رواية عن الأثرياء الجدد

حجم الخط
0

‘ما وراء الأبواب.. أسرار عائلة مصرية’ لهشام الخشنالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: ‘ما رواء الأبواب.. أسرار عائلة مصرية’، رواية جديدة للكاتب ‘هشام الخشن’، صدرت هذا الأسبوع عن الدار المصرية اللبنانية. تقع الرواية في 182 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف بديع للفنان حسين جبيل، وبمقدمة وافية للدكتور جلال أمين.’ما وراء الأبواب’، رغم أنها العمل الروائي الأول لهشام الخشن؛ حيث لم تصدر له إلا مجموعة قصصية واحدة بعنوان ‘حكايات مصرية جدًّا’، فإنها تمتلك الكثير من عوامل النضج الفني، التي تضع كاتبها على طريق السرد الطويل كواحد من فرسانه الجدد، الذين ينبئون بمستقبل باهر لهذا الفن الجميل، إضافة إلى مقدمة جلال أمين. قام الكاتب نفسه بوضع مقدمة لعمله، ضمَّنها دون أن يقصد هدفه من الرواية، ووضع يد القارئ على مفتاح التعامل معها، وذلك حين استشهد بمارك توين وأفلاطون، حيث قال الأول: ‘أنا ضد المليونيرات ولكن سأكون خطيرا إذا أصبحت أحدهم’ .. وقال الثاني: ‘الغنى أبو الترف والخمول، والفقر أبو الخسة والدناء.. وكلاهما مولود لعدم الرضا’ .. وهكذا فإننا إزاء رواية تحكي دراما عائلة من أغنياء مصر الحاليين، ليسوا أثرياء فساد أو نفوذ، بل في الأغلب كدّوا حتى وصلوا إلى ما هم فيه، ثراؤهم ليس محرِّك الأحداث، قدر ما تحركهم مشاعرهم وأحاسيسهم. بعض هذه المشاعر أحلام ومزيد من الطموح، والبعض الآخر ضعف إنساني وانتهاز لفرص من أجل تحقيق مآرب شخصية.

هذا الهيكل العام للعمل، كما يرويه مؤلفه، اقتضى العديد من التقنيات السردية الشكلية والموضوعية، منها على سبيل المثال تأمل شخصياته بكثير من العمق، في محاولة لسبر أغوارها الداخلية ومحاولة المواءمة بينها وبين الشكل الخارجي للشخصية، حتى أنه يقترب في الكثير من المواضع لما يشبه التصوير الفوتوغرافي، الذي يقوم به الراوي العليم المسيطر على كل الشخصيات التي يحركها وفق مقتضيات الحدث، لكنه لم يقع في النفور والمشاعر السلبية إزاء شخصياته، بل تعامل معها بكثير من المحبة، وأغرق أحيانًا في هذه المحبة، كما يتضح من تعامله مع شخصيتي ‘مارجو’الأمريكية التي تخفي إسلامها، وفريدة ابنتها، حيث غزل الكاتب علاقة مثالية بين جيلين بينهما فرق شاسع في الوعي والثقافة، وهما شخصيتان رئيسيتان في العمل.

كما تعامل الكاتب مع بقية شخصيات ‘ما وراء الأبواب’ بوضعها الإنساني وليس الاجتماعي، حيث المظهر الاجتماعي لا يشكل المظهر الأساسي للشخصية، بل الانتماء الإنساني، وهي نظرة مثالية في رؤية العمل الأدبي والهدف منه. كان الراوي واعيا بها وهو يكتب هذه الشخصيات، فلا يرد تغييراتهم النفسية والشخصية إلى الظرف الاجتماعي المحيط، بل إلى العمق الإنساني الحاكم؛ لتكوين هذه الشخصيات؛ وذلك عندما يكون الوعي هو الآلة الحاكمة في التغيير ورؤية المصير الإنساني كنقطة بعيدة المدى في التكوين العقلي للشخصيات، كما حدث لدى مارجو، واستسلامها الإنساني المثير للشفقة للحظة موتها، وهي المصابة بالسرطان؛ حيث يكون الخيار النهائي لها بإعلان إسلامها؛ لتدفن في مقابر المسلمين، وهي الأمريكية التي عاشت مزدوجة الشخصية بين شكل مسيحي من خلال حرصها على قداس الأحد، وإيمانها العميق بالإسلام، وظلت تراوح حتى على مستوى الشكل بين اسمين هما: مارجو، وفاطمة.

وشكليا اعتمد الراوي تقنية الوصف لملامح كل شخصية على حدة، في انفصالها وارتباطها ومدى تأثيرها في سياق التسلسل الزمني للأحداث وهي تقنية صعبة، شابتها كثيرا النظرة الطبيعية للشخصيات، باحترام البشري فيها والذهاب إلى حد تقديسه، وربما بعض هذه الشخصيات تمثل امتدادا لشخصيات حكاياته التي صدرت قبل ذلك بعنوان ‘حكايات مصرية جدًّا’ أو هي أغلب هذه الشخصيات مضفورة في عمل روائي كبير.

يقول د. جلال أمين في تقديمه للرواية: ‘الرواية صغيرة الحجم، ومع هذا فهي ترسم لوحة كبيرة المساحة تضم عددًا كبيرا من الرجال والنساء، وعددا كبيرا من الأحداث، بعضها مأساوي. والرواية تثير الكثير من الأشجان، وتصف كثيرا من العواطف المتباينة أشد التباين، ومع ذلك لا يشعر القارئ بأن الموقف متعجل، ولا بأنه لم يوف عاطفة معينة حقها من الوصف، فإذا بالنتيجة لوحة رائعة لعدد كبير من الناس، متناسقة الألوان، وتغريك تفاصيلها بالاقتراب منها لمزيد من التكامل’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية