، فأوهمت الحكايةُ بأن وقتها قد فات. غير أن البساطة تجلت كشكل من أشكال المبالغة في بسط المضمون الفكري، الذي هو رهان الكتابة في هذا النص. هذه المفارقة بين البساطة والعمق، شكلت، بالنسبة إلينا، حافزا إضافيا للقراءة والتساؤل، ينضاف إلى ذلك أن النص جاء على نمط الكتابة الروائية عند ألان روب غرييه التي تجافي المجاز، ومرد ذلك، حسب التقدير الأولي، أن حسن أوريد استلهم سوسيولوجيا التاريخ والتراث بغزارة، ليس ليكتب تاريخا طبعا، بل ليقرأه، واتخذه مصدرا لاستعارة النماذج والرموز التي تعبر عن حساسيات الوجود والإنسان في كل زمان ومكان. لذلك، لم يكن مناسبا توظيف مجاز داخل مجاز. ولقد استثمر الكاتب مستويات وأنواعا من الخطاب، وأعلاما ناقشها واستدل بها، وأحداثا وشعائر وطقوسا، فتداخلت الأزمنة والأمكنة، واكتسبت الرواية قوة إسقاطات شاسعة وعمقا فكريا ورعونة عجائبية، كل ذلك وضع القارئ أمام مأزق؛ أن يحول بعض معاني الحكاية إلى مقولات منطقية منسجمة.
وانبنى النص على تشاكلين من خلال تصويره لفضاءين؛ فضاء ينجز فيه البطل الراوي مغامراته، وفضاء إنساني واقعي حيث يتردد صدى الأبعاد والدلالات وبعض الإسقاط. وتبنت الرواية صراعا دراميا، متزامنا ومتزمِّناً، بين إرادتين؛ إرادة الزيف والتمسك به، وإرادة الحقيقة وطلبها.
وقد اكتست الحكاية كثيرا من ملامح الحس الأسطوري، سواء على مستوى الحدث أو الصراع الدرامي وكذا واقع الشخصيات وشعائرهم وتمثلاتهم وطقوسهم. وتعزز الحس الأسطوري من خلال ثنائيات عديدة بلورت جدلية المقدس والمدنس، منها الحقيقة مقابل الزيف، والإنسانية مقابل العدوانية، والقوة والغلبة مقابل المحبة، والطبيعة مقابل المدَنية، والاعتراف مقابل الإقصاء، والطهر مقابل الهوى، والارتباط بالواقع مقابل الطموح الزائد، والحرية مقابل الاستلاب، وغير ذلك من الثنائيات التي شكلت خلايا نابضة بالدلالة والصراع الدرامي، تتنفس الحكاية عبرها ومن خلالها، وتنفتح على الواقع الإنساني بكل تفاصيله واختلالاته الوجودية.
إن الكاتب التقط بؤراً ومناطق من التاريخ، تضيء جوانب من الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للإنسان، وبلورها في شكل سيرة عن حمار، وحمَّلها رسائل متدرجة بين ثلاثة رواة؛ أذربال، أسنوس وصوت ثالث يحاور ويناقش ويفسر وينتقد ويبوح بمكنونات الهموم الإنسانية الوجودية، وفي النهاية يخرج القارئ فارغ الوفاض، حيث لا يتبين من هو الحمار المقصود بالسيرة؛ أهو البطل أسنوس أم كائن آخر؟
وجاءت السيرة في قالب حكاية أشــبه بأسطورة، كحجة للتعبير عن قضايا ذات بعد واقعــــي، لدرجة أن القارئ ينفلت تركيزه أحيانا ويتماهى مع الأحداث ومحاورات الحمار كما لو يتكلم فعلا. مما جعل حكاية الحمار في النص، ليست مجرد وسيلة لإضاءة بعض مجاهل التاريخ، بل تبلورت كعنصر تاريخي ممتد عبر الزمان والمكان.

قلَّد الكاتب الراوي حزمة وظائف، وكلَّفه بأكثر مما تستوعبه الوظيفة السردية، بل جرّده، في أحيان كثيرة، من البطولة الفعلية بوصفه قوة فاعلة في الارتقاء بالحدث، ونصّبه شاهداً على مجتمعات وأنماط حياة وتفكير.

ولقد قلَّد الكاتب الراوي حزمة وظائف، وكلَّفه بأكثر مما تستوعبه الوظيفة السردية، بل جرّده، في أحيان كثيرة، من البطولة الفعلية بوصفه قوة فاعلة في الارتقاء بالحدث، ونصّبه شاهداً على مجتمعات وأنماط حياة وتفكير، وعلى أسرار كذلك. وهي تقنية سردية شبيهة بتلك التي وظفها هنري باربوس في روايته «الجحيم»، حين جعل البطلَ ينظر من خلال ثقب في غرفته في فندق، يرى ما يحصل في غرفة أخرى بدون أن يراه أو يشعر به أحد، ويطّلع على ما يفعله الناس في غفلة منهم، ويعمّق معرفته بأسرارهم، وبالتالي بأسرار الحياة.
كذلك فعل أوريد، حيث دسَّ حمارا عاقلا ومفكرا وسط الناس، وشرع الحمار يكشف خباياهم وأفعالهم ومنظوماتهم الفكرية والشعورية، وأساطيرهم وشعائرهم، دون أن يدركوا أنه يلاحظ ويدون ويقدم تأويلات لكل مشاهداته، ويتخذ من خلالها موقفا من الوجود.
هكذا تم وضع البطل بين منزلة السارد ومنزلة الإثنوغرافي، أو بالأحرى يتقمص المنزلتين معا. مما يجعل «سيرة حمار» رواية أنثروبولوجية، اعتمدت السيرة وسيلة لاقتحام السرد وبلورة التجربة، ذلك لأن السيرة تُعَد أنسب نموذج للتعبير عن حياة الإنسان وتعميمها على المجتمع، بخصوصياته وهياكله، وبالتالي تقديم نموذج لتأويل الثقافة.
نأتي لنقول؛ إن حكاية الحمار كانت مجرد طبقة سردية سطحية تَنْظم الرؤى والدلالات والأبعاد، وتحمل القارئ في رحلة عبر الزمن، حبلى بالإمتاع والهزل والسخرية والصراع والتطهير، إلا أنها كانت فقط أرضية لافتراع موضوعات بهدف مناقشتها فكريا، وتمرير رؤى إيديولوجية وخطاب حجاجي حول قضايا وجودية وإنسانية، فجاءت بنية الكتاب نتيجة تفكير أكثر منها نتيجة وحي. هذا ما جعل الحكاية مجرد متن حاشيته شاسعة وممتدة…
——
(٭) هذه المقالة مزيج فقرات من مقدمة وخاتمة دراسة نقدية بعنوان «المتن والحاشية في سيرة حمار- قراءة في سمات السرد وسمات التجاوز»، اعتمدتُ فيها القراءة بالسمات مستلهما إياها من الراحل محمد أنقار، والدراسة مهداة إلى روحه الطاهرة.

٭ كاتب وناقد من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية