رواية «مملكة الجواري» لمحمد الغربي عمران: أصوات وأزمنة نسائية من عمق تاريخ اليمن

■ اجتهد الروائي، بشكل ملحوظ، على مستوى توظيف الأصوات والضمائر أثناء الحكي، حيث لازمت ظاهرة الالتفات عملية السرد، إذ نلفي، في الفصل الواحد، أحيانا، انتقالا مفاجئا من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب، أو الغائب أو الغائبة، بشكل يربك المتلقي، ويجعله يعيد التفكير في ما يقرأ، مرات، قبل أن يواصل مساره، وعلى الرغم من صعوبة هاته التقنية الروائية على مستوى البناء، والانتقال والتحول، وما يصاحبها من مراجعة زاوية النظر، وأبعاد التموقع من الحدث والشخصية والفضاء، والذات وإعادة ترتيب سياق حضور الأنا الفاعلة ضمن المحكي، فإن الغربي عمران، بفضل حنكته، استطاع النجاح في تمثل خصوصيات كل انتقال، وضبط إيقاع حضور المكونات والعناصر السردية، تبعا للدور المنوط بها، وتراتبية الأهداف والغايات الفكرية والجمالية المصممة مسبقا، فقد كان يستعمل الحكي بضمير المتكلم عندما يتعلق الأمر بسرد انفعالات الذات، وتوترها، وتفاعلها مع السياقات المتحولة، والبوح بما يخالج دواخلها؛ تزامنا مع حركية الوقائع، وتبدل الحالات النفسية: (يبهرني اكتمال القمر… يدعوني للحلم وسط سناه الذي أضفى عليّ شعورا بالأمان والسكينة… أتابع أطواره من خلف نافذتي… أفكر في طريقة لإيجاد موطئ لقدمي خارج تلك النافذة… أحلم بالتجوال ليلا، باحثا عن باب يمكنني من الدخول إلى قاعات القصر
ثم يستعمل ضمير الخطاب، حينما يكون السرد معنيا بتوجيه رسالة ما إلى شخص بعينيه، حضوريا أو افتراضيا، لأن الضمير «أنت»، استنادا إلى ما ذهب إليه ميشال بوتور، يتيح للروائي وصف الشخصية مثلما يتيح له رصد الكيفية التي تتخلق بها اللغة على هذا المستوى، يقول السارد معتمدا ضمير الخطاب: (وأخرجتِ لفافة كبيرة: هذه توراتك، بينما المرأة تهز رأسها مشجعة. استمررت مشغولة كجندي لا يخطئ، فأخرجت قطع أقمشة.. قطعة بعد أخرى..) ، أما استعمال ضمير الغيبة، ونمثل له بهذا المقطع من الرواية، (كان صوتها باردا وحزينا… وقد تحولت شقرة وجهها إلى صفرة باهتة.. أضحت عيناها تنظران خلف الأشياء) ، فقد كان يأتي ليعزز انتقال الراوي من داخل الدائرة إلى خارجها، ليرصد حركة العالم من موقع براني شبه محايد، وحينما يعجز عن أن يكون قريبا من الوقائع، مشاركا فيها، مندسا ضمن عوالمها، وهذا ينطبق كثيرا على شخصية جوذر الذي كان عاجزا عن معرفة خبايا ما يقع في القصر من أحداث، رغم تواجده فيه، حيث يظل ينتظر لفائف شوذب كي تطلع على ما جد في هذا العالم الغامض، الذي أنهكته سريته ودسائسه وأحابيله، التي يكاد لا يسلم منها أحد داخل هذا السجن الكبير، ما يشي بكون الروائي يعي وظيفة التلاعب بالضمائر، وخلق حركية على مستوى التنقل المرن بينها، إذ إنها، بوصفها تقنية فنية للسرد، لا تسمح بتمييز الشخصيات عن بعضها بعضا وحسب، ولكنها أيضا، «تعتبر السبيل الوحيد الذي بوساطته يمكن التفريق بين المستويات العديدة للوعي، أو للكمون الذي يشكل كل واحد منها، ويموضعها ضمن الآخر وضمننا».

استنادا إلى ما ذهب إليه ميشال بوتور، يتيح للروائي وصف الشخصية مثلما يتيح له رصد الكيفية التي تتخلق بها اللغة على هذا المستوى، يقول السارد معتمدا ضمير الخطاب: وأخرجتِ لفافة كبيرة: هذه توراتك، بينما المرأة تهز رأسها مشجعة.

أما في ما يتعلق بمستوى الأصوات، فعلى الرغم مما يحصل من تقابل بين الرواة، واستكمال بعضهم عمل بعض، بصيغة مختلفة، تبعا للمسافة التي يتخذونها من العوالم السردية وأحداثها، وتفاعلاتها، وانسجاما مع أدوارهم ووظائفهم، وإحداثيات حضورهم في خرائط التموقع التي هندسها الروائي، مع سبق الإصرار والترصد، بما يحفظ للعوالم تجانس منطقها الداخلي، ومستويات التوتر بين عواملها وعناصرها ومكوناتها المختلفة، حيث نجد صوت (جوذر) الذي غالبا ما يكون بضمير المتكلم، ثم صوت (شوذب) الذي يتخذ، هو الآخر، ضمير المتكلم، ثم صوت الراوي الرئيس الذي ينوع بين ضميريْ الغيبة والمخاطب، وهما ضميران يتيحان له النظر إلى العالم الروائي من فوق، والتحكم في تفاعلاته بلمحة بانورامية، فضلا عن ذلك، يمكن القول إن تعدد الضمائر والصيغ السردية، في الرواية، يأتي بالأساس، بوصفه خطة من الراوي لتنويع مواقع السرد، وخلق إيهام واقعي سحري لدى المتلقي. ونسجل كذلك، مسألة تعمد الروائي عدم تسمية بعض الشخصيات، وتركها منكرة، تتحرك بصفاتها الملازمة لها، مثلما فعل مع شخصية (ذي الساق)، وصاحب أوراق جوذر وشوذب، والأستاذة الحقوقية، وغيرها، وهي تقنية روائية تلمح إلى غموض العوالم، وتعضد قضية الأقنعة الإنسانية التي يسهل وضعها في سياقات متحولة حفاظا على المراكز، أو طمعا في التستر على الآخرين بأفعال قد تقود إلى الموت أو الهاوية، كما أنها توحي بكون هؤلاء يتحركون بدون هويات محددة داخل نسق واحد، وهم مهيؤون لتغيير ملامحهم، وتاريخهم، تبعا للمواقع التي يتخذونها، يقول الراوي على لسان الجارية شوذب مخاطبة عاشقها جوذر: (وأنت تعرف كيف أن كل جارية في حمى الملكة يغير اسمها.. وتدرس بما يجب عليها فعله حتى تنسلخ من أمسها.. وكل ما يتعلق بها مهما كان صغيرا.. لتنتمي كليا إلى حياة جديدة محورها الملكة… لقد كنت صادقا، وأنت تعدد تلك الأسماء.. فبعض الجواري ينسين أسماءهن لكثرة تغييرها… البعض تتجاوز أسماؤهن العشرين.. بل إن بعض الأسماء تتغير في ظرف أسبوع، تبعا للمهمة) ، ويضيف الراوي على لسان الجارية ذاتها: (فارعة كائن التقيتك فيها.. أما أنا فكنت فندة وشوشانا التي كان يقينك ينكرني.. فأنا كل الأسماء، وكذلك بيلسان وأروى وما لم تسمع به أيضا.. كان لي من الأسماء الكثير.. وأنت لم تكن تعرف أن اسم شوذب كان قد مات.. لم يعرفه أحد منذ دخلت القصر، والتحقت بالملكة أسماء في صنعاء.. لكنني لم أجد نفسي في كل تلك الأسماء حتى جاء من ينعتني بأروى، وهو ما كنته.. وهو آخر أسمائي، وأحبها إلى قلبي).
ولكي يترسخ الانطباع السابق، جماليا وفكريا، لجأ الروائي إلى تغيير ملامح شخصياته، انسجاما مع طبيعة العالم الذي يتفاعلون فيه، وهو القصر، حيث يضطرون لاستعمال أسماء مختلفة، وألقاب كثيرة بين مرحلة ومرحلة، حسب الحاجة، وطبقا للإملاءات والتعلميات التي تفد عليهم بدون أن يكون لهم حق في طلب التبرير أو التساؤل عن الأسباب المنطقية المؤدية لذلك، فهناك شخصيات حملتْ أكثر من اسم مثل: شوذب، وجوذر، غير أنه على الرغم من الغموض الذي يلف ملامح الشخوص وهيئاتها، فإنها تكاد تكون مرايا متقابلة لبعضها بعضا، إذ ترى مأساتها في وجوه بعضها، وتجسد كل منها مواقف بعضها، ومسوخها، وطموحاتها، وهمومها في مسارات بعضها، إلى درجة أنها تلتبس، في أحيان كثيرة، على بعضها بعضا، كما حدث لجوذر الذي ما عاد يعرف من هي شوذبه من العدد الكبير من الجواري اللائي يتقنعن وراءها، في فضاء مسكون بالقلق والخوف، والغموض، والسرية، والدسيسة، المكيدة، استتباعا لنظام صارم ودقيق لا يقبل الخطأ، وقد تتحول فيه هفوة بسيطة إلى جرم يقود صاحبه إلى حتفه، يقول الراوي على لسان الجارية شوذب: (بعد تغير ذي جبلة.. فكرت في وسيلة لألتقي بك.. لأخرجك من محبسك.. بعد سنوات من الكتابة إليك، ومن الاحتفاظ بكل ما كتبت.. أردت أن أسألك: هل وجدتني شوذبك التي تبحث عنها… أم شخصية خلقتها أوهامك؟ بعد أن أكشف لك عمن أكون، ثم أجالسك لأقرأ عليك ما كتبت.. وأسمع منك عن مشاعرك نحوي.. حينها سأبث لك لواعج قلبي، وأشكوك إلى نفسي.. لم أتركك للحيرة أو الوحدة.. بل لن أتركك حتى لـ»أنت» يأخذك مني)، ويضيف الراوي، واصفا المسخ الذي يلفي عليه نفسه: (وهكذا كنت ألعن نفسي بعدة أقنعة.. فأنا في خلوتي كائن عار من كل شيء.. وأمامهم كاهن مدع أتلبس حكمة لا أملكها.. لأعيش بعد كل لقاء، صراعا مع نفسي..).

خاض الروائي الغربي عمران في عالم الجواري الغامض الذي هيمن على القصور، تحديدا في غابر الأزمنة، حينما كانت للرق والنخاسين، أسواق معروفة، ونظم وقوانين ترتب العلاقات بين الأطراف في عملياتها، مثل أي تجارة أخرى.

زمن الجواري:
خاض الروائي الغربي عمران في عالم الجواري الغامض الذي هيمن على القصور، تحديدا في غابر الأزمنة، حينما كانت للرق والنخاسين، أسواق معروفة، ونظم وقوانين ترتب العلاقات بين الأطراف في عملياتها، مثل أي تجارة أخرى، مجسدا الدور القوي الذي كانت تلعبه الجواري في ترسيخ السلطة، وإدارة الأمور السرية في حياة البلاط، ورعاية الملوك والأمراء والأميرات، ومبرزا خصوصية ثقافة الحريم؛ التي لم تكن تقتصر على القيام بالخدمات البسيطة المتمثلة في الحرص على العناية بالسلطان وحاشيته، بل كانت تمتد إلى أكثر من ذلك، لتمس جوهر التحكم في السلطة، والمساهمة في بناء القرارات الكبرى، أو العمل على تحويرها، أو إلغائها، استنادا إلى موجهي الرغبة والغدر، ما يجعل الجواري، رغم كونهن الحلقة الأضعف في البلاطات- أو كما يُهيأ إلى البعض- مُساهمات في تأسيس التاريخ البشري، وإرساء الحلقات الأكبر ضمن مساره المتشعب.
لم تركز الرواية على الجانب الهش في حياة الجواري، ولم تتوقف كثيرا عند الجانب الأنثوي لهن، بل نفذت إلى الحلقة المعتمة في تاريخ مهامهن في القصور، المحاطة بالسرية والغموض، من خلال تأثيرهن في السلطة، والعمل على تحريك الأحداث والوقائع من خلف ظلمة السراديب التي يُحتجزن فيها قسرا أو طوعا، مساهمات في تمديد فترة سلطان ما، أو العمل على إقباره لفائدة سلطان آخر، حتى في الحالة التي لا يستفدن فيها شيئا، نزولا تحت طلب الأسياد، وإملاءاتهم التي لا تنتهي.
غير أن رواية «مملكة الجواري» عكست الصورة التي ترسمها أغلب الأعمال الروائية العربية التي تتناول الموضوع ذاته، بحيث لا تستشعر البعد التراجيدي في حياتهن البائسة التي تشيئهن، وتجعل منهن أدوات لتحقيق السلطة والرغبة، من وظائف جنسية، وتربية الأولاد، والخدمة المجانية للسيد، ومصادرة حقهن في البوح والتعبير والمبادرة، بل على العكس من ذلك، نصادف انقلابا على مستوى المفردات والمفاهيم، وهيمنة الجواري على السلطة، بشكل سري، وإدارتهن لدواليب الملك، على امتداد أكثر من خمسين سنة، بشكل ناجح، توسعت خلالها المملكة، وازداد نفوذها في الإمارات المجاورة، بدون اعتماد على القوة أو الجيش أو السلاح، مستندات في ذلك، إلى الخبرة والدهاء والذكاء والمكر، والتصفيات السرية التي تبقي مصالحهن في السيادة هي العليا، يقول الراوي على لسان إحدى الجواري: (بعد ذلك، جمعت جواريها في ليلة مقمرة.. صلتْ بهن طوال الليل.. حدثتهن بأن مملكة جزيرة اليمن لهن، وهن من يحكمنها، منذ تلك الليلة بدون شركاء أو أوصياء.. وأنها الملكة الحرة التي لا تعتمد على جيش يتبعها من الرجال.. وأن النساء الجواري شريكاتها.. وأنها لم ولن تسعى أبدا لامتلاك عسكر في عنابر قصرها).
تقدم الرواية محكيا نقيضا للأطروحة السائدة، فتسيد عالم الجواري، انتصارا لهذه الفئة المظلومة عبر التاريخ، فبدل أن يكن، في المحكي، مجرد مستقبلات للرغبات والنزوعات السلطوية، فقد مارسن بجرأة غير معهودة قواهن المختلفة، وقهرن غطرسة المجتمع الذكوري في بيئة قاسية، وأخذن المبادرة السياسية في التدبير والتسيير، وإدارة الحروب والصراعات لفائدتهن بشجاعة وحنكة، وبشكل سري، وانتصرن على العوائق الكثيرة التي كانت تعترض سبلهن في محيط سياسي هش ومتمزق، تطحنه الصراعات المذهبية والقبلية، وتهيمن فيه نظم ذكورية شرسة، أي إنهن جوارٍ مثقفات، بتعبير الباحثة وفاء الإدريسي.
تسعى الرواية إلى ترسيخ فكرة عميقة لدى قرائها؛ مفادها أن الإنسان مهما قلت حيلته، وكبلت قواه بعوامل الغطرسة، والإقصاء، والاستغلال، فإنه لن يعدم إيجاد طريقة للانتقام، وإعادة الاعتبار لذاته، وأحيانا بأسلوب مؤثر في تاريخ البشر كله، ومن ذلك، فئة الجواري اللائي لم يمنعهن القمع، والانتهاك، والتحقير، والإذلال من ممارسة مكرهن في تغيير التاريخ، وقلب حوادثه، بما أتيح لهن من قدرات، وطاقات، ودهاء، إلى درجة أنهن تحكمن في البلاطات، وقهرن الأمراء، وصرعن الفرسان الشجعان، وغلبن الجيوش المدججة بالسلاح، بأقل الخسائر الممكنة، وبدون سلاح أو إراقة قطرة دم، كل ذلك، اعتمادا على فن الإيقاع بالخصوم، وخداعهم، وزرع الفتن بين الخصوم، ودفعهم إلى قتال بعضهم بعضا، لإضعاف ريحهم، وصرف انتباههم عن مملكتهن «ذي جبلة»، معتمدات أيضا، على قوة الإغراء الجنسي، وأساليب الإطاحة بالذكور، والتفنن في غوايتهن، وهي أمور تمرسن عليها طويلا، وتعلمن فنونها في مدرسة خاصة تابعة للقصر.

٭ روائي وناقد من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية