رواية «علبة الأقنعة» لمحمد رفيق: من القناع إلى الإقناع السردي

تستفز كثافة الألوان ـ على غلاف رواية «علبة الأقنعة» للروائي محمد رفيق ـ عين القارئ، فيغدو شبيها بقارئ لوحة يدنو ويبتعد؛ ويغيّر من زوايا النظر، مقتنصا الوقت السانح كي يغير على الرواية، مسائلا المساحات المنفلتة التي لم تطلها منمنمة؛ أو يعكر صفوها لون أحمر واش بأفول.
هكذا يحرض طلاء العتبة القارئ العابر؛ لتجلية سر التواطؤ الغابر الظاهر بين الفنان التشكيلي عبد الله لغزار، متلقيا أول للنص الداخلي للرواية، ومحمد رفيق متلقيا أول لنصها الخارجي، فينظر البادئ في القراءة إلى تعاقد ما بعد الكتابة، كعلامة برانية مساوقة لجوانية الرواية دلالة، ناسجا بذلك الخيط الناظم بين «علبة الأقنعة» في الخارج ولعبة الأقنعة في الداخل؛ انطلاقا من إشارات كاليغرافية وأيقونية دالة على ما يشي بتصدع أجناسي خارجي للكتاب؛ بإشهار تجنيس روائي في الأعلى «رواية» وإجهاضه أسفل بموضوع متخيلها «القناع» .
والرواية وفق هذا التشييد المحكم للمبنى؛ تبدو مثرية للمعنى بوصل «سميأة» الخارج باستراتيجية سرد مقنّع ومقنع بالداخل؛ إقناع القارئ بتجريب للأدوار: دور المؤلف في اجتراح مسارات شخوص حاكية بالسرد ومحاكية بالقناع؛ ودور المتلقي في تمثل حكي ملعوب ولعب محكي تحت يافطة لامة (رواية)، محققا بذلك لذة وصل فضاء نصي خارجي و نص فضائي داخلي، مثخن بتنقل السارد من فضاء لافظ إلى آخر جاذب، ابتداء من أحياز بني ملال المدموغة خارج النصوص السردية بهذا الإمعان، في نزوح جماعي لقبائل تادلا نحو بلاد الإفرنج، وانتهاء بنزوح روائييها شطر الوجهة نفسها تخييلا.
في نظر الناقد حميد لحميداني تحقق الروايات الواقعية هذه العلاقة التواطئية بين المحكي في النص، والمرسوم على واجهة الغلاف، حيث يبدو تشكيل العتبة جزءا من العالم المحكي؛ بتجسيده بشكل مباشر لأحد المواقف أو المشاهد السردية المعروضة في تضاعيف الخطاب. ورواية محمد رفيق على واقعيتها الدامغة للمسرود، تتعدى انتخاب موقف أو مشهد من الكتاب للرفع من سهمه في بورصة التداول، إلى تنزيل أم الكتاب وثيمته الرئيسة «علبة الأقنعة أو لعبة الأقنعة سيان»؛ الراشحة سردا بتذويت مضاعف بالتنكر ـ جواز الهجرة ـ بعد استحالة الرسوخ في جغرافيا يباب. وغير بعيد عن العتبة يأتي ما تلاها من نص بدئي موسوم بـ«الكتاب» مؤشرا على خرق محمد رفيق من جديد لميثاق التعاقد الخارجي مع عبد الله لغزار، برهان الأول على خلط الأوراق بميتاسرد مراوح بين مساحتين مستفزتين للقارئ، بجدوى إلحاق النص بالكاتب قبل أن يسرد؛ أو بالسارد مقنّعا؛ أو بالقارئ المفترض متلبسا بالكاتب/ نائبا عن سؤاله حول مسوغات خلخلة هوية السرد الذي تحلل وسمه وأمسى كتابا: «أعد كتابة تفاصيل هذا النص بدون تردد؛ تتقد تلابيب الكائنات التي رميتها جانبا؛ وترتوي الكيانات إلى ما لا نهاية؛ ولك واسع النظر في ما يستهويك من سطور بالحذف أو الزيادة أو النقصان».

فالنصوصية الناضحة في الخارج، وما تلاها من استهلالات على أشكالها «تقع» على نصوص تخييل الداخل الطافح بهوية حمقاء؛ هوية لا تعترف بحدود للذات إلا في حالة الارتحال والتحلل، من حالة ثبات ولا بمكتوب في حالة صفاء

في هذا الإطار دائما يعلن نص آخر على ظهر الكتاب انتسابه الصريح إلى نص الداخل، محيلا على ما تجمع في يد الكاتب من قطوف حقل سرده اليانع؛ الجامع على إيجازه لاستعارات واشيا للقارئ اللبيب بما استغلق من علبة السرد قبل العبور إلى الداخل: استلذ اللعبة في بعض الأحيان؛ ومجها في أحايين أخرى؛ وأن للأمر طعم خاص ونكهة بألوان السفن التي ركبها؛ لذلك عاد إلى المبتدأ من حيث انتهى؛ يقتفي أثر جسده في دروب الآخر. كلما اشتدت وطأة الوقت؛ تأبط العلبة وسار إلى مكانه المزعوم؛ وغاص في سجوف دروبها؛ وكالذي لا يعرف أين ساح وانداح في فجاج الفخاخ؛ إلى أن تزل قدمه وتستيقن ذاته أن الأرض توحي بعلامات الأمواه.
من هنا فالنصوصية الناضحة في الخارج، وما تلاها من استهلالات على أشكالها «تقع» على نصوص تخييل الداخل الطافح بهوية حمقاء؛ هوية لا تعترف بحدود للذات إلا في حالة الارتحال والتحلل، من حالة ثبات ولا بمكتوب في حالة صفاء؛ حيث يبدو سقف الكتابة في رواية «علبة الأقنعة» موصولا بإسراف ظاهر في قصدية شكلية بائنة، لم يستعجل من خلالها محمد رفيق طبع المسرود، إلى أن نقح بأناة واجِهته بما يغازل عين قارئ عابر، ويربك آخر متمرس بسحر لاعب ورق؛ ما أن يبسط باحترافية أوراق اللعب أمام المتلقي؛ حتى يعيد «التتياك»: يكتب وينظر؛ يسرد ويشخص؛ يخصص ويعمم؛ يكتب ويمحو بقلق معيدا الرواية بعد استوائها أمام القارئ إلى ما يشبه مسودة كتاب.
وفورة القلق الخارجي التي ألمحنا إليها؛ هي جزء من حالة قلق راشح في السرد، انطلاقا من فضاء متعدد تعلن رواية محمد رفيق منذ تحرك بطلها رشيد، الذي لم يرشد إلا بعد العودة من محيط الآخر إلى محيط الذات والتخلص من القناع، ولعل هذا الملمح الدرامي هو ما يجعلنا نقر بانتماء الرواية إلى منجز سردي عربي سابق؛ منكتب في سياق تثاقف قاس قاصم لهوية سارد جنوبي صاعد شطر الشمال؛ على غرار رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» والبطل «مصطفى سعيد» الذي تنكر بدوره بأسماء مزورة للإيقاع بضحاياه من النساء في لندن، والعودة منهزما إلى بلدته في الريف السوداني، على خلاف الهجرة نحو الجنوب التي قيض لسرادها الإفرنج الاغتناء بكيمياء جديدة؛ كيمياء الذات في حوارها مع الآخر «الخميائي» كويلو نموذجا.
وفق هذا المنظور الدائري الراشح يرسم المكتوب دائريته، حيث جاب بطله البدوي حتى النخاع أصقاع العالم ليعود بعد دوار إلى الدوار، أي بعد استحالة حوار السارد مع الآخر في تعدده شرقا تركيا العراق سوريا؛ أو غربا أوروبا وأمريكا على مقاس مسار ليون الافريقي لمعلوف؛ الذي تمسح وتمسلم وتنكر، وهو النص غير المعلن كتناص؛ بعد أن اجترح محمد رفيق لسارده رشيد مسارا مماثلا مدموغا بمحطات ممزقة لهويته الأصل؛ مع اختلاف في الذهاب والإياب والزمن والسياق.
وبإعادة رشيد إلى ما قبل الحوار، ينتهي فصل القناع باستحالة إقناع الآخر بعد أن تشرقن وتغربن؛ هكذا هي لعبة الأقنعة على ركح الرواية؛ قبل وبعد إسدال الستار على آخر ممثل يعود إلى نقطة الضوء الأولى، قبل أن يعبر ركح الحياة، بعد أن انتهى كلُّ شيء كما قال غارسيا ماركيز؛ ولم يبق سوى ذلك الأسى الغريب الذي لا يعرفه سوى كنّاسي المسرح بعد خروج آخر الممثلين.

٭ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية