رواية «ميكروفون كاتم صوت» … حكاية مدينة تصرخ في وجه الطغيان

القاهرة ـ «القدس العربي»: «مدينتي المُسيّجة بأسوار الزمن سجينة صرّافين وتجار خرافة وسماسرة للموت، مدينتي امرأة قيل لها كوني جميلة واصمتي. من ذا يقنعها أنّ أجمل ما في المرأة هو الصوت». (الرواية)
«اتفقت اللجنة أن رواية «ميكروفون كاتم صوت» تستحق جائزة نجيب محفوظ لعام 2024 لما تميزت به من عناصر استعارية ومجاز عميق وشخصيات قوية وأسلوب سردي سهل ممتنع. وإن كانت تتحدث عن لبنان اليوم، إلا أنها خرجت من محدودية المكان والزمان المفترض لتكشف واقعاً إنسانياً عاماً عن أزمة الإنسان المعاصر في مدن تدفن الروح وتقتل الحلم». كانت هذه هي حيثيات فوز رواية «ميكروفون كاتم صوت» للروائي اللبناني محمد طرزي، كما أعلنتها سارة عناني رئيس لجنة تحكيم هذا العام. وهي الجائزة التي تقدمها الجامعة الأمريكية في القاهرة كل عام في يوم ميلاد نجيب محفوظ (11 ديسمبر/كانون الأول 1911).
يذكر أن القائمة القصيرة ضمت 6 روايات.. «السماء تدخن السجائر» وجدي الأهدل، «السيدة الزجاجية» عمرو العادلي، «الوراق» هشام عيد، «اسمي زيزفون» سوزان جميل حسن، «بيت القاضي» محمود عادل طه، والرواية الفائزة، والصادرة في 2023 عن الدار العربية للعلوم ناشرون، والفائزة مؤخراً بجائزة كتارا للرواية العربية المنشورة.

فترة سوداء

لنتأمل بداية تواتر الأحداث في لبنان.. انتفض اللبنانيون واستحضروا روح الربيع العربي في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وكان المطلب الأساسي يتمثل في قيام دولة تخلو من الفكر الطائفي الذي تمثله الأحزاب السياسية اللبنانية. هذه الأحداث التي استمرت حتى 2021. وفي أقل من شهر، في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 انهارت العُملة اللبنانية، وتم غلق البنك المركزي وجميع البنوك في لبنان. وفي 4 أغسطس/آب 2020 جاءت كارثة انفجار مرفأ بيروت. بعدها انتشرت حالات الهجرة غير الشرعية، التي أصبحت ظاهرة طالت لبنان كله، ما تسبب في موت الكثير من اللبنانيين. هذه الأحداث الجسيمة تصبح هي الخلفية السياسية والاجتماعية، ولو في شكل مباشر، أو مُستلهَم في رواية محمد طرزي ـ مواليد بيروت 1983 ـ جاعلاً من الـ(ميكروفون) الصوت الأعلى صخباً، والقادر على ابتلاع جميع الأصوات الأخرى، حتى يصيب أصحابها بالصمم والبكم. فهذا الصوت (الوجود) الذي وجد طريقه في لحظات مختلَسة من الزمن بفضل الثوار وهتافاتهم ضد وباء الطائفية واللصوص، عاد سيرته إلى (زعيم) كل طائفة، ليتهم بدوره ويصم باقي الآذان ويكمم أفواه الجميع، ولا يجد سوى التهمة المعهودة.. التشكيك في وطنيتهم، وأن هذه الفعلة الشنعاء (الثورة) هي سبب كل المصائب.
من هنا نلاحظ أن الرواية وعالمها لا يقتصر على الحالة اللبنانية، وإن كان يستقي تفاصيلها، ولو في شكل يقترب كثيراً من حالة توثيق فترة سوداء في تاريخ لبنان، إلا أن هذه التفاصيل لا تنفي الحالة العامة التي تعانيها معظم البلاد العربية ـ خاصة بلاد الربيع العربي ـ وأنظمتها الحاكمة، التي لا ولن تسمح بسماع صوت إلا صوتها، والذي لن يغيب إلا بسقوط هذه الأنظمة نهائياً. وهذا هو الحلم الذي قد يتنافى مع واقعية الرواية التي لا تجد مفراً سوى العيش وسط المقابر، أو الموت في البحر، ولكن ثمّة أمل وسط هذه الأجواء القاتمة، ولو في شكل حالة فرار من مصيرها المحتوم.

زعيم الأموات

على مشارف مقبرة كبيرة في صور يعيش (سلطان) المنتمي بالطبع لأسرة فقيرة من سكان هذا العالم. وبعيداً عن المدينة السياحية وكروت البوستال التي تستعرض آثارها، تبدو المقبرة وأهلها. لكن الشاب يريد تجاوز هذا العالم، فيقوم باستكمال دراسته، ويتخصص في المحاسبة حتى لا يستكين لمهنة والده ناعي الأموات. كما تتجلى طموحاته في تأليف رواية. ولكن.. لا الدراسة سمحت له بوظيفة مناسبة، ولا الرواية أُلّفت، حتى حبيبته (وداد) المنتمية إلى أسرة من فئة تفوقه اجتماعياً، لم تستطع الصمود في هذه العلاقة، قبل أن تفارق الحياة، وتصبح ضحية من ضحايا انفجار مرفأ بيروت. فماذا يتبقى لبطل الرواية؟ وفي أي ملمح تتجلى هذه البطولة؟ خاصة أن (سلطان) بعد أن عرف حقائق ما يدور حوله، أو نتائج أحلامه بمعنى أدق، قرر الهجرة عبر البحر، بمعنى مفارقة أموات بلاده إلى الموت في البحر.
ولم يبق سوى (الزعيم) والزعيم هنا لقب يُطلق على رئيس كل طائفة من الطوائف، فهو الذي يحشد أتباعه ويجيّشهم ضد الطوائف الأخرى. هذا الزعيم بدوره لا يتورع عن أن يضع صورته الضخمة مُبتسماً على باب المقبرة. ولا تختلف المدينة عن المقبرة، فهي المقبرة الأكبر، حيث تنتصب مكروفونات الزعيم وأتباعه تبث الهراء والتخاريف في أدمغة وأرواح المخاليق، من خُطب حماسية وأناشيد وطنية، تخلط، بل توحد بين الوطن وخيال المآتة المُسمى بـ(الزعيم)، وكل ما عداه باطل، وخائن، ويجب الوقوف له بالمرصاد، دون أن يدرك أنه لم يكن سوى.. زعيم أموات.

اليساري التائه

يمثل (أبو عباس) حالة من حالات التحوّل التي يعيشها الكثيرون حفاظاً على مصالحهم، فهو اليساري القديم، الذي أطلق على ابنه اسم (لوركا) بعدما سمع باسم الشاعر المناضل ـ أي حاجة من حاجات النضال ـ وبعد تغيّر الأحوال، حوّل الرجل رحله، حتى الابن لوركا عازف الأكورديون، أصبح اسمه (ساجد) وأصبح منشداً دينياً، ثم قائد تنظيم ديني، ويموت قتيلاً في إحدى معاركه. أما أخته (غيداء) فقد ضربت على نفسها الحجاب، وصولاً إلى الأم التي كانت مواظبة على صالونات التجميل، وكأنها أكثر من صلاة، أصبحت تتمثل دور العابدات القانعات الزاهدات. أبو العباس هذا لا يجد سوى ثورة 17 أكتوبر وثوارها حتى يحمّلهم أسباب كل مصائب لبنان الاقتصادية والاجتماعية، واصفاً إياهم بالعملاء والخونة.
لم يكن هذا موقف أبو العباس وحده، فهو أحد الأبواق أو المكروفونات التابعة للنظام، وبفضل وضعه المالي، الذي يصبح ثورياً لحمايته ــ ثوار رأس المال ــ تأتي كارثة مرفأ بيروت، لتبدأ باقي المكروفونات في تحميل الثوار مسؤولية ما حدث!
فهل يتحدث محمد الطرزي على لبنان فقط؟ أم على كل البلاد التي تم التآمر على ثوراتها؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية