رواية «غرنُوة» متاهة زقاق الظلمة والرد بالكتابة

يظهر الروائي الجزائري عبد الله كروم  مجددا على الساحة الأدبية الجزائرية من خلال عمله الروائي «غرنوة: متاهة زقاق الظلمة» الصادر عن دار خيال للنشر والترجمة ـ الجزائر 2023.

وقد فاز كروم سابقا بجائزة آسيا جبار للرواية 2022 عن روايته «الطرحان» والروائي أكاديمي وأستاذ في جامعة أدرار في الجنوب الجزائري، ما فتح أمامه آفاقا علمية ومعرفية موازية للكتابة الإبداعية، لنعثر له على كتابات عديدة منها كتاب «الرحلات بإقليم توات.. دراسة تاريخية وأدبية للرحلات المخطوطة بخزائن توات» 2007، كما سيصدر له عن قريب كتاب «التلقي في الأدب القديم» عن دار الدواية في أدرار. ويظهر من خلال رواية «غرنوة» أن عبد الله كروم بصدد التأسيس لسردية خاصة، هي سردية المحلي والصحراوي، وهو ما بدأه فعليا مع روايته الطرحان. ويتخذ هذا السرد من الصحراء موضوعا وبناء فنيّا، لتتحول إلى فضاء فاعل، بعيدا عن الفراغ والخمول. ويختار كروم في روايته موضوعا من الموضوعات الحاسمة في تاريخ الجزائر أيام الاستعمار الفرنسي، مسلطا الضوء على تجاربه النووية في منطقة «رقان» في إقليم أدرار، أو ما يعرف باليربوع الأزرق عام 1960. ويبدو أن هذا الحدث التاريخي المفزع قد تسلل إلى السرد الروائي الجزائري، ونذكر في هذا السياق رواية الجزائري محمد بابا عمي الموسومة بـ«اليربوع الأزرق» وقد أهداها إلى تلاميذ «مدرسة 14 فيفري» 1960.

غرنوة واستعادة الحدث التاريخي

عبرت رواية عبد الله كروم عن هول هذا الحدث الذي جعل الناس يتحدثون في منطقة توات بأن «القيامة قامت» فكلّما وصفوا لحظة تنفيذ العملية النوويّة، حضرت هذه الجملة التي تلخص المشهد بما يعني «نهاية الدنيا» أينما ذهبت وجدت الهلع والقلق والخوف، في نفوس الساكنة كلها، وقد سبق الضياء الذي حول ليل رقان إلى نهار، فاسترعى الضوء فضول الناس فحدقوا فيه، فأعمى بعضهم على الفور، وبعد سماع الدّويّ العظيم تساقط الناس كالذباب على الأرض، مغشي عليهم من شدة الانفجار وقوته» (غرنوة)
لكن الرواية لا تغرق في تفاصيل هذه التفجيرات فحسب، بل إنها تفتح حديثا عن مجموعة من المصائر المرتبطة بشخصياتها ممثلة في السباعي ولد نجوم العائد من فيتنام رفقة زوجته سو وولده «الشينوي» كما يحلو لسكان المنطقة تلقيبه، والحساني ولد مولاي شريف الذي بدوره يختار لنفسه مهمة البحث عن السلام انطلاقا من محليته ووصولا إلى الميتربول. والطبيب الفرنسي دو لاكروا، الذي عكف في هذه الرواية على كتابة مذكراته تحت عنوان: مذكرات طبيب في الواحات، والفرنسي ميشيل دو فاري وهو جندي أمضى خدمته في قاعدة «حموديا» رفقة الحساني. وتجسد هذه الشخصيات تعددا صوتيا وسرديا، فلكل واحدة منها حكايتها التي يرويها. يصف الطبيب دو لا كروا منطقة رقان قائلا: «تقع رقان في الجنوب الغربي من الجزائر قرب الحدود المالية الموريتانية، إنها نهاية «توات» وبداية صحراء «تانزروفت» يعيش سكانها على الفلاحة وبعضهم على التجارة، ولاسيما تجارة المقايضة مع دول الجوار الافريقي». أما عن سكانها فهم محبون للحياة، يعيشون على ممارسة الفلاحة التقليدية المسقيّة وفق نظام «الفقارات» وهم متمسكون بأرضهم، ورغم تمسكهم بعاداتهم إلا أنهم لا يهملون الفن والفرح، فهم أهل طرب ورقص. يقول الفرنسي باستيان: «هؤلاء الناس طيبون كثمر أرضهم، ومسالمون… هل رأيت أناسا يرقصون بالبارود، ويشقون من أجل لعبته، لكنهم لا يعتدون به على أحد؟ بمن فيهم نحن الذين جئنا غزاة واحتللنا أرضهم، إنهم يرقصون ويلهون به فقط». ويعمل الاستعمار الفرنسي على تحويل هذه المنطقة الهادئة والمسالمة إلى ساحة للتجارب النووية المميتة، حيث يصف الحساني ولد مولاي الشريف، كيف «تغيرت «رقان» بشكل تجاوز عهدها السابق حين زارها السباعي منذ عشر سنين، بل أصبحت باريس المصغّرة، حسب وصف القادمين منها، مدّت فيها الطرق المعبّدة، وأشعلت فيها الأنوار وبني فيها العديد من المرافق الحيوية، على غرار مستشفيات متعددة، وسوق، ومبان، وطرق.. وليس ذلك لسواد عيوننا، وإنما لحاجة في نفس ديغول وحكومته سيقضيها، وبعدها سوف يقضي علينا».
وتنخرط الرواية في وضع القارئ في سياق التفجيرات وما خلفته من رعب وهلع في صفوف السكان الذين لم يكونوا يعرفون مصدرها، هذه التجارب النووية التي لم ترحم بشرا ولا حجرا ولا حيوانا ويكفي أنها جعلت حظيرة خاصة لوضع الحيوانات من أجل أن تكون عيّنات لهذه التجارب، ويكفي مثال «تزّيقا» حمار الحساني. فقد تم حجزه، بعدما اعتقل صاحبه بدعوى أنه مطلوب من قبل المؤسسة الاستعمارية لإعادة التجنيد، وكان قد أمضى مدته القانونية في حرب فرنسا ضد فيتنام. يقول الحساني:» كل ما بقي في الذاكرة، أن ذلك كان في أواسط ديسمبر/كانون الأول 1959، وصلنا إلى قاعدة التارقية بأزرافيل، نزلنا من الشاحنة، أنا وحماري «تزّيقا» أخذوه هو إلى حظيرة مخصصة للحيوانات، بينما جرجرت للتحقيق في مكتب متهالك المقاعد، غمته رائحة السجائر.. وهكذا وجدت نفسي متهما بتجمع يهدد الأمن والاستقرار، تحقيقات كثيرة معي». تعد شخصية الحساني ولد مولاي شريف شخصية فاعلة في رواية غرنوة، باعتبارها فاعلا محركا لكثير من الأحداث، وقد حاول عبد الله كروم أن يجعلها شخصيّة إنسانيّة تبحث عن السلام وإشاعته بين الناس في كل مكان. وهي ليست بالمهمة السهلة في ضوء العنف المنتشر هنا وهناك، خاصة العنف الاستعماري كونه الموضوع الأساس في رواية «غرنوة». ويوسع عبد الله كروم في رواية «غرنوة» دائرة ضحايا تفجيرات رقان ولا يحصرها في السكان الجزائريين فحسب، بل إنها تشمل بعض الفرنسيين يمثلهم الجندي ميشيل دو فاري وباستيان، وقد أثبتت الكشوفات التي أجراها هذا الأخير في مستشفى في فرنسا أنه مصاب بالتهاب حاد في وجهه نتيجة سرطان الجلد، وميشيل مصاب بسرطان المعدة، كلاهما بسبب الإشعاع النووي.

غرنوة في ضوء التحليل الثقافي

تنخرط رواية غرنوة ضمن تيار الرد بالكتابة، كونها تشتغل على موضوع الذاكرة الوطنية، وتسعى إلى استعادة «السردية المحلية» من جديد في قالب جمالي، حيث تركز على منح الكلام للضحية وعدم التصديق على الأطروحة الاستعمارية المتحيزة لمبدأ التنوير الأوروبي، الذي كشفت زيفه الجرائم الاستعمارية في العالم أجمع. لا تتنازل رواية غرنوة عن محليتها، فهي تغرق في كثير من الأحيان في ثقافة المجتمع الصحراوي، لاسيما في منطقة توات، وبالضبط في قبة المأمون، محل إقامة الحساني والسباعي وبازا والغيواني، فنجدها تذكرنا بعادات وتقاليد أهل المنطقة مثل طقوس شرب الشاي، وما رافق عرس ختان ابن السباعي، المدعو الشينوي، من مظاهر اختلط فيها اليومي والمقدس والأسطوري والشعبي، وغيرها من صور وتمثيلات الثقافة المحليّة. كما يركز الروائي مرة أخرى حديثه على الطابع الغنائي المحلي الشائع الذي يسمى «طبل الشلالي» وقد أخذ نصيبا ملحوظا في روايته الأولى «الطرحان» دون إغفال رقصة القرقابو ذات المنبع الافريقي، كما تقول الرواية. ويستفيد الروائي أيضا من استحضار صور عن المتخيل الشعبي السائد في منطقته، ثم يطّعم به بعض المواضع بسرديات محلية وأخرى ميثولوجية وثالثة رمزية ذات مضمون صوفي. ويمكن أن نقرأ توظيف كروم للثقافة المحلية وللمتخيل الشعبي في روايته التي استعادت حدثا تاريخيا مهما، باعتبار التوظيف أسلوبا يندرج ضمن الرد بالكتابة، كون الثقافة الشعبية المحلية تُعامل من قبل الدراسات الثقافية على أنها مجموعة من الممارسات الدالة والمقاومة لكل أساليب السيطرة على المعنى. فعبد الله كروم استعان بهذا النمط الثقافي من أجل أن تستعيد شخصيات روايته القدرة على إنتاج معنى للحياة، حسب تعبير تيري إيغلتون.
من جهة أخرى يجوز لنا التعامل مع عملية استعادة الحدث التاريخي عند عبد الله كروم انطلاقا من نموذج تاريخاني يرى أن التاريخ هو ساحة صراع بين سرديتين، وهو ما تكشف عنه رواية غرنوة عن طريق التمثيلات الثقافية بين سردية كولونيالية، وسردية محلية ووطنية تعيد الصياغة التاريخية للحدث، استنادا إلى الخبرة الشخصية للروائي من جهة وفعل التخييل من جهة أخرى.

تركيب

ومن أجل فهم رواية «غرنوة» في ضوء التحليل الثقافي، يمكننا أن نستأنس بما قاله الناقد الإيطالي أمبرتو إيكو في تعليقه على روايته «اسم الوردة» «إن الروائي يمكن أن يمثل الماضي الذي لم تحدثنا عنه كتب التاريخ بوضوح وأن يجعل التاريخ، الذي حدث، أكثر فهما.. وأن يحدد في الماضي الأسباب التي قادت إلى ما حدث حقا، وأن يتتبع أيضا العملية التي من خلالها بدأت تلك الأسباب تنتج أثرها ببطء» (نقلا عن كيت ميتشل: التاريخ والذاكرة الثقافية، ترجمة، أماني أبو رحمة).
لقد تمكن عبد الله كروم بخبرته الروائية وتجربته الشخصية من إعادة صياغة السردية المحلية وتقديم رؤيته الخاصة للحدث التاريخي، دون أن يقع في دائرة الترويج للانتقام والعنف المضاد، وقد تحقق له ذلك عن طريق توزيع العملية السردية بين شخصيات عديدة، متباينة لكنها متفقة في الوقت نفسه حول حكاية واحدة وهي إدانة العنف الاستعماري بكل أشكاله، والدعوة إلى السلام بين البشر دون استثناء.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية