تجربة القراءة تسلب أحيانا القارئ القدرة على استقصاء ما يقرأ، لأنّه يندمج في العمل الذي بين يديه وناظريه وقلبه، يستقيل العقل في هذه الحالة لأنّ الوضع الإنساني له قوانينه التي تحكم التعامل معه والاندراج في أحابيل حكيه، لا يستطيع القارئ أن يفرّق بين حدود ذاته وبدايات المعنى في ما يقرأ، فسطوة الإنساني في مثل هذه الكتابات تتشظى لتفجّر الحالة الأعمق للمعنى في الشراكة الإنسانية القائمة على المشترك في التـــاريخ والمصير واللغة والدين، والأكبر من ذلك المأساة، ذلك الوضع الإنساني الاستثنائي، الذي إذا قـــــرأناه لا نجــــد وسيلة تفصل بين تهجي المعنى واستيعابه، إدراكا بصـــريا دامعا، تلك هي صدارة القراءة في «ملكة الفوعة تلميذ بنّـــش» التي وسمها كاتبها شعبان عبّود بـ«رواية»، والتي يبدو من خلال مسارها السّردي أنها إفضاءات قريبة من «اليوميات».
مواجهة النسيان / ميلاد الوطن:
نسجت هذه «الرّواية» باعتبار إسنادها إلى كاتب عاش أحداثها، لونا من ألوان السّرد المثبِت لوجود يراد له أن يستمر، وتلك هي ميزة الكتابة حين نفقد كل عوامل المواجهة، ألم تثبت شهرزاد انتصارها وتكريس ذاكرتها والانتصار لبنات جنسها بالنص؟ الحكاية التي شكلت وعي «ألف ليلة وليلة» تغلّبت فيها على عنف شهريار، وكذلك تأتي محاولة شعبان عبّود لتنتصر على اللامعنى الذي حاصر ذاكرته، «لا طعم لشيء، لا طعم للعيد، لا طعم للفرح. في هذه البلاد الرّائعة، نحن غرباء، ذكريات طفولتنا ومقابر أهلنا ليست هنا»، هذا النفي يؤكد الرّغبة في تثبيت شيء ما، لذلك وردت الحكاية بضمير المتكلم، الذي تؤول إليه جميع الضمائر ولا تقول شيئا غيره، كما يؤكد ميشال بيتور، فتثبيت الذات هو استثمار ما تبقى من الوجود لمواجهة النّسيان، وفقدان الذاكرة والخوف من الضياع في الأطلال، وتحدّي ما خرّبته الحرب في سوريا، لهذا سوف يستدعي الكاتب يوميات الطفولة البعيدة المدمغة بالحب. منذ العنوان، يشير الكاتب إلى ذاتين متقابلتين موصوفتين بـ«الملكة»، وهي سلمى التي أحبّها «التلميذ» في الثانوية ولم يعبّر لها عن حبّه سوى بعد ثلاثين عاما، هذه العلاقة هي التي ستحرّك مسارات الحكي في النص.
تتأثّث الكتابة بجرح الغربة والخراب، تعتمر الذاكرة قبّعة المكان، فيتوزّع الرّاوي بين «فيرفاكس» في فرجينيا حيث يقطن حاليا، و«الفوعة» و«بنّش» القريتين المتجاورتين جغرافيا ووجدانيا والمختلفتين طائفيا
الشّخوص والأمكنة/ جرح الغربة والخراب:
تتأثّث الكتابة بجرح الغربة والخراب، تعتمر الذاكرة قبّعة المكان، فيتوزّع الرّاوي بين «فيرفاكس» في فرجينيا حيث يقطن حاليا، و«الفوعة» و«بنّش» القريتين المتجاورتين جغرافيا ووجدانيا والمختلفتين طائفيا لكنّهما عاشتا متساكنتين، لا يستطيع أن ينسى الوريد المكاني الأوّل «بنّش» حيث شهدت عيناه ضوء الحياة، و«الفوعة»، فضاء الحب حيث تعيش «سلمى»، وكلا المكانين يعتبران مجالا حيويا بالنّسبة لكليهما، لكن السّلط الغاشمة لا تستمر إلا في مناخ الفرقة، فأذكت جمهورية الأسد الدّموية نيران الشّحن الطائفي، بعد أن خرج الشعب ينادي فقط بالحرّية، الحرّية لا تخدم أنظمة الاستبداد، هؤلاء يحرمون الوطن من أبنائه، وفي محنة الغربة يتساءل الرّاوي: «هل يمكننني أن أعود إلى بنّش.. هل سيعود الموتى؟»، سؤال العودة بين الحياة والموت لا يعكس سوى ذلك التعب الذي يعانيه الإنسان، في سبيل أن يرسم هوية بين بداية ونهاية، هذه المسافة تضيع في عرف الأنظمة المستبدّة لأنّها لا تعترف بأي مسافة سوى تلك التي تكون فيها سلطة مطلقة، فتبيد الإنسان وتهدم المكان لكي تشيد مكانا لعرشها، وبالتالي يتأسّس سؤال العودة: «كنت أبحث عن صديقتي، عن حبّي القديم ذاك في زحمة القذائف»، لا حسبانه لحظيا، بل رمزيا يتكرّس في الزّمن ويعبّر عن رغبة أكيدة في التشبّث بالمكان والإنسان، رغم إنّ «الكثير قد حصل بين أهالي «بنّش» و«الفوعة»، «بنّش» التي تقف مع الثورة، و«الفوعة» التي تقف مع النظام»، فلم تفسد محاولات النّظام في الشّحن الطائفي كلية العلاقات بين القريتين، ولذلك استمرّ حب الكاتب لـ«سلمى».
التماس النصي وإنسانية الكتابة:
خلال القراءة، نقف على ألم حقيقي نستشفه في التماسات الدّقيقة لالتقاء الحروف حتى تشكل كلمة، لا تكشف في النّهاية سوى عن مأساة العربي الكادح فقط من أجل الحرّية، لقد اجترح بصعوبة عالم الملهاة السورية التي عبث فيها النظام الطائفي بالأمكنة، فأحالها ردما، وعبث بالإنسان، فدك فوقه طوب الحواري، وعبث بالمصير الحضاري القومي الذي تمثله سوريا بعمقها التاريخي. اللحظة الصّعبة التي تحدّى فيها الكاتب جرحه النرجسي، تلك التي استطاع أن يتجاوز فيها عسر تقبّل الواقع ببشاعته إلى محاولة ترميمه عن طريق التعامل القسري مع الأمر الواقع حيث يقول: «وكان علينا – نحن الصحافيين السوريين – أن نعلّم ونساعد زملاءنا العرب كيف يتهجون أسماء قرانا وبلداتنا ومدننا بحيادية تامّة حين تقصف، ويقتل فيها العشرات»، فإن تتحوّل الأمكنة إلى مجرّد تهجية، لا روح فيها، إذ كل ما هنالك أنّه على المواطن أن يرقب لسان المتعلم كي لا يخطئ في حركة حرف في إسم المدينة، أيّ خرق هذا لميثاق الإنسان مع أمكنته، مع وجدانه، حين يتحوّل المكان إلى مجرد اسم تتداوله الصّحف، وعلى صاحبه أن يقف فقط على حدّ التهجية الصّحيحة، فكل خطأ فيها هو سكين يخترق هشاشة الوجود في علاقاته الوجدانية مع الأشياء، ولهذا «الاستبداد أصل لكل فساد»، كما يقول الكواكبي، ومن ذلك فساد ذوق المستبد، في علاقاته بالجمال والوجدان، فتفسد أذواق الرعية، فهو لا يأبه لتاريخية الأشياء في علاقاتها بوجدان الناس، سلمى تصوّر بحرقة لحظة ترحيلهم من «الفوعة» إثر «اتفاق أوسع بين دول إقليمية ومنظّمات داخلية مسلّحة»، تقول: «نظرت إلى فناجين القهوة، كل شيء كانت له عندي قصّة وحكاية، كنت أقف وحيدة في البيت.. كنت أقف وأنظر وأبكي كالأطفال»، من أين للمستبد أن يأتي بهذا الإحساس الإنساني، المستبد كيان يجيد «إدارة التوحش» على مستوى ذاته الوحشية.
تعتبر هذه الكتابة الإفضائية من وجع يوميات أسيانة، الجسر الذي يعبر فوهة النار كي ينقذ زهرة للحب، لأنّ في عمق هذه اليوميات وما بين سطورها محاولة للقضاء على وحشية النظام، بإضاءة مناطق التواصل، إذ يعترف الكاتب بأنّه يحاول أن يجد «مسافة في المنتصف بين أهل «بنّش» و«الفوعة» بعيدا عن لغة الحرب واللغة الطائفية»، أحاول أن أبحث عن مساحة تتعلق بالإنسان الذي في داخل كل واحد منّا»، هذا البصيص من الأمل الذي تثيره الكتابة هو الذي سيفصل في عبثية المسعى الحاصل على الأرض، وفعلا لقد دفعني الكاتب كقارئ إلى التواطؤ معه في بنية المعنى الذي أراده، دفعني إلى دائرة الحب الذي نسجه في وعيه كي ينتج براءة النص الحاضر عن طريق هوامش إحالية إلى ذاته، فمثلا حينما ذكر تهجية «بنّش» «الباء ساكنة والنون مشدّدة مع الكسر والشين ساكنة»، حاولت، لكنّني تعبت حد الضحك في نطقها، فنصبت الباء وكسرت النون المشدّدة، وهذه المتابعة تمثل حالة من حالات الاندراج الوجداني في عالم الكاتب الماثل بين الفرح والحزن، ثم ذكره لصديقته سلمى وحبه لها، أحالني إلى زوجته التي يحبّها ويناديها «بلقيس».
الكتابة في زمن الحرب لا تخفّف من ثقل المأساة وحسب، إنّها المسلك الضروري لكي تُنبت الأحلام خيالها المفضي إلى الواقع، ولكي يستمر الحب كترياق لتسلط الأنظمة.
ليس هذا المستوى الوحيد الذي يورّط فيه الكاتب القارئ، بل هناك نوع من المقاربات التناصية التي تختزنها ذاكرة القارئ وتنبعث على وقع حدود سردية يستوعبها التلقي جماليا، فبعدما يذكر جلسته في الفيراندا بحيث يطلق العنان لعينيه تسرحان بعيدا في كروم الزيتون، يصبح هذا الطقس معتادا ومرغوبا: «كنت لا أفكر بشيء سوى ذلك، أقصد «جلسة الفيراندا»، هذه الجملة تحيل إلى «النزهة الجالسة» التي ذكرتها السوسيولوجية المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها السيري «طفولة في الحرم»، وعن طريقها كانت وهي طفلة تتخيّل ذاتها خارج أسوار «الحرم» النّسائي طائفة العالم وهي جالسة في حرمها الذي بنته الهيمنة الذكورية في مجتمع مدينة «فاس» المحافظ، ولكنّها عبر هذه النزهة استطاعت أن تحقق حلمها في أن تكسّر جدران العزلة، وتصبح عالمة اجتماع، كاتبة وتتكلم ثلاث لغات. أيضا تعترض تلقي هذه الجملة الباذخة، ليس لأنّها تعبيرية فقط، ولكن لكونها تنقال في زمن الحرب: «أتمدّد.. سنابل القمح عالية جدّا من حولي، السّماء صافية، وثمّ غيوم تعبر»، فأتذكر تشيخوف في مسرحية «النورس»، يقول البطل تريغورين: «أرى هذه السحابة التي تمرّ فوقنا، والتي تشبه البيانو، وأشم في الجو رائحة دوار الشمس». إنّ الخيال كفيل بأن يعيد الواقع إلى نصابه، لأنّ الرّوح الخالقة للأشياء تقوم بذلك من وحي إبداع اللاشيء، برلين التي هدمتها الحرب، لم يستعيدها سوى الخيال وروائح التراب العامر بالتاريخ، والكاتب ذكر أنّه كان يحمل فنجان القهوة إلى سرير زوجته لكي تستفيق عبر الرّائحة، وسلمى صديقته بكت وهم تحت الحصار يوم أن جلب زوجها وزنا من القهوة، اشتاقت رائحتها، ولما كانا في بيروت عبّت سلمى «البخار الصاعد من تلك الفناجين»، فالذاكرة لا تستفيق سوى على إثر صدمة الرّائحة، كما أخبر الكاتب في ما قرأه.
زمن الحرب زمن الحب:
الكتابة في زمن الحرب لا تخفّف من ثقل المأساة وحسب، إنّها المسلك الضروري لكي تُنبت الأحلام خيالها المفضي إلى الواقع، ولكي يستمر الحب كترياق لتسلط الأنظمة، فـ»سلمى» الوطن هي سوريا لأنّهما يشتركان في السّين المخفّفة، والعجيب أنّ حبيبة الشهيد نور الدين ابن سلمى أيضا اسمها «سلوى»، فهل تعتبر الحبيبة المعادل الوجداني للوطن؟ الشتاء في فيرفاكس «يشبه الموت»، «أين بلادنا تلك التي تعج بالشمس ورائحة الخبز وضجيج الشوارع وصخب الليل والشوارع؟ حتى الشتاء في سوريا يأتي دافئا ورحيما»، هو هذه المفارقات الواقعية التي تستدعي التاريخ من حيث كونه الماضي المكثّف بالوقائع الحيوية، التي يشعر الإنسان فاعلا في أحداثها، تلك الفعالية الماضية نظنها مرّت إلى سكون الذاكرة، هي كذلك، من حيث روائح الماضي لا تصلها، لكنّها تسترد فعاليتها كلما انبثق حراك الحنين إلى الذات في ربوعها الأصيلة: «تمنّيت أن أرجع طفلا عمره ستة أعوام فقط، يعيش في قرية صغيرة وبعيدة».
كان اللقاء في بيروت مفعّلا حقيقيا لهذه الكتابة الذاتية المصرّة على خوض حلم استعادة سوريا من بين ركام الهدم والاستبداد، ترى لو لم يلتقيا، الكاتب وسلمى، هل كان القدر يثمر هذه الحكاية الأليمة ولكن الحالمة أيضا؟
٭ كاتب جزائري