رواية «طاحونة الذئاب»… المقاومة والتاريخ الذي قد لا يُعيد نفسه

يتمظهر حضور الباحث والكاتب اللبناني عبد المجيد زراقط في المشهد الثقافي اللبناني والعربي من خلال التنوع الإنتاجي، سواء في الأبحاث الأكاديمية، أو الرواية والقصة القصيرة وأدب الأطفال. وآخر هذه الإصدرات يتمثل في رواية «طاحونة الذئاب» ـ ليفانت للدراسات الثقافية والنشر في الإسكندرية ـ وهي الرواية الثالثة في نتاجه الروائي بعد «آفاق» و»الهجرة في ليل الرحيل». والروايات الثلاث تتّخذ من الجنوب اللبناني عالماً مرجعياًّ تنطلق منه وتعود إليه، وترصد نمط الحياة وطبيعة العلاقات بين مكوّناته الاجتماعية والسياسية، في لحظة تاريخية حرجة، وعلى تخوم كيانٍ معادٍ، يترك آثاره المدمّرة على ذلك النمط وتلك الطبيعة.

«طاحونة الذئاب»

بداية يأتي العنوان «طاحونة الذئاب» عنواناً مجازياً، يرمز في المعجم الجنوب – لبناني إلى الدنيا وأحوالها، وَتَوَزُّع الناس فيها بين ذئاب ترتكب فعل الطحن، وقطيع يقع عليه الفعل. وكثيراً ما ينتفض القطيع على الذئاب، فيتحوّل المطحون إلى طاحن والعكس، في إطار من تبادل الأدوار، وتستمر الطاحونة في الدوران، وتبقى الدنيا على أحوالها في التقلّب. وفي الرواية يرصد زراقط الحراك الاجتماعي/السياسي في قرية جنوبية، في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، في لحظة محلّية، تتجاذب النفوذ فيها مجموعة من مراكز القوى، تتراوح بين التقليدي الرافع راية (البيك)، والمستجد الدائر في فلك (السيّد)، والجديد المتمثّل في الشباب الناهض إلى التغيير. وهو تجاذب يحدث في ظل اشتباكٍ إقليمي عربي ـ إسرائيلي، ما يزيد الأمور تعقيداً.

الذئاب والقطيع

تتعدّد الذئاب في الرواية، وتتمظهر في شخوص مختلفة، لكلّ منها دوره في الطاحونة. وتختلف الأدوار من شخص إلى آخر.. «البيك»، أبو شكيب، مدير المدرسة، أبو أمين، المرابي، المصرف، شركة الريجي، الدرك، المخابرات، وإسرائيل، هم بعض تمظهرات الذئاب. وفي الوقت نفسه، يتعدّد القطيع، ويتمظهر في شخوص مختلفة، لكلٍّ دوره المختلف عن دور الآخر.. الأستاذ، حسّان، أمينة، إبراهيم عمشة، أبو حسن، أبو نايف، مزارعو التبغ، والفدائيون. على أنّ الصراع بين الفريقين يتمّ التعبير عنه روائياًّ من خلال الحكاية الرئيسية التي تنتظم الرواية والحكايات الفرعية التي تحفّ بها، وهو امتدادٌ لصراعٍ تاريخي بينهما، تتغيّر أطرافه وأدواته، وتختلف نتائجه بين مرحلة وأخرى.
الحكاية الرئيسية هي حكاية الراوي مذ كان طالباً في دار المعلمين والمعلمات في صيدا حتى تعيينه معلّماً في قرية جبلية حدودية، بتدبير من أدوات «البيك» لإبعاده عن القرية، ومعاقبته على موقفه المعارض. ومن الدراسة إلى التعيين محطّات مختلفة، مكانية وزمانية، تعكس رؤية الشخصية التي تسمّيها الرواية (الأستاذ)، ومواقفها من القضايا المطروحة. وفي هذه الحكاية، تتبلور شخصية الأستاذ من خلال مجموعة من الوقائع الروائية، التي يعكس كلٌّ منها بعداً من أبعاد الشخصية الراوية أو أكثر.

أبعاد الشخصية

في دار المعلمين والمعلمات، يتزامن الامتحان النهائي مع اندلاع حرب 1967، فيمتنع مع زملائه عن إجراء الامتحان تضامناً مع العرب الذين سيحرّرون فلسطين، وحين تتّضح نتائج الحرب يعيش مرارة الهزيمة، ما يعكس البعد القومي في الشخصية. في بيت أبي سامي الذي يسكن إحدى غرفه، ينخرط في علاقة حب مع أمينة، طالبة البكلوريا، ويتعاهدان على الارتباط بعد التخرّج، ما يُظهّر البعد العاطفي فيها. في «القعدة» التي يقيمها في كرم الضيعة، يعكف على القراءة واستقبال الأصدقاء والزوّار والضيوف وإكرامهم ما يتمخّض عنه البعد الاجتماعي. في مشاركته مزارعي التبغ همومهم ونضالهم ضد الاستغلال الرسمي، يبرز البعد الطبقي في شخصية الأستاذ. في استقباله الفدائي الجريح وإسعافه الأوّلي، وإنقاذ الفدائي الجريح الآخر في خلّة أبي حسن، تظهيرٌ للبعد الوطني فيها. وفي انخراطه في جمع التبرّعات لسكّان المزارع المهجّرين، يبرز البعد النضالي. وهكذا، نكون أمام شخصية تؤمن بالقيم الإنسانية، وتنخرط في تجسيدها على أرض الواقع، فتجمع بين المثالية والواقعية، في آن.

وبمعزل عن التوالد والاستقلالية، فإنّ الرواية، على المستوى الزمني، تتخذ بنية خطية ومتكسّرة في آن. فبينما يمضي السرد قدماً في الحاضر، نراه يعود القهقرى إلى الماضي البعيد أو القريب، عبر تقنية التذكر، ثم يعود إلى الحاضر مجدّداً.

أعمال الذئاب

غير أنّ الذئاب بتمظهراتها المختلفة لا تتيح للأستاذ تحقيق ما يصبو إليه، سواء على المستوى الخاص أو العام؛ فالذئب الرسمي يحبط محاولات مزارعي التبغ الحصول على أسعار عادلة لزراعتهم. والذئب الإقطاعي يعيّن الأستاذ في قرية جبلية نائية. والذئب الإسرائيلي يهدم منزل أبي حسن، ويودي بدابّته الوحيدة، ويجهض حلمه في تزويج ابنه، عقاباً له على إسعاف الفدائي الجريح. والذئب الطائفي الطبقي يحول دون زواج الأستاذ من حبيبته أمينة. وفي مواجهة هذه الذئبيّة المتنوّعة، لا يفرّ الأستاذ من المعركة، بل يُقبل على التدريس في القرية النائية بطيبة خاطر، وينخرط في العمل العام لرفع الظلم عن المظلومين، ويقرّر متابعة الدراسة الجامعية عملاً بوصيّة أمينة، وجرياً على نهجها، لكي يصنع كلٌّ منهما قدره المنشود. وهو في خطواته هذه يواجه الذئاب المختلفة مع كثيرين أمثاله، في محاولة منهم لتغيير قانون الطاحونة. الأمر الذي يتحقّق لاحقاً ببروز قوىً جديدة، تنتزع من الذئاب سلطتها، وتتولّى عملية الطحن.

حكايات فرعية

تحفّ بهذه الحكاية مجموعة من الحكايات الفرعية التي يتراوح ارتباطها بالحكاية الرئيسية بين القوة إلى حدّ الذوبان فيها، والضعف إلى حدّ الانقطاع عنها، فتبدو لزوم ما لا يلزم. نمثّل على القسم الأوّل بحكاية المغترب محمد الذي أدّى تمرّده على «البيك» الجد وتصدّيه لرجاله، الذين حاولوا سرقة حصانه إلى سفره خارج لبنان، حتى إذا ما عاد مجدّداً، وقد أصبح رجل أعمال للاستثمار في القرية، يتصدّى له حفيد «البيك» معرقلاً مشاريعه، فيعيد التاريخ نفسه لكن بطريقة مختلفة، هذه المرّة، فيخاطبه بالقول: «لم يتغيّر شيء. أنت تُعيد حكاية جدّك… لكن لن تأخذ الحصان هذه المرّة». وهذا القول يثبت أن أشياء كثيرة قد تغيّرت، في إطار التحوّلات الاجتماعية البطيئة. ونمثّل على القسم الثاني بحكاية «الليرات الخمس» التي عثر عليها الراوي صغيراً مع تربين له، في «جب بلاّن» قرب دار جدّه، حتى إذا ما علموا أنّها تعود إلى العامل الفقير أبي جواد، يقومون بإعادتها له، فيكافئهم على صنيعهم، ما يعكس أمانتهم وكرمه.
وبين المثلين، تتموضع حكاية «كبّة عمشة» التي تعبّر عن علاقة حب بين إبراهيم الشاب الفقير وعمشة بنت أحد ملاّكي القرية. وهي علاقة تتكلّل بالزواج بفعل إرادة طرفيها، وتعكس تحوّلات اجتماعية تؤدّي إلى ردم الهوّة بين العامل والمالك، وبالإضافة إلى هذه الأمثلة، ثمة حكايات أخرى تعكس كلٌّ منها جانباً معيّناً من التحوّلات البطيئة في القرية الجنوبية، في أواخر العقد السادس من القرن العشرين.

التراثي والحداثي

في «طاحونة الذئاب»، يجاور زراقط بين النمطين التراثي والحداثي في العلاقات بين الوحدات السردية الثلاثين التي تشكّل الرواية. يتمظهر النمط الأوّل في توالد الحكايات بعضها من بعض، على غرار ما نرى في «ألف ليلة وليلة» و»كليلة ودمنة»، فقد تنتهي الوحدة السردية بالإشارة إلى حكاية معيّنة، تحكيها الوحدة اللاحقة، وقد يحدث ذلك ضمن الوحدة الواحدة. ويتمظهر النمط الثاني في استقلالية بعض الوحدات السردية. ولعل ولع الراوي وأهل القرية بحكاية الحكايات، في زمن لم تكن وسائل التواصل الحديثة قد صادرت متعة الحكي، هو ما يجعل الروائي يجاور بين النمطين.

البنية الروائية

وبمعزل عن التوالد والاستقلالية، فإنّ الرواية، على المستوى الزمني، تتخذ بنية خطية ومتكسّرة في آن. فبينما يمضي السرد قدماً في الحاضر، نراه يعود القهقرى إلى الماضي البعيد أو القريب، عبر تقنية التذكر، ثم يعود إلى الحاضر مجدّداً. وعلى مستوى أنماط الكلام، يتجاور السرد مع الوصف والحوار الثنائي والفردي والتأمل، وينجم عن هذا التجاور تنوّع في أنماط الكلام، وحيويّة في التعبير. وإذا كان الروائي قد عهد بمهمّة الروي إلى راوٍ مشارك، فإن هذا الأخير قد يفرد حيّزاً ضئيلاً لشخصيات أخرى لتشاركه المهمة، ما يجعلنا إزاء رواية متعدّدة الأصوات، إلى حدٍّ معيّن.
هذه العلاقات يصوغها زراقط بلغة سردية متعدّدة المستويات؛ فيعتمد المستوى الفصيح، والمستوى الفصيح المطعّم بتراكيب محكية في السرد. ويستخدم المستوى المحكي في الحوار. وهو ما يتناسب مع العالم المرجعي الريفي الشعبي. ويأتي إكثاره من الأمثال والأغنيات والأدعية الشعبية، على المستوى التركيبي، واستخدامه الكثير من المفردات التقنية والمحكية، على المستوى اللفظي، ليمنح الرواية روائيّتها، وواقعيّتها، وصدقها الفنّي. فالتاريخ قد يعيد نفسه أحياناً، لكنّه أبداً يتحرّك إلى الأمام.

٭ كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية