عن دار الشامل للنشر والتوزيع في فلسطين، صدرت مؤخرا رواية «فتاة من بابل» للأكاديمي الفلسطيني المقيم في لندن نهاد خنفر. تقع الرواية في قرابة 546 صفحة من القطع المتوسط، وبغلاف جميل يحمل لوحة للفنانة التشكيلية الفلسطينية سوسن شحادة.
تدور أحداث هذه الرواية حول فتاة اسمها (نور)، تتعرف إلى شاب اسمه (ضياء)، ثم لا تلبث أن تتعمق العلاقة بينهما لتصبح علاقة حب هي أقرب ما تكون إلى الحب العذري، الذي يسمو بتلك العلاقة المقدسة إلى أعلى مراتبها، وينأى بها عن الرغبة والشهوة الجسدية، إلى التحليق في عوالم الروح والطهارة والنقاء والتصوف، الذي اتخذ تجليات متعددة في صفحات الرواية، سواء بذكر أعلام من المتصوفة كالحلاج وابن الفارض وابن عربي، أو بذكر مقطوعات شعرية لبعضهم، أو من خلال التصريح عن فلسفة الحب التي تتبناها الرواية، وهي فلسفة تنم عن رغبة في التخفف من ثقل الجسد والنزوع إلى أثيرية الروح وخفتها وتجليها في عوالمها الميتافيزيفية.
سيميائية الأسماء
أول ما يلفت انتباهنا في هذه الرواية هو، سيميائية الأسماء، فلم يكن اختيار اسمَي البطلين الرئيسيين في الرواية اعتباطيا، وإنما كان اختيارا مدروسا لما يتضمنه الاسمان من دلالات سيميائية ومحمولات دلالية غنية، تفضي إلى الطهارة والهداية والمحبة والنقاء والصفاء والحب والحرية والحياة… وغيرها من معاني الخير والفرح والبهجة، وكلها معانٍ سعت الرواية إلى تكريسها وتعميقها على امتداد صفحاتها الطويلة، ومن ثم فقد انسربت هذه الدلالة السيميائية في متن الرواية من أولها إلى آخرها وكانت مُخلصة كل الإخلاص لدلالتها الكلية.
الحبكة
تظهر أولى الحبكات في الرواية، من خلال تعقد تلك العلاقة بين (نور) و(ضياء) كون الرجل متزوجا من امرأة أخرى وله منها أبناء، لكن سرعان ما تنحل تلك العقدة عندما تفصح الأحداث عن أن زوجة ضياء تلك كانت مصابة بمرض عضال، وهي على علم بعلاقة زوجها بنور، وتتقبل ذلك بل إنها سعيدة بتلك العلاقة، لأنها تشعر بأنها ظلمت زوجها الذي تحمل مرضَها سنين طويلة، وحُرم من أبسط حقوقه الزوجية.
تستمر علاقة نور وضياء على أفضل ما يكون حتى يظهر (عادل) الذي يمثل الشخصية الفاسدة القبيحة السوداوية، فيجتهد في أنْ يحرف نور عن حبها لضياء، وأن يقحمها في أعمال مشبوهة تتعلق بالدعارة، وتهريب الآثار من مدينة بابل في العراق، التي تعدها نور قطعة من قلبها لشدة تعلقها وحبها لها، لكنها تنجو من تلك الأحابيل، وتنتصر على إغراءات المال والحياة المترفة، بحنكة وذكاء وثبات على عزيمة، تمتاح من روح صلبة لا يمكن أن تنكسر أمام خفافيش الظلام وأعداء الحياة.
تعرج الرواية، أيضًا، على الأحداث الأخيرة وتحديدا ثورة تشرين في العراق، وتصورها بأنها وقفة شجاعة في وجه الظالمين والفاسدين الذين امتصوا دماء العراق ونهبوا ثرواته وقمعوا الناس متسترين بعباءة الدين، والدين منهم براء. فقد رثت الرواية حال العراق الذي وصفته بقولها: «العراق مأساة ماثلة الآن أمام عيون التاريخ المفقوءة، العراق مغتصَب ويُغتصب ليل نهار، لا ترى فيه إلا الحطام، حطاما بشريا واقتصاديا وسياسيا، يتنفسون الفساد والاستغلال، كما يتنفسون هواءه الملوث، الطغمة الحاكمة الآن باسم العراق الجديد وباسم المرجعيات، وباسم الطائفية تقتل كل شيء جميل حلمْنا به في هذا البلد» (الرواية).
تعرج الرواية، أيضًا، على الأحداث الأخيرة وتحديدا ثورة تشرين في العراق، وتصورها بأنها وقفة شجاعة في وجه الظالمين والفاسدين الذين امتصوا دماء العراق ونهبوا ثرواته وقمعوا الناس متسترين بعباءة الدين، والدين منهم براء.
تنهض بكل هذه الأحداث شخصيتان رئيسيتان هما نور وضياء تؤازرهما شخصيات أخرى متنامية، لا تقل أهمية في تحريك دفة السرد والنهوض بدينامية النص، من هؤلاء شخصية عادل، وميس، وفاطمة، وطيبة، وغيرها من الشخصيات التي امتدت على مساحات واسعة من الأمكنة، ابتداء من العاصمة البريطانية لندن مرورا بمدن كثيرة أبرزها، عمان وبابل وباريس وبغداد، وانتهاء بلندن مرة أخرى، لتنتهي الرواية نهاية مفتوحة توحي بالاستعداد لزواج نور من ضياء، بعد موت زوجته المريضة بأمراض نفسية خطيرة، أسفرت عن هروبها من المستشفى، ومن ثم انتحارها.
يسير السرد في رواية «فتاة من بابل» بسلاسة كبيرة لا يخلو من التشويق والمتعة التي ترافق القارئ منذ سطورها الأولى، فقد نجح المؤلف في صناعة هذه المتعة، وهذا السحر السردي بما يمتلكه من لغة شعرية تطغى عليها الرومانسية المتوائمة مع طبيعة الحديث عن الحب والمطر والضباب والقهوة والمقهى، الذي بدا في بعض أحواله معبدا يمارس فيه العاشقان طقوسهما ويتبادلان دروسا في الحب والوفاء، وقد انعكس ذلك كله على لغة الرواية، التي بدت وكأنها قصيدة طويلة أو ملحمة تنتصر للحب والحياة. تظهر هذه اللغة الشعرية الرومانسية الأخاذة في كثير من المواضع كقوله، مثلا: «في المقهى الصباحي، وعلى طاولة مستديرة تأكل الشمس نصفها، وتترك للظل نصفها الأخير، كانت تتطاير أرومة القهوة في سماء المقهى، وتنسج الأحاديث الجانبية رومانسية مشتهاة، وابتسامات دافئة وكسولة».
شخصية القهوة
اللافت في هذه الرواية هو مُكنة مؤلفها من صناعة بطل غير تقليدي لروايته، أعني بذلك أن «القهوة» نهضت بدور البطولة إلى جانب البطلين الحقيقيين (نور) و(ضياء)، فقد رافق هذا المشروب «السحري» كل حوارات الرواية وأحداثها وسيرورتها، ولا سيما تلك اللحظات التي يجتمع فيها البطلان. واللافت، كذلك، حضور القهوة بوصفها عنصرا يشيع جوا من الحب والروحانية العالية بين سائر شخوص الرواية، مشكلا قاسما مشتركا لكل هؤلاء. إن تمحور الرواية في جزء كبير منها حول البطل الاستثنائي، أقصد القهوة، يجعل المتلقي على أهبة دائمة في استقبال تلك الأجواء وتلك الرائحة الأخاذة التي تملأ أنوف الجالسين، فقد أغرق المؤلف في حديثه عن هذا المشروب الذي يتغلغل في أعماق الروح فيتحول إلى عطر أحيانا وإلى سحر أحيانا أخرى، يتحدث عنه بلغة شعرية عالية أقرب ما تكون إلى قصيدة نثر أو قطعة نثرية شعرية عالية تشف عن حساسية شعرية وشفافية روحانية مُترفة، لذا نجده يقول مثلا: «يقول لها ضياء: الجمال والقهوة روحان يختبئان في جسد واحد، كلاهما يرصفان شوارع الحب بكثير من الأحلام، ردت عليه يومها قائلة: ولعل في قهوة الشتاء حب خلف الضباب، وقلب عاشقين يرتديان القيم، ويستدفئان بحرارة القلوب، فالقهوة أحيانا، وربما كثيرا، تعلن عن حب صامت، تتحدد معالمه بالكيفية التي يرتشف فيها بعض العاشقين هذا السائل العجيب، ومن ثم بسَيْل الأفكار التي تجتاح أدمغتهم مع كل رشفة».
في رواية «فتاة من بابل» يحاول المؤلف أن يقدم لنا صورة نقية طاهرة للحب وللأمل والحياة والتفاؤل والالتزام والوفاء للمبادئ والقيم النبيلة، يحاول أن يعول على النور الداخلي للإنسان، النور الذي لا يخبو ولا تنوس ذبالته مهما يكتنف المرء من ظروف وتحديات، يعول على قوة الروح الداخلية وصلابتها وصمودها أمام سطوة الزمن وصعوبة الحياة وإغراءاتها الكثيرة وإغواءات الناس من حولها ممن انطفأت أرواحهم وخيم الظلام على نفوسهم الخربة.
البناء السردي
«فتاة من بابل» رواية تعتني بالتفاصيل وتنقل لنا مشاهد نكاد نراها ونحسها ونلمسها بأيدينا، لشدة اعتناء المؤلف باصطياد التفاصيل والمشاهد الهاربة، ونقلها نقلا دقيقا، ما أضفى على السرد ظلالا من الواقعية. يمكن أن نجد ذلك في قوله مثلا: «وصلتها السيارة عبر ممر أسمنتي ممهد، يمتد إلى حوالي مئة وخمسين مترا، يبدأ ببوابة ضخمة من الحديد المطلي بالأسود، ومزينة بنقوش من الورود المعدنية الجميلة المطلية باللون الذهبي».
تتكئ الرواية على الحوار أحيانا، وهو تقنية تنهض بدور مهم يتمثل في منح الشخوص فرصة للتعبير عن نفسها بنفسها، فتبدو أكثر صدقا وواقعية، ومــــع ذلك فإن الرواية مبنية على أحادية الراوي، أو الراوي العليم الذي يتكفل بالسرد، ويتولى نقل كل التفاصيل والأحداث بنفسه، ومن ثم فإن الشخصيات في «فتاة من بابل» شخصيات تتنفس برئة الراوي العليم الذي ينقل لنا أدق المشاعر والتفاصيل الجوانية النفسية والانفعالية بنفسه.