بعد «حكايات النورس المهاجر» 1968 و«الفهد» 1968 و«الزمن الموحش» 1973 و«الفيضان» 1975 و«التموُّجات» 1982 و«الوعول» 1982 و«وليمة لأعشاب البحر» 1984 و«مرايا النار» 1992 و«عشق الآلهة»، و«شموس الغجر» 1997 و«هجرة السنونو» 2008، وبعد انقطاع عن الكتابة مدة ليست بالقصيرة، يعود حيدر حيدر فيصدر رواية هي روايته الأولى بعد الانفجار الذي شهدته سوريا في مارس/آذار 2011.
الرواية التي تحمل عنوان (مفقود) من إصدار دار ورد في دمشق، ودار الفرات في بيروت 2016 .
يستهل الكاتب روايته هذه بقصيدة بعنوان «الغريب». وبكلمة قصيرة يشير فيها إلى دواعي انقطاعه وتوقفه عن الكتابة، ثم عودته إليها بعد ثماني سنوات أو أقل، ضاق فيها ذرعا بما يدور في الوطن العربي من أحداث، وما يتعرض له من انتهاكات، ومن مؤامرات تعود به إلى زمن ملوك الطوائف، وحرب البسوس، ومسؤولية هذا التقهقر في رأيه، تعود إلى الطائفيين في المقام الأول، وإلى المثقفين والمتدينين المذهبيين والديمقراطيين والتنويريين والقومجيين واليساريين، الذين شيدوا لنا في الخمسين عاما الماضية قصورا في الهواء، ملأوا جدرانها بالشعارات عن الحرية والعدالة الاجتماعية ومكافحة الإرهاب والفساد، وهي في الحقيقة قبض ريح.
يزعم المؤلف بعيد هذه الكلمات أن روايته هذه لا يَدَ له في نسج حوادثها، أو سرد وقائعها، وإنما هو راو من الدرجة الثانية، أما الراوي ذو الدرجة الأولى، فهو يحيى بركات، بطل هذه الحكاية التي وقعت مجرياتها ودارت في الرقة، بعيد سقوطها وتسليمها للدواعش مثلما يصرح في إحدى الصفحات. والواقع أن في الرواية حبكة متقنة، وبسيطة، يستطيع إدراكها القارئ العادي، الذي لا يمتلك معرفة بالرواية، ولا خبرة لديه بهذا الفن الأدبي. فالجندي يحيى بركات ينحدر من أسرة علوية من إحدى قرى الساحل، حين ينتهي من التدريب العسكري يتقرر وفقا للوائح التوزيع، أن يكون موقعه في الرقة. وهناك يتعرف على صديق يؤدي دورا بارزا في الحكاية. وهذا الصديق هو نبيل نصار. وفي الفترة الزمنية التي قضاها في الرقة تعرف على المدينة بما فيها من تفاصيل: شاطئ الفرات المعشب، الحدائق.. النوادي.. المكتبات.. المراكز الثقافية والمقاهي ودور السينما، وفي الأثناء تعرف على فتاة جامعية (سحر خليل) وهي من أسرة سنية بالطبع، وما هي إلا لقاءات معدودة حتى علقت الفتاة بصنارة الشاب، واتفقا على الخطوبة ثم الزواج.
بعد ذلك عرض يحيى على أمه الفكرة ثم على أبيه ليجدهما يرفضانها من الأساس «فإن لم تكن من ملَّتِنا فهي ليست منا» ولن نوافق على زواج كهذا. صعق يحيى لا لأن أباه وأمه وإخوته لا يتقبلان الزواج المختلط من مذهبين، فقد فوجئ بما هو أنكى وأمر، فوالد الفتاة وشقيقها خالد يرفضان هذا الزواج للسبب ذاته، مع أن خالدا شقيق سحر قريب من اليسار الشيوعي. وقد أضيف إلى ذلك سبب آخر، فابن عم سحر يتقدم لها خاطبا، وهو أولى من الغريب، على الرغم من أنها لا ترى فيه إلا طفيليا انتهازيا متسلقا لا تخفى علاقاته الوطيدة بالمسؤولين الأمنيين.
في الأثناء تندلع الثورة، ويمتد القتال من مكان لآخر، ومن مدينة لأخرى، إلى أنْ كان ما كان من تدفق الدواعش عبر الحدود العراقية، مسلحين بكل أنواع السلاح. ويشير الراوي في أحاديثه عن حرب البسوس وداحس والغبراء، وعن صفين ومعركة الجمل، لما تعرضت له فرقته من حصار وملاحقة ، ومن غدر في نهاية اليوم الخامس. إلى أن يقول «وأخيرا وجدت نفسي أنني الحي الوحيد في الحافلة، أعزل من السلاح إلا من مسدسي وجعبة فيها مخزن الذخيرة» وذلك أن مسؤولي «داعش» كانوا قد اتفقوا مع من بقي من الفرقة على السماح لهم بالمغادرة في حافلة، إلا أن الوقائع أظهرت أن الأمر لا يتعدى خدعة لجأ إليها داعشُ لتصفية المقاتلين التابعين للنظام».
وبعد أن تاه طويلا في أزقة المدينة وشوارعها الخالية إلا من أصوات الرصاص والقذائف، تذكر منزل صديقه نبيل نصار. وكان ما كان، أي زمن العزلة في حجرة من حجرات بيت من ثلاثة طوابق. حجرة معزولة في الطابق السفلي.. بنوافذ محتجبة، ومغلقة، بلا إضاءة، وبلا تلفزيون، إلا إذا كان الجهاز صامتا، وبلا زوار، وبلا هواتف. جو يستطيع فيه أن يتأكد من أنه جثة متعفِّنة وعليه أن يزيل ذلك العفن ولو بمياه باردة.
تعتمد رواية حيدر هذه على حكاية ذات حبكة بسيطة، تشغل عزلةُ يحيى موقع البؤرة في مروياته، وشهادته عن ما جرى في الرقة الموقع الثاني، وعلاقته بسحر الموقع الثالث.
في الأثناء شاع خبر مفاجئ عن مقتل أحد المطلوبين الخطرين اسمه يحيى بركات. سبق لداعش أن أعلنت عن جائزة كبرى لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض عليه أو قتله. استدعيَ نبيل نصار على عجل للتعرف على القتيل، بحكم صلاته السابقة بيحيى. وتظاهر نبيل بالتعرف على جثة يحيى. ودفنت على الطريقة الإسلامية. وهكذا أصبح يحيى عند الدواعش ميتا، وهو في عرف الحقيقة حي لا يرزق. ومع ذلك لا يستطيع أن يشعر بالأمان. فبين الحين والآخر تهاجم فرق الموت التابعة للإرهابيين البيوت للتفتيش والتحري. ومثل هذه الحملات تملأ قلب الجندي رعبا على رعب. وقد سمحت الفرص القليلة من شعوره بالأمان لذاكرته أن تستعيد بعض ما مضى. يتذكر سحر ولقاءاته بها وما دار بينهما من حوار، ومن أحاديث عن الحب، وما تبادلاه من مشاعر، ولمسات تضرم النار في القلوب. وهذه الذكريات، باستعادته لها، تضفي على حكاية الأسير بعض الحيوية والدفء، على الرغم من مرارة الشعور بالحصار، والانقباض النفسي الذي يتحول إلى كتلة صلبة تضغط على الصدر، مثل صخرة صماء كبيرة، أو جدار من الإسمنت المسلح.
حتى وهو في هذه المحنة لا يفتأ ينأى به الخيال، ويشتطُّ، فتتراءى له على شاشة الذاكرة مشاهدُ يلتقي فيها الأهل في فسحة من الزمن، يتناولون طعاما شهيا من لحم الطيور التي اصطادها هو وأخوه بلال. وتستعيدُ النفس المختنقة ذكريات أخرى. فالكاتب يولي هذا الجانب كبير اهتمامه، مشيرا للأخ الأصغر وهو يلوِّح برسالة بريدية، وصلت إليهم من الرقة تحمل أخبارا طيبة عن يحيى. يتذكر أيضا آخر سهرة في ليلة رأس السنة، قبل ثلاثة أشهر من اندلاع الانتفاضة في درعا. ففي تلك السهرة تساءل أحدهم إلى أين تسير البلاد… إلى أين؟ ولماذا تطارد الحكومة المثقفين.. لماذا.. لماذا.. فيرد آخر: ليعبِّدوا الطريق أمام الإسلاميين.
بهذه الإجابات، والتساؤلات، يومئ مؤلف «وليمة لأعشاب البحر» لسبب واضح قاد الناس للتظاهر، وفتح الطريق أمام الإسلاميين. يقول يحيى بركات في مونولوج داخلي: «تحت رعاية الأمن، والشبيحة، من حدود لبنان جنوبا إلى كسب شمالا، على طول الشريط الساحلي، تمتد دولة المجرمين والشبِّيحة، والقتلة الخارجين على أيِّ قانون، أو حساب، سوى قانون المسدس والرشاش». وتأكيدا لهذا يتذكر الراوي (يحيى) بعض ممارسات الشبيحة قبل الثورة. ومنها حكاية الشبيح الذي استولى على قطعة أرض من أحد الفلاحين بالقوَّة. فما كان من ابن هذا الفلاح إلا ان أحضر بندقية محشوة، ودرَّز بها الجنرال المزيف بالرصاص، قائلا « بالدم والرصاص نحافظ على ملكنا أيها الحشرة» . وبما أن يحيى بركات هو الناجي الوحيد من مقاتلي النظام في الرقة، فإن مروياته – ها هنا – يصح أن تسمى شهادة من قلب الحدث. فقد ذكَر أنَّ المسلحين الإرهابيين احتلوا بسرعة مراكز الشرطة، والبلدية، وقصر المحافظ، بعد تسليم المدينة ـ الرقة – إثر مقاومةٍ محدودة.
تعاود الراوي يحيى في هذه الأثناء كوابيس، يروي لنا فيها ما رآه قبل أنْ يرفع عنه نبيل نصار حظر استخدام الهاتف المحمول، وبذلك تمكن من أن يبعث لأهله في الساحل رسالة قصيرة. وجاءه الجواب فورا «فرحتنا بسلامتك تطال السماء. أمك وأختك زغردتا بين الدموع والفرح. ذلك أنهم كانوا قد ظنوه مفقودا وفي عداد القتلى. وهذه الرسالة أنقذته من الإحساس المزدوج الغامض؛ إحساس من يحيا وهو ميّت. أضيفت لهذه الرسالة رسالة أخرى من حبيبة القلب سحر خليل، فظن لأول وهلة أن طوق العزلة الذي يحيط به قد انكسر. وأنه أصبح حرا أو شبيها بالحر. ومع هذا الإحساس المفعم بالتفاؤل يحدث ما لمْ يُتَوقَّعْ، وهو رؤية الابنة الصغرى لنبيل نصار واسمها (مرام) لباب الغرفة مواربا، ومشاهدة يحيى، وهذا شيء يجعل الأسرة تحيا في رعب. فالطفلة قد تتحدث عن ذلك في المدرسة، وفورا قرر نبيل نصار ترحيل يحيى بركات إلى سَلَميَّة، متنكرا بثياب امرأة منقبة، وبعباءة سوداء. وبكنية مستعارة (أم محمد) وقد نجحت أم محمد في اجتياز خمسة حواجز، ولكن يحيى لم يكن سعيدا بهذا الرحيل عن الرقة، وهي التي تغلغلت في خلايا الروح حتى لكأنها صارت جزءا مني. يقول ذلك في مناجاة لنفسه. لذا تتراءى له الذكرياتُ كشريط سينمائي: الأمكنة والشوارع والحدائق والمقاهي والملاعب والمكتبات والحوارات الحارة.. مقرات الثقافة.. والمؤتمرات.. والمعارض الفنية.. ضفاف الفرات المعشبة. شجر الغَرَب والحويجات. والطيور المهاجرة. الحب الضائع.. وعزلتي.. والصدام بين اليأس والرجاء.. مرضي.. والإحساس بالموت».
ومثلما سبقتْ الإشارة، تعتمد رواية حيدر هذه على حكاية ذات حبكة بسيطة، تشغل عزلةُ يحيى موقع البؤرة في مروياته، وشهادته عن ما جرى في الرقة الموقع الثاني، وعلاقته بسحر الموقع الثالث. وقد انبثقت من هذه البُؤَر – إذا ساغ التعبير – لفكرة الأساسية، وهي أننا ما زلنا على الرغم من مرور قرون على خلافات يزيد والحسين، أو علي ومعاوية، نعاني من ظلالها الثقيلة التي تفرض على الناس، بمن فيهم المثقفون، الذين ما فتئوا يملأون الجدران بالشعارات وهم في حقيقتهم لا يختلفون عن ملوك الطوائف الذين أضاعوا بمهاتراتهم الأندلس. إنها رواية قصيرة محبوكة حبكا جيدا تتخللها كوابيسُ، وشطحاتٌ تنتقل بالقارئ من رتابة السرد التقليدي إلى رحابة السرد الغرائبي.
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن