رواية ‘قناديل ملك الجليل’ لإبراهيم نصر الله: الرواية اغتالت البطل!!

حجم الخط
0

د. أحمد رفيق عوض

يجب أن أعترف بالمتعة الفائقة التي مَنَحتْني إياها رواية ‘قناديل ملك الجليل’، فعلى مدى 560 صفحة توالت أحداث وتقلّبت قلوب ومصائر، وسال قلم كاتبها إبراهيم نصر الله بإبداعات سردية استعملت اللون والرائحة والصوت، وعجنت الحكمة بالشعر، والتاريخ بالدراما. يجب أن أعترف أنني قرأت رواية مدهشة لأستاذ كبير وفنان كبير ومحقق كبير أيضاً، فقد ظل خيط الاشتعال والاشتباك والتوتر قائماً طيلة الرواية، رغم ما اشتهر به الروائي من هذه الفصول القصيرة ذات العناوين الطويلة والتي تمزج ما بين كثافة الشعر وسخونة وتوتر القصة القصيرة، الأمر الذي قد يضرب السرد في مساحات واسعة ومترامية، والروائي في هذا، يجمع ما بين الأشكال السردية والأشكال البصرية أيضاً، فهذه الفصول القصيرة المتتابعة التي تزدحم بالشعر والقص والتوتر، إنما تقدم ما يشبه المشاهد التلفزيونية والسينمائية التي تبقي خيط الدراما متصلاً وقادراً على الشد والانتباه، وفي الحقيقة، فإن قارئ هذه الرواية لا يستطيع أن يبعد نفسه عن دفع الروائي إلى أن يعيد صياغة مسيرة الشيخ ظاهر العمر بما يناسب قوة السيناريو، وبكلمات أخرى، فإن الرواية قدمت دراما أكثر مما قدمت من التاريخ، أو كان الروائي فيها أجرأ وأكبر من المؤرخ، وليس في هذا ما يعيب النص الروائي أبداً، فالرواية في نهاية الأمر ليست التاريخ وليست الفلسفة وليست الوثيقة، إنها وراء ذلك كله، إنها تلامس المعاني وتبحث عن المشترك وتحفر تحت القواسم المشتركة، الرواية نص إشكالي حقاً، فسرديتها تمنحها القدرة والطاقة على الاستيعاب والتمثل والمحاججة، والمناورة، وتعطيها القدرة أيضاً على تقديم البدائل والممكنات والاحتمالات. وعلى هذا، فهذه الرواية، مثل أخواتها التي أرادها الكاتب نصر الله، تمثل جزءاً من الملهاة الفلسطينية تقترح رؤية حديثة لطبقة أخرى من طبقات التاريخ الفلسطيني أو راقة أخرى من راقات التراب الفلسطيني الذي صيغ تحت وطأة أزمان عديدة ومديدة، ويتمثل المقترح الذي يرد في الرواية في شخص الشيخ ظاهر العمر، الذي أقام مشيخيته في طبريا وصفد وعكا لمدة تزيد على ستين عاماً، وانتهت في العام 1775م، بعد حصاره ومقتله على يد الإمبراطورية العثمانية، إذ تحاول الرواية وعلى مدى صفحاتها المديدة أن تقدم صورة فريدة تكاد تكون أسطورية لهذا الرجل.

وفي هذا ثمة كثير من الأسئلة يجب أن تقال؛ فالشيخ ظاهر العمر ـ في حقيقة الأمر- كان مثله مثل غيره من الولاة والحكام في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث كانت الدولة العثمانية تتفكك من الداخل وتتآكل من أطرافها، وقد اندلعت الثورات في وجهها بكل مكان، في العراق وأعالي سورية وبلاد الشام ومصر واليمن، ولحقت بها خسارات عسكرية أيضاً في حروبها مع روسيا والنمسا والبلغار، وتراجعت مدخولاتها جراء ذلك كثيراً، الأمر الذي دفعها الى الاعتماد على ما يأتي من بلاد الشام وشمال إفريقيا. الضعف الذي ألمّ بالدولة العثمانية دفع كثيراً من الحكام والولاة المحليين إلى إعلان العصيان والتمرد والرغبة في الاستقلال، وكان أحد هؤلاء هو الشيخ ظاهر العمر، الذي سكتت عنه الدولة في بداية أمره ما دام ملتزماً بدفع الضرائب، ثم ما أن تحالف مع متمردين آخرين مثل علي بك الكبير حاكم مصر الذي أعلن العصيان أيضاً، والذي تدخل في شؤون بلاد الشام واحتل دمشق وهدد الكيان العثماني نفسه مدعوماً بالأسطول والقوة الروسية القيصرية، حتى هبّت الدولة العثمانية للقضاء على علي بك الكبير وعلى ظاهر العمر في سنة واحدة تقريباً، مستغلة في ذلك الألاعيب والخدع والمؤامرات المتعددة. بكلمات أخرى، في ذلك العصر المتوحش الذي لم يكن يأمن المرء على نفسه من ثيابه، وحيث تتشابه الشرعيات ولا تتفاضل، وحيث الفساد والظلم سياسة رسمية، وحيث التنافس كان على الأراضي والضرائب والأتباع، لم يكن هناك أحد أفضل من أحد، أو كان هناك مَن يملك شرعية تفوق شرعية الآخر، فما الفرق مثلاً بين مطامع ظاهر العمر ومطامع آل النمر أو آل طوقان في نابلس والقدس وغزة وصانور؟! وكيف نقيم حركة ظاهر العمر باعتبارها حركة استقلالية ـ كما نظر لها البعض هنا باعتبارها الدولة الفلسطينية الأولى – أم أنها حركة انفصالية تماماً، استعانت على الدولة العثمانية بالأسطول الروسي والأسلحة الفرنسية؟!

تجب الإشارة إلى أن الروائي إبراهيم نصر الله، وبذكاء بالغ، تجنب الإشارة إلى طبيعة العلاقات التجارية والسياسية والثقافية التي ربطت بين مشيخية ظاهر العمر وكل من فرنسا وروسيا وحتى مدن إيطاليا التجارية، كما تجنب الروائي بصمت وذكاء طبيعة الدعاية المعادية التي كان العثمانيون ينشرونها ضد ظاهر العمر. ولم يجب الروائي ولم يكن معنياً بالإجابة عن مشروعية الاستعانة بالأجنبي من أجل الاستقلال، ولكن السؤال هو: أي استقلال هذا؟! استقلال البلاد السياسي أم استقلال ظاهر العمر وطلب الحماية من روسيا التي كانت تخوض حروباً طاحنة مع الدولة العثمانية. يمكن النظر إلى هذا الشخص إذاً من هذا المنظور، أي أنه كان يتعاون مع دول كانت في حروب مع الدولة الحافظة للملّة، بلغة ذلك الزمان. أكثر من ذلك، ففي ذلك الزمان المتوحش، كانت الأخلاق متدنية إلى درجة لا يمكن تصورها أبداً، ومن لم يكن كذلك كان يؤكل حياً، وقد فرض ظاهر العمر سيطرته على الجليل عموماً بذات الطريقة إلى درجة أن هناك من المؤرخين من وصفه بصاحب القبضة الحديدية أو الديكتاتور كما ورد ذلك في كلام فيليب حتي عنه في ‘تاريخ العرب’ على الرغم من ‘تسامح العمر وتساهله’ مع المسيحيين، وفي هذا ما يشير إلى حنكة ودهاء هذا الشيخ الذي أراد استمالة تجار أوروبا وحكامهم من أجل مزيد من الدعم المالي والسياسي، لقد بلغ الأمر بهذا الرجل إلى أن يطلب من السفير الفرنسي في اسطنبول أن يقنع السلطان بعدم مهاجمته. نحن أمام حاكم صغير محنك واقتصادي داهية أدار مشيخية في قرن كان فيه استقطاب عالمي من نوع معروف، ولهذا، وعندما انفرجت الأزمة السياسية والأمنية، بين الدولة العثمانية وروسيا، ذهبت تلك المشيخية أدراج الرياح.

في نهاية الأمر، يمكن اعتبار ظاهر العمر متمرداً على الدولة العثمانية، ويمكن اعتباره أيضاً مستعيناً بالقوى العظمى في ذلك الزمان من أجل أن يوطد حكمه، ويمكن اعتباره استقلالياً أيضاً، مثل علي بك الكبير في مصر أو الجلالي في العراق وكثيرين مثله، ولكنه بالتأكيد لم يكن في باله أبداً تأسيس دولة فلسطينية إطلاقاً، فهذا المفهوم بما يحمل من دلالات حالية لم يكن له معنى أبداً. فمشيخية ظاهر العمر تراوحت ما بين أجزاء من لبنان وسورية وفلسطين، وكانت حدودها تتغير تبعاً للتحالفات والمكاسب والانكسارات، ولم يقم ظاهر العمر إطلاقاً بما يمكن تسميته عملاً فلسطينياً، إذ لم يكن يعرف عنه حبه للبناء أو الشعر أو الثقافة، بقدر حبه للسيطرة، وجمع الضرائب وإقامة التحالفات وإدارة المعارك مع القبائل والحكام والولاة الأقربين والأبعدين، لم يكن هذا الرجل ليختلف عن أحمد باشا الجزار الذي جاء بعده، أو سليمان باشا الذي جاء بعد سيده وأستاذه الجزار، ولا أريد أن أقلل من حجم الشيخ ظاهر أو أبخسه حقه إطلاقاً، ولكني عرضت ما عرضت لأن الرواية التي بين أيدينا تقدم الشيخ ظاهر تقديماً مستفزاً جداً، وتقوم الرواية بانتزاعه من واقعه وتاريخيته وأحواله ومزاجه وثقافته لتقدمه بشكل آخر تماماً، فقد قامت الرواية بأسطرة الرجل وأيقنته، فجعلته يرضع من فرس وجعلته ‘يعرف’ ونسبت إليه خوارق أو تكاد، ولا يحتاج الرجل إلى كل هذه الأسطرة أبداً، فخصاله الإنسانية كانت كافية لأن تجعل منه ما جعلت، ثم قامت الرواية بتغريب الشيخ ظاهر أيضاً من خلال مفرداته ومصطلحاته، وإذا اعتبرنا أن المفردة اللغوية والمصطلح اللغوي هما ظاهرتان تاريخيتان، فإن كلام الشيخ ظاهر لا علاقة له بعصره أبداً، ففي حواراته الطويلة مع ‘أمه’ بالذات، فإننا أمام حكيمين قارئين عارفين بكل شيء تقريباً، حتى إن أمه نجمة تتحدث معه عن طفولة المدن وشبابها وكهولتها، ونجمة هذه تؤسطر أيضاً بطريقة لا نعترض عليها سوى أنها شاركت في عملية تغطية على الشيخ ظاهر، ثم قامت الرواية بانتزاع تاريخية الشيخ ظاهر ومنحتها وظيفة أخرى وقناعات أخرى، أي أن الرواية اقترحت شخصاً آخر غير الشخصية التاريخية، إذ قامت الرواية وألبست هذه الشخصية وظيفة ودوراً آخر يناسب زمن كتابة الرواية وليس زمن وقوع الحادثة التاريخية، هذا الادعاء يقوم على توظيف كثير من الأحداث والوقائع بما لا يتناسب وواقع الشخصية، ثم تقوم الرواية بعملية إسباغ الشرعية على مثل هذه الشخصية دون داع أيضاً، ذلك أن الشرعيات تتشابه وتتساوى ولا تتفاضل إطلاقاً، ولكن الرواية تقوم بعملية الشرعنة هذه دون تقديم أية دلائل، وتقوم الرواية أيضاً بعمليات إزاحة وحذف وإضافة وإضاءة وتعتيم مقصودة تماماً، بحيث تصاغ سيرة جديدة ومختلفة للشخصية الرئيسية، فمثلاً أن شخصاً في حجم الشيخ ظاهر وعند اكتشافه لخيانة إحدى زوجاته سيتصرف بشكل مختلف عن تصرف ‘نبيل بولوني’ مثلاً، وتقوم الرواية أيضاً بعملية تبسيط للأحداث وأسبابها، ناسياً أو بالأحرى متناسياً أنه يتحدث أو يروي عن حاكم يتربص به الأعداء، فما يجري حوله من أحداث وما يتصل به من أشخاص لا يتغيرون أو لا يغيرون من مواقفهم بسبب هدية أو جارية أو كره أو حسد، ولكن الرواية كانت تسلك الطريق السهل بحيث تبدو الأحداث وكأنها إرادات بشرية صغيرة دون ربطها بسياقها العام وديناميات ذلك. أخيراً، أقول إن الرواية وعلى الرغم من ملامستها لأعمق مستويات البشرية وجداناً، كخيانات الأزواج والأتباع والأبناء وموت المدن وانقلاب الأحوال، إلا أن الرواية ـ وربما عكست ما أرادت- لم تستطع أن تذيقنا ذلك الطعم الرائع الذي نستعيده عندما ننهي رواية مثل تلك. إبراهيم نصر الله كاتب كبير وهو أستاذ في صناعته، ولنا حق الاختلاف والجدل معه بمحبة واحترام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية