رواية «كبش فداء سقراطي» للمغربي هشام الحداد… براعة الاستهلال ودلالاته

مصطفى العطار
حجم الخط
0

يأتي العمل الروائي الأول للمغربي هشام الحداد، والمعنون بـ «كبش فداء سقراطي» كاشفاً عن أهمية البداية الروائية كمرجع تختزل فيه القيمة الصراعية التي تقدم للقارئ مهاد النص وتلمح إلى مدياته؛ ومن ثم تغدو وظيفتها توجيهية؛ لأنها تحيل إلى جوهر الفعل الحكائي، عبر ملفوظ سردي مكثف تنثال منه الثيمة الرئيسية للرواية (الصراع بين الخير والشر)، أو ثنائية الصراع بين الإنسان والإنسان للعثور على الإنسان الرابض فينا والهارب منا في الآن نفسه.

براعة الاستهلال

نعثر في الاستهلال على عنوان (فجوة) وهي فجوة مغلفة بمساحة بيضاء بلون الفراغ، تتصارع فيها أسئلة الوجود في الزمن الروحي الذي يختلف عن الزمن الفيزيائي. والفجوة، ههنا، حاضرة بثقلها الدلالي الإيجابي، وليس بمعنى القطيعة والشرخ والهد؛، الفجوة ارتقاء وارتفاع وسمو للروح في مدارج الآدمية. يقول السارد: «هنالك دائما فجوة في زمننا الروحي؛ أي فرصة الاستقلال عن الزمن والتراب للتحليق بالروح. قد تكون قبل الفجر حيث ينزل المقدس عن الزمن في علوه. وقد تكون في غيره من أزمنة الاختلاء بالاعتراف، تبدأ أحيانا بالشرود، لكنها تنتهي بتأمل يتجاوز الواقعي الذي استوعب كل تلك الأحداث التي نسجها الخيال ليفهم الحقيقة. هذه الفجوة ضرورية اليوم أكثر من أمس، وبدونها لن نستطيع إكمال الصورة التي تسمح لنا بالارتفاع قليلا كي نرى أين يتجه الإنسان. لن نتمكن من دونها من قراءة علاقته بالحيوان..وهل يكفي النطق ليحصل التمايز بينهما؟ هل انتصرت فلسفة الغابة، وانتهى التاريخ بهذه الشاكلة؟ أم أن هناك مخلصا يمكن أن يغير كل شيء؟».

الدلالة

بهذا الفهم المتعمق لمفهوم الفجوة، ينخلع الإنسان عن المادة ليصل إلى مستوى التجريد بما هو توق نحو الكمال عبر التخلص من مؤثرات العالم وشوائبه، وانفكاك عن الأغيار ليسبح في مطلق التفريد؛ ومن ثم فهو يستبطن الوجود بعيدا عن أحيازه الزمنية. إنها بمثابة الدرجة الصفر من التأمل والحدس؛ حين يكون القلب في جبلته الأولى التي لم يمسسها المدنس.
وإذا كان زمن الفجوة غير محصور، فإن المكان ينفلت أيضا من كل قيد يجعله رهين رقعة متحيزة؛ المكان يضيق بالبطل محبوب، يحكم وثاقه عليه، يخنقه ويحد من انطلاقه، وأينما ولى وجهه فثمة حدود وفواصل، ولا مخرج من سجن المكان الضيق إلا بالسعي نحو الانفلات من قيوده والرهان على المطلق. المكان المادي فضاء للصراع مع الأغيار، ومأساة وجودية. لكن مكان الفجوة في رواية كبش فداء سقراطي ليس مجرد سطح باطن يحتوي سطحا ظاهرا، بالمعنى الفلسفي. مكان الفجوة لا تماس فيه عند نقطة تقاطع، تنتفي فيه الجاذبية، ويسري فيه البطل حتى يصل إلى تخوم المطلق، ويبقى معلقا بين السماء والأرض، ولكنه قاب قوسين أو أدنى من المطلق. هذه البينية أو البرزخية هي محضنه الذي يستقبله للنظر إلى العالم المادي بما يمور فيه من صراع وتقاطب وتجاذب. هي رؤية فوقية ولكنها ليست متعالية؛ لأنها ما ارتفعت إلا لتعاود النزول بنفس جديد وبروح وثابة للبحث عن الإنسان في متاهات الذات التي أضحت بدون هوية.
هكذا نلحظ في خطاب الاستهلال تكاثفا في الفعل الحكائي انطلاقا من متوالية سردية تنضغط في ثناياها بؤرة التوتر في تماه مع منزع القارئ الذي يميل إلى تغليب منطق الصراع بين الشخصية التواقة إلى التخلص من أشراط الماضي الموجع، الذي ينوء بكلكله على البطل (محبوب) وإلزامات الواقع المجتمعي بوسومه وتنميطاته التي تزيد من تعميق الجرح النفسي. هي بداية درامية تتمايز عن البدايات التقليدية التي تحتفي، عادة، بسيميائية الفضاء وفرجوية عناصره، وتعمل على تصوير التفاصيل الدقيقة التي تشكل مجتمعة معمار المشهد البانورامي. إنها بداية منذورة للبحث عن الزمن الضائع الذي يعمل على توجيه مسار السرد والتحكم في تلابيبه؛ وذلك لالتماس إذعان المتلقي نحو أحداث النص التي تشي بالتوثب واللاستقرار في مرجل الرواية. هكذا ندرك أننا بصدد نص مثخن بالتقاطب والمفارقة بين الهوية التي تحدد ملمح الشخصيات، وبين القيم السائدة في مجتمع لا يزال مغلفا بتنميطات ثابتة.

الأثر

يبدو الكاتب واعيا تمام الوعي بالأثر السحري لجملة المهاد على القارئ؛ فيقول على لسان السارد في رواية كشف المحجوب لفريد الأنصاري رحمه الله: «واستجمعت كل قوتي، ثم جدفت بيدي..وانطلقت أسبح ضد التيار..شعرت بالماء يزداد دفئا وخفة..كانت أحواله تدخله شيئا فشيئا، فأيقنت أن تيارا جديدا قد خالطه، كانت الشمس قد تدلت عراجينها على المنابع الأولى، فبدت كأنما تشرق عينها في عين الماء..وأدركت سر التحول». البحث عن التحول هو بحث عن الخلاص، هو بمثابة نيرفانا بوذا؛ حيث حالة الانطفاء الكامل التي يغيب فيها الشعور بمؤثرات العالم الحسي، وهو المسعى الذي لا يتحقق إلا بالتأمل العميق، تصل معه النفس إلى السعادة المطلقة بعد الانفصال عن متناول الإدراك والانمحاء في اللامحدود. لهذا تكون الفجوة هي الحيز اللامادي الذي تحصل فيه حالة الانطفاء التي تسكن فيها النفس البشرية وتتخلص من عذاباتها وآلامها لترجع سيرتها الأولى وتولد من جديد على هيئة البراءة، تنتقل من حضيض العالم السفلي إلى يفاع العالم الذي يحصل فيه مفهوم الارتقاء، ويتحقق فيه الجواب عن السؤال البؤري: أين الإنسان فينا؟ جاء في الرواية: «يمتلئ محبوب بالثقة وينكشف الحجاب.. يتبدى له الابتلاء رسالة من السماء ويخطب على أركان ذاته: يحق لي كإنسان أن أشعر بالنرفانا التي كان يبحث عنها بوذا..لقد نال الجسد حظه من التعب والقهر بالسير والجوع» ص 235.

هكذا عمل المؤلف على تخير مهاده السردي تخيرا لغويا وفنيا ذكيا، رسم من خلاله تشكيلا كئيبا لصورة الإنسان التي عبثت بها يد الإنسان المتعطشة لقتل بذرة الحياة.

رمزية المرجعيات

واحتفاء برمزية البدايات؛ ينتقي الكاتب نصوصا مصاحبة أخرى تتخذ بعدا حجاجيا للإيقاع بالمتلقي في إسار النص وأسراره. يقول: «ليس المهم الحياة ذاتها، لكن المهم أن نعيش على حق». قيمة الحق هذه جزء من التصور الفلسفي لسقراط الذي يذهب في محاوراته الشهيرة إلى ضرورة التحلي بالحق والعدل وإعمال العقل والبصيرة والحكمة من أجل معرفة النفس البشرية والغوص في متاهاتها وتجاويفها. ولا يمكن أن نستحضر سقراط دون الإشارة إلى محاورته الشهيرة مع زعيم السوفسطائيين بروتاغوراس، المحاورة التي تشهد على فلسفتين مختلفتين؛ فلسفة تدين بالولاء للحق والعدل، وفلسفة تعترف بمنطق القوة. وفي ذلك نوع من الفصل بين آدمية الإنسان وحيوانيته، أو بين منطق العمران ومنطق الخسران. محاورات سقراط نجد صداها في محاورة الأستاذ لمحبوب حول مواضيع تتعلق بالقيم والمتاجرة بالدين ومسائل السياسة. بهذه الوحدات السردية المختزنة لدلالات رمزية عميقة والمتموضعة خارج أتون النص، يكون الكاتب قد عمل على تحبيك مروياته من الخارج، بعد أن أقنع القارئ بأنه على متن هذه الرواية ما يستحق القراءة.
هكذا عمل المؤلف على تخير مهاده السردي تخيرا لغويا وفنيا ذكيا، رسم من خلاله تشكيلا كئيبا لصورة الإنسان التي عبثت بها يد الإنسان المتعطشة لقتل بذرة الحياة. «وجدناه ملقى على الأرض تماما كما هي عادة التخلف في التسوية بين القمامة والإنسان كان خديجا عاريا تحوم حوله الكلاب، مبتسما ابتسامة شهيد.. رافعا شارة النصر..لم نكن نعرف أن خبر ميلاده المجهول سيوقظ كبش الفداء الذي يسكننا غارقا في سباته».

اللغة الروائية

ورغم تراكم الاستعارة في خطاب الاستهلال، فإن ذلك لا يعني التخندق في لغة استعراضية مغرقة في الشعرنة حد الثمالة، ولكنها لغة روائية ورؤيوية خالصة تبتعد عن النزعة الإخبارية، وتطفح بالرموز والقيم والرسائل التي أثبتت بالملموس المنزع التربوي لصاحبها، في محاولة للبحث عن المخلص أو كبش الفداء الذي يقدم نفسه قربانا لضواري الغابة ووحوشها الكاسرة، علها تسعف في الرجوع إلى الفطري فينا.

البداية والنهاية

هكذا كانت فجوة البداية بما هي نوع من الإقامة في تخوم الروح والانزياح عن حدود الجسد، لصناعة الإنسان وفك الارتهان بعالمه السفلي. ومن فجوة البداية تنثال فجوة النهاية/العودة إلى عالم الغاب ومحاولة إعادة توجيه أدوار الهيمنة لصالح الفطرة، ليدرك معها البطل محبوب رفقة صديقه المقرب حكيم أن القطبية ناموس الوجود الإنساني، لا يمكن نفيها، ولكن يمكن تعديل كفة الصراع لصالح الفطرة، حتى تؤنسن الغابة وتنفض عنها نزعتها الحيوانية.
هكذا يدرك السارد أن الكلاب الضالة التي تحلقت حول الجثيثة ما هي سوى أقنعة متلبسة بآدمي ما فتئ يتحين الفرصة لرشف دم العباد والبلاد، وهي الصورة التي تتكرر مرات عديدة بعد تعاقب اللاعبين بكل أصنافهم؛ الملط والسنط والملتحين والمنتوفين؛ وهي العبارة الواردة في التذييل. ولعل خطابي الاستهلال والتذييل كفيلان بالكشف عن طبيعة حركية السرد في متن الرواية.

٭ أكاديمي مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية