تعتبر رواية «صياد الليل» للكاتب المغربي مصطفى ملح، الصادرة في طبعتها الأولى (2019) عن دار القصبة للنشر، بنية سردية تتجاوز الخطية المألوفة ومبدأ التراكب الذي عرفت به الرواية العربية، في ما مضى، واطمأنت له كخيار لا يمكنها الخروج عنه زمنها إلا من باب المروق. ومن ناحية أخرى نسق جمالي تجريدي، رصين، قابل للتمثل الواقعي، لا تروم تتبع أثر البطل الواقعي، أو بالأحرى الشخصية المحورية في الرواية شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى في ما يمكن اعتباره من الهامش المجالي في الرواية، إذ الهامش يعمل على إضاءة الرواية وليس العكس، والهامش نقصد به الموازيات المرافقة للمتن من أمكنة وأزمنة وشخوص، ومن تثَّ لا يمكن أن نحمل الرواية ما لا ترغب في حمله بين ثناياها إلا من باب الاستئناس والتأثيث، كفضاء، وإن حفلت به بين دفتيها. وهو ما ذهب إليه الكاتب الإسباني خوان غويتسولو، فإذا كانت الرواية تأخذ عن فن الحلقة، فإن الحلقة فيها الخارج عن الموضوع وما ليس له علاقة، وهو ما لم تأخذ به الرواية، وهذه الأشياء المارقة التي تجعل الرواية تضج بالحياة.
2 ـ
تبتدئ الرواية «صياد الليل» في الظهور عندما تنتهي اليابسة وتضمحل أو، على الأقل، عند أفول شمسها وضيق أفقها الحاضن، ليتجلى البحر ماثلا بمعنييه الواقعي والاستعاري بتقلباته وعواصفه الهوجاء وأمواجه المتلاطمة، إذ ليس البحر في النهاية إلا وجها ماكرا من أوجه اليابسة الممتدة، وليس هدوء منعشا وزرقة حالمة، دائمين بدوام الشمس والقمر، كما يتوهم البعض أو كما يتبدى له، هكذا وجَد أحمد الشاوي بطل رواية «صياد الليل» نفسه مُطاردا بين اليابسة ووجهها الرديء البحر، أو على الحافة بينهما، من غير مكان يؤويه أو وجهة يلجأ إليها، في غياب معلن وصريح للمكان بما هو ألفة وصحبة أشخاص وتقاسم مشترك، وحيدا، أعزل، لا يدري من رماه «في هذا «المكان الموحش والقاسي» من العالم «كحبة غبار مغضوب عليها» تتعقبها الرياح وتعلن عيها الحرب، إن سقطت في اليابسة ضاعت، وإن لامست البحر ذابت، وانتهت ولم يعد لها من أثر. وهو تصوير برعت الرواية إلى حد كبير في الاحتفاء به وتسويقه على قدر من الجمالية والوضوح، من هذا المكان المعلق الذي يوحي بـ«اللاَّمكان» في رمزيته والذي وُظِّف خدمة للغرض الروائي، وجد أحمد الشاوي نفسه مستندا «إلى صخرة يعلوها طحلب مبلل استند…كان فارغا من المعنى مثل صندوق خشبي في قبو مهمل»، هكذا جاءت الجملة الأولى في مفتتح الرواية، صفعة ونكاية وربما صراخا واحتجاجا على التهميش والاستلاب، جملة في تركيبتها أريد لها أن تكون مليئة بالدهشة والاختزال، حاضنة للمتن السردي ومهيمنة عليه متصدرا بها عن وعي الكاتب وإلمامه التام بتفاصيل روايته للأحداث التي لم تخرج في مجملها عن إضاءة لهذه الجملة الاستهلالية، كفكرة محورية للنص، والظلمات المتراكبة التي يلِجُها أحمد الشاوي، هذه الظلمات التي تصر على أن تلاحقه ولا تدَع له من ظل ولا أثر إلا غيّبته ومحته من الوجود، كصِرَاع أزلي بين الظل أو الأثر والمحو في المقابل بما هو إلغاء، من كون الظلمة تلغي الظل والأثر، وتلك وظيفتها الأولى، وهي في المحصلة فعل إلغاء وممارسة له، أحمد الشاوي.
بين الشيء ونقيضه (اللاشيء) يقف أحمد الشاوي كعلامة في الصحارى النائية، تجاوزها الزمن ولم يعد لرسوخ قدمها في الأرض من معنى، اللهم إلا تأثيث المكان والسخرية من وجودها أصلا.
هذا، الذي ما هو في الأخير إلا قناع يختفي وراءه الكاتب ليقتفي به أثره عائدا إلى نقطة البدء، من حيث هي إدراك ووعي بالإدراك، التي تعود إلى نقطة مفصلية من حياته وهي، فراق الأبوين اللذين أوجداه في هذا العالم «لكنهما ماتا منذ عهد بعيد»، إذ لا يمكن لغير الواعي المدرك أن يعود إلى الخلف أو الماضي مع الطريق نفسها، ما دام لم يعش الحاضر حاضرا بِتمفصلاته وتموجاته، إذ ذاك تختلط عليه العودة بما هي استرداد ممكن واسترجاع لأمكنة وأزمنة وشخوص وأحداث فارقة بعينها، فبالأحرى نقطة البدء التي ليست هي نقطة الصفر من الرواية بالضرورة. أزعم وأحمد الشاوي بطل «صياد الليل»، في قدرته على العودة إلى نقطة البدء، هذه، مادام يتوفر فيها عنصرا الإدراك والوعي بالإدراك أو بلغة الخليل بن أحمد رواية عن الأحنف بن قيس «رجل يدري ويدري أنه يدري»، بالإضافة إلى التجربة الحياتية العميقة التي عرف فيها ثلاث نساء «كن مختلفات إلى درجة التناقض» وتجربته مع الكتابة «في الكوخ الحديدي» وعمله «في ورشة البناء» إلى غير ذلك، فهو خريج كلية الآداب، بشهادة الإجازة، أو التي عبرت عنها الراوية بِـ»الورقة البسيطة والمتقشفة» أو «التي لا عطر فيها ولا طعم ولا رائحة»، التي ورمزيتها لم تمنحه حق اللجوء كهارب ومضطهد من ضيق الأفق وانسداده على الأقل إلى مرافئ الكرامة وتضمن له من يسير العيش، إن لم يكن رغده، حقا من حقوقه كأي كائن، لكنها في المقابل هذه «الورقة المتقشفة» ربما ساعدته على مواصلة السير في «انتظار الصباح أفضل من رثائه أو الحداد عليه».
3 ـ
بين الشيء ونقيضه (اللاشيء) يقف أحمد الشاوي كعلامة في الصحارى النائية، تجاوزها الزمن ولم يعد لرسوخ قدمها في الأرض من معنى، اللهم إلا تأثيث المكان والسخرية من وجودها أصلا، في قناعته أو في جواه الداخلي هو أقرب إلى «لاشيء هو» منه إلى الشيء، ربما يجذبه العدم كحالة للتخلص من الدونية، تصوره الرواية بدهاء على أنه حبة غبار عالقة بين السماء والأرض، أو كائن بشري ساقته قدماه إلى مكان ثالث ما بين البحر واليابسة مدفوعا برغبة ما، أو هو المصرُّ، رغم المصاعب «على أن يكون شيئاً» وهو اللاشيء، وهذا يحيلنا إلى ما ذهب إليه جورج لوكاتش إلى ما سماه بـ«المثالية التجريدية، التي تتميز بنشاط البطل وضيق العالم»، العالم هنا ليس ضيِّقا بالمعنى المجالي أو الجغرافي، فهو واسع وشاسع، بل ربما على النقيض، ضيق بالممكنات ضدا للأحلام، أحمد الشاوي الذي التبس عليه أين يقيم «أكثر من عشرين سنة مرت «حيث لم يحدد موقفه بعد»، هل كانت الإقامة بين صنعاء وحضرموت، أم في الدار البيضاء أم في مازاكان مدينة البحر..أم في أحراش الشاوية؟ لا يهم، هو يقيم في المكان وحسب»، هذا التشتت والضياع، يشير إلى شيء في غاية الأهمية هو أن «الإنسان مكان للوعي، يختزل عبر الوعي الأمكنة كلها» كما أشار إلى ذلك صلاح صالح في دراسة قيمة له «المكان في القصة الكويتية»، هذا الاختزال للأمكنة الذي مرده الوعي، راجع في إحالة منه إلى ضيق المكان الذي لم تعد رحابته تتسع للبطل أحمد الشاوي وأحلامه، حيث «لم تكن له من أحلام كبيرة وجشعة»، لا يريد إلا أن يكون طائرا في السماء البعيدة!