‘قطرينة’ تلك البلدة الهلامية التي جعلت السارد ينسج تلك ‘الحكايات الغريبة’ بحثا عن موطنها، استجابة لوصية أب مكلوم ترك حياته معلقة في ذاكرة مكان لن يستطيع نص ‘صابون تازة’ أن يسبر أغوارها، لأن الغرض لم يكن إيجاد وزيارة بلدة مجهولة بقدر ما حاول السارد تتبع خيوط الحكاية وبياضاتها.
‘قطرينة’ أو ‘كطرينة’ بلدة مجهولة وذكرى أليمة، قرية مهدومة تحمل جرح الذاكرة. ومن حاسة الشم لـ’رائحة الأرض البورية المباركة’ يفتح السارد سؤالا مقلقا يتلمس خيوطه في اتجاه المتاهات وقسوة الحكايات. نشوء الحكاية على لسان الأب وهو يغادر الحياة، نشوء لمسار محكيات متعددة تتقاطع حينا وتتباعد أحيانا أخرى. جميعها تتوحد عند راوي الرواة كي تنسج نصا مفتوحا على نصوص موازية معتمدة موضوعة ‘اللااحتمال’ في انكسارات وانجراحات أرض لا تزرع إلا الحمقى والمجانين والشواذ. في أقسى هذه ‘القسوة’ تصبح رواية ‘صابون تازة’ للروائي ابراهيم الحجري، الصادرة عن منشورات دار المصرية في طبعة أولى السنة الماضية ملمحا آخر لنشيد ‘وقائع’ مرة وسوداء لشخوص وأمكنة تتحرك في مجال ترابي ضيق، يوحدهم هاجس ‘الشهوة’ والفشل والعجز وعدم القدرة على احتمال الحياة وهي تعرج بطقوسها، والزمن وهو يشكل ألوانا من الصدفة.
يتحول البحث عن بلدة بميسم الجرح في جسد وذاكرة أب عبر كما عبر ‘العابرون’ مطلع الألفية الماضية من الزمن المغربي الأشبه بـ’الاسم الجريح’. الأب الذي ظل، ‘العودة’ وحملها السارد الذي ظل بدوره المكان كي ينتهي لعوالم الجنون بعجائبية ما تفتحه من كوة على ‘امراض’ وأجساد عارية، من مساحيق ‘وطن’ يمرغ ابناءه في الوحل. وأرض تفرغ لصوصها و’قواديها’ كي يجعلوها قبرا للإنسان. وفي رحلة البحث عن العقل المفقود نقرأ مجموعة قصصية لراوي الرواة (ابتداء من ص104 الى ص179)، كل نص قصير يحمل اسم شخصية ليست بالمرة غريبة على المخيال الشعبي، مجانين وحمقى سير مقتضبة لأناس مرغهم الحب، والاستبداد، والظلم، والطغيان في الوحل فاختاروا حياة ثانية مليئة بالسكينة، حيث يتحول كل شيء الى ‘العادي’ و’اللااحتمال’ هو الممكن الذي يعيشه..
هي محكيات وخطاطات عبور السارد الى مركز ونقطة ‘اللاعودة’ كي تتقاطع الحيوات في نسج نفس التفاصيل، لا يهم حينها مادام الوطن أمسى بعيدا أشبه بـ’قطرينة’ البعيدة بميسم الجرح.
في رحلة البحث ‘اللاعودة’ يتحول نص ‘صابون تازة’ الى نزول إرادي لقاع مظلم حيث لانظام يوحده، كل شيء يتجه الى نقيضه، و’اللااحتمال’ قدر رابط يجر استراتيجية الحكي الى أفق العدم، حتى النهايات تتحول الى أنقاض ودمار. فقط الحيوات التي اختارت ‘الجنون’ لا عن طواعية ولم ترصده قدرا بل هي لعنة ‘اللااحتمال’ في جعل ‘الجنون’ شكلا من الاحتجاج الصامت، بل إن هؤلاء المجانين قد يكونون من أنجب أبناء هذا الوطن/ص35.
ينتهي ‘ربيع’ الى نفس المآل والجنون، لم يكتب له أن ينفد وصية الوالد، تحولت رحلة البحث عن قطرينة الى ‘لعنة’ فبعد مسار معاناة تمخض عنه نجاح علمي، وجد ‘ربيع’ نفسه أمام تحدي إثبات ذاته من خلال النجاح في دراسته العليا والذهاب لتحقيق حلم الأب المفقود، في حين تحضر شخصية أخيه ‘المثلي’ الذي تحول الى ظاهرة ‘سوسيولوجية’ انتهت بفوزه في الانتخابات وتحمل مسؤولية وزارية. هذا المسار الناجح لـ’عماد’ أو ‘ربيعة’ وجه للفساد الأشبه بالأخطبوط، الذي تحكمه قيم ‘غريبة’ تقعد للانحلال الأخلاقي والاغتراب. مسار عماد شقيق ربيع يبدو استعارة لطبقة فاسدة تشبعت بالفساد، بل يبدو كخلفية لبؤر ‘الريع’ الذي جعل الباقين يختارون مكرهين مآل الجنون والحمق. أما ربيع الذي انتهى به المآل الى أستاذ جامعي في ظهر المهراز فاس لمادة علم الاجتماع فانتهى الى محجات الحمقى.. لم يصل للاغتسال بـ’صابون تازة’ لأنه اختار مسارا آخر..
ووفق ما يحكي السارد ضمن ‘برنامجه السردي الاساسي/ كطرينة’ ص40. الذهاب في رحلة بحث قصية عن المكان/الجرح الغائر للأب المتوفى، يؤدي الى مسارات غريبة. توفي عباس صديق والده، ليجد ربيع نفسه رفقة فقيه ‘المختار’ وغرامياته الشبقية التي لا تنتهي، فساد آخر يؤشر الى طبقة اجتماعية لطالما ادعت العفة. وكأن نص ‘صابون تازة’ يحول الفساد الى عملة واحدة وتوصيف جمعي لوطن بأكمله.
ينسج نص ‘صابون تازة’ محكيات تمتد على 65 صفحة، للحمقى والمجانين وهي أشبه ببورتريهات قصيرة ‘لحسن بيضا’، ‘شوطح’، …مجتمع مصغر لمجانين خذلتهم الحياة والزمن المغربي فأمسوا لعنة تمشي على الأرض، ويوازي هؤلاء جميعهم شخصية ربيع حين وصلت الى نقطة اللاعودة.. نفس المسار الذي يوحد الجميع، تصلح المحكيات أن تكون عملا مستقلا يتضمن حضورها الاستثنائي حينها، تصلح أن تكون نصوصا معزولة في كتاب كمجموعة قصصية أو محكيات.
نص ‘صابون تازة’ اختارهم جميعا كي يشهدوا على فظاعات واقع مر ووطن يقتل أبناءه في عز شبابهم، فهل نحن أمام ‘وطن اللااحتمال’؟ هل الغياب هو صورة الألق للوجود؟ أم هي أمنية أن يتحول كل هذا الى كابوس كما حدث للسارد، ونستيقظ حينها ونحن نحلم بدرس ‘أكاديمي’ وبطقوسه ونشرب قهوة سوداء../ص191؟ وهنا يتحول كل شيء الى برنامج تخييلي لوقائع قد تحدث في أي مكان، وقد لا تكون ذات أهمية مادامت هي ‘كابوس’ سننهيه مع السارد مستيقظا؟
ربما..وربما لا..