رشيد العنانيإذا ما زارني القراء الأعزاء في بيتي في إنكلترا فسوف يلاحظون على اليمين إذ يقتربون من الدرج الصاعد إلى باب البيت ثلاثة صناديق بلاستيكية كبيرة ذات غطاء ومتحركة على عجل، أحدها أسود، والثاني بني، أما الثالث فأخضر. ليست الصناديق من آيات الزينة، ولست من اختار أن تقف قرب مدخل بيتي، وإنما هي مفروضة عليّ وعلى كل سكان المدينة من قبل المجلس المحلي. أما وظيفتها فهي المساهمة في إنقاذ بيئة أرضنا وبالتالي الجنس البشري من ويلات التلوث الصناعي الذي أدى إلى تغير المناخ. وهذه المساهمة تحدث عن طريق فرز القمامة إلى ثلاث فئات يذهب كل منها إلى أحد الصناديق حسب الاختصاص. أما الصندوق الأسود فهو للقمامة التي لا يمكن تدويرها، فتذهب إلى مقالب القمامة في مواضعها النائية خارج المدن، وأما الأخضر فهو لما هو قابل لإعادة التدوير، وأما البني فهو للمخلفات العضوية الناتجة من الحدائق. وفوق هذا وذاك فالمخلفات الزجاجية نجمعها داخل البيت ثم نأخذها إلى ‘بنوك الزجاج’ وهو الاسم الاصطلاحي لمواضع جمع الزجاج لإعادة تدويره، فيُلقى بالزجاج حسب لونه في صناديق ضخمة معدة لذلك الغرض. وهكذا أجد نفسي كل صباح ومساء أنظر في فخر إلى صناديق القمامة الثلاثة القائمة كالحرس خارج بيتي، وأشعر أني مواطن صالح من مواطني كرتنا الأرضية يفعل شيئا، وإن كان بسيطا، من أجل الحفاظ على العالم.
قضية البيئة هذه التي قد تبدو لنا في البلاد العربية وسائر أنحاء العالم النامي نوعا من الترف هي من أخطر القضايا العصرية التي تشغل الساسة والعلماء في العالم الصناعي المتقدم، فلا يمكن لحزب في أوروبا مثلا أن يخوض معركة انتخابية بدون أن يكون على برنامجه سياسة بيئية واضحة لجذب الناخبين. بل إن هناك أحزابا للخُضْر (كما يُسمون) تضع المشاكل البيئية في صدر برنامجها الانتخابي، وبعضها يحقق نتائج باهرة في الفوز بالمقاعد البرلمانية، كما في ألمانيا مثلا. هكذا دخلت قضية البيئة وتغير المناخ وثقب الأوزون والتلوث والمحافظة على مصادر الطاقة والحد من الاستهلاك العشوائي للمنتجات الصناعية وإعادة تدوير ما يمكن تدويره اقتصاديا الخ دخل هذا كله في نسيج الحياة اليومية للناس ووعيهم القومي في العقود الأخيرة وعلى نحو متزايد باستمرار، في أبحاث العلماء، وأحاديث الساسة، وبرامج التلفزيون ومقالات الصحف وأخبارها والمناهج الدراسية للكبار والصغار إلى آخر القائمة.
ولما كانت الحياة اليومية للبشر هي في صلب اهتمامات الفن الروائي، كان لا بد أن يأتي اليوم الذي تُكتب فيه رواية يكون محورها قضية البيئة. وهو ما تصدى له الروائي البريطاني إيان ماكيوان Ian McEwan ، (المولود في 1948) في روايته الأخيرة، ‘الطاقة الشمسية’ SOLAR، الصادرة في 2010. يحتل ماكيوان مكانة مرموقة بين صفوة كتاب الرواية في بريطانيا اليوم، وتحظى كتبه بالشعبية بين القراء، واحترام الدارسين والنقاد معا، فهو يكتب الرواية الأدبية، وليس رواية تزجية الفراغ. فاز بالجوائز الرفيعة، وتحولت بعض كتبه إلى أعمال سينمائية ناجحة، كما دخلت إلى المناهج الأدبية في المدارس الثانوية والجامعات باعتبارها من عيون الفن الروائي الإنكليزي المعاصر. أذكر اهتمام الإعلام الثقافي الكبير بالرواية لدى صدورها كدأبه مع أي عمل جديد لماكيوان. وزاد من الاهتمام الإعلامي تلك المرة الموضوع غير المألوف للرواية، وهو التغير المناخي والسبيل إلى إنقاذ العالم من عواقبه. وقد أعرب ماكيوان في مقابلة أجرتها معه صحيفة ‘الغارديان’ عن دهشته ‘لندرة تناول الموضوع في الفن الروائي. لقد بدأ تأثير التغير المناخي يظهر في حياتنا بالفعل (…) سواء على المستوى الخاص أو على مستوى الجغرافيا السياسية… وفي اعتقادي أنه يمثل تحديا غير مسبوق للبشرية.’ وتمضي الصحيفة في استطلاعها فتسأل الروائي المعروف فيليب بولمان Pullman رأيه، فلا يتردد في الإقرار بأن ‘امتهان البيئة بكل صوره هو أخطر ما سيواجهنا في المائة عام القادمة، شئنا أم أبينا.’ إلا أنه يعترف بأن هذا لا يعني أنه يستطيع أن يكتب رواية عن التحوّل المناخي: ‘الصعوبة تكمن في أننا نكتب بخيالنا وليس بضمائرنا…’ هذه الصعوبة هي أمر لا ينكره ماكيوان نفسه الذي غامر بكتابة تلك الرواية، إذ يقول إن الأمر ينطوي على التوغل في ‘ الفيزياء، والإحصاءات، والمعلومات، والرسومات البيانية، وأن على الكاتب أن يضيف عنصر التشويق إلى هذا كله (…) فالروايات لا تنجح إن لجأ الكاتب إلى الإلحاح (الوعظي) على القارئ.’ (الغارديان 29 مايو 2010) وهو السبب الذي جعله حسب زعمه يعالج الموضوع في قالب فَكِه ساخر، تخفيفا على القارئ من جفاف الموضوع العلمي المتخصص للرواية. صبرت على الرواية من الغلاف إلى الغلاف، إلا أنها لم تُحسن جزائي على ما صبرت. وعلى شدة إعجابي بما قرأت من أعمال ماكيوان السابقة، إلا أن هذه الرواية خذلتني، وإن كنت لا أملك إلا الإعجاب بالجهد البحثي القائم وراءها، وما انطوى عليه من قراءات ورحلات واستشارات علمية حتى يتمكن الكاتب من خلق جو علمي مقنع، وإدارة الحوار بين علماء، وتصوير مؤتمرات علمية متخصصة، ولكي يستطيع أن يطرح الفكرة الرئيسية لإنقاذ الأرض وإيجاد مصادر متجددة للطاقة من الشمس عن طريق محاكاة النبات صناعيا في العملية الطبيعية التي يقوم بها منذ الأزل: التخليق أو التركيب الضوئي photosynthesis. هذه هي الفكرة العلمية الأساسية في الرواية. المسألة هي إقناع المؤسسات الصناعية الرأسمالية الكبرى بالاستثمار فيها، وهو ما لا سبيل إليه، كما تُبرز الرواية، إلا بمخاطبة روح الجشع لديهم. فالإنسانية، ممثلة فيهم، لا تحركها الأفكار النبيلة، وإنما الربح. إلا أن ماكيوان ينتهج سبيلا عجيبا من أجل غرض نبيل، فيفسد الأمر بين يديه أيّما فساد. فهو يختار أن يزيد وعي القارئ ومن وراءه الإنسانية بقضية بيئية شديدة الخطورة عن طريق سرد حكاية عالم فيزياء فاسد اسمه ‘مايكل بيرد’. هو عالم بريطاني كبير، حقق كشفا خطيرا في علم الفيزياء قرن اسمه باسم ‘إينشتاين’ لا أقلّ، ونال عليه جائزة ‘نوبل’ في الفيزياء. و ‘بيرد’ هذا كما يصوره ماكيوان عالم انقضت فترة صلاحيته، إلا أنه يعيش على أمجاده الماضية، ويتبوأ أرفع المناصب والرئاسات العلمية، بينما هو خاو من الأفكار، عاجز عن التجديد. بل إنه يترأس ‘المركز القومي للطاقة البديلة’ وهو في خبيئة نفسه لا يؤمن بالتغير المناخي ولا يكنّ سوى الاحتقار لشباب العلماء والباحثين المتحمسين لهذه القضية. وهو على هذا وذاك لا يتردد في السرقة العلمية فينْحَل أفكار مساعديه ناسبا إياها لنفسه. وهو أيضا فاشل في حياته الشخصية، منغمس في مغامرات جنسية لا حصر لها، ويفشل في خمس زيجات، ولا يضارع نهمه الجنسي إلا إفراطه في الطعام والشراب، إلى جانب انطوائه على الجبن، وعدم تورعه عن شهادة الزور أمام القضاء ليزج في السجن بمن يكره انتقاما منه. هو شخصية كريهة أنانية، والكاتب رغم أنه لا يخلو من عطف علي ضعفه البشري، لا يكفّ عن إضحاكنا منه، وكشف عوراته النفسية والجسدية أمامنا، وتنتهي الرواية به مفضوحا أمام العالم، مفلسا، مطاردا من الشرطة الدولية، هو العالم الجليل، قرين ‘إينشتاين’، الفائز بجائزة ‘نوبل’ في الفيزياء! ربما كان ماكيوان يريد أن يوعز بأن ‘بيرد’ بعبقريته من ناحية، وجشعه وفساده من ناحية أخرى يرمز إلى الإنسانية جمعاء التي تجمع بين العبقرية والطمع، فكأنها المُخلّص والعثرة في طريق الخلاص في آنٍ. ولكن التوفيق خان إيان ماكيوان هذه المرة. لا يستقيم كل هذا في الذهن، ولا تتشابك خيوط الرواية إلا افتعالا. ضاعت من الكاتب قضية التغير المناخي والحفاظ على البيئة، وسط رغبته في إضحاكنا على مفارقات النفس البشرية في شخص عالِمه الفيزيائي التعيس. أما والأمر كذلك، فليس ثمة ما يدهشني أن قائمة جائزة ‘البوكر’ البريطانية المطوّلة لسنة 2010 لم تشتمل على روايته ضمن الروايات الثلاث عشرة المرشحة، على الرغم من ذيوع صيته، وإنجازاته السابقة. ولعل تعثُّر هذه الرواية على براعة كاتبها المشهود لها هي خير دليل على صعوبة تطويع الفن الروائي لمعالجة قضية علمية صرف. ربما كان على التغير المناخي أن تتغلغل آثاره في حياتنا على نحو أشدّ حميميّة قبل أن تجدَّ رواية تستطيع أن تتعامل معها على نحو غير مفتعل. [email protected]