لا بد للمنهج المونتيني أن يطبق في الحالات المزرية التي تتكهن بأن العنصريةَ دربٌ أخاذ لتحقيق العدل، نابذةً القيم والاعتبارات الإنسانية من التفكير البشري، مقترحةً عالماً من العنف الذي يخدم أهداف التخريب العشوائي المأجور، الذي تقوم به جهاتٌ نافذة كي تضمن أن يعم الفساد الأرض. وإن نظرنا إلى العلاقة بين العقل والمادة، نرى أن العقل هو القوة المحركة لكل فعل وردة الفعل عليه، وكان الفيلسوف أناكسجوراس أول من ميز بين عنصري المادة والعقل، محدثاً انقلاباً هائلاً في الفلسفة التي كانت قائمة فقط على عنصر المادة، إذ أنه بعد تأمله لجماليات الكون وبهاء الطبيعة المحيطة به، والتي تحف أطراف موارده، وتمعنه في الحركة التي تدب في الأشياء من حوله، اعتمد على مبدأ العقل كمحرك لا غنى عنه في كل صغيرة وكبيرة يتجزأ عنها الوجود. ما جعل نجمه يلمع على الرغم من سطحية أفكاره الأخرى، التي لم تجذب للفلسفة تطوراً أو تحسناً مجدياً.
في رواية الكاتبة الهندية سميرة أحمد «نيران جوفاء» يغيب العقل ويصطلي أبطال القصة بنيران التعصب الدراماتيكي الذي يتوجه بألسنته الفتاكة ليسفك الدماء ويتلاعب بالأحاسيس، ويضلل النفوس، ويقنع الوجوه بالطيبة والمآرب الخيرة. وهي تتناول الجوانب العنصرية التي تستهدف المسلمين، الذين يصفهم معظم الأمريكيين حسب سردها بالإرهابيين وأصحاب البشرة السمراء الذين يصنفونهم كمصدر للجريمة النكراء في أمريكا ومن ينتمون لبلاد المكسيك، حيث ينعتونهم بالمهاجرين غير الشرعيين، بالاضافة إلى معاداتهم للسامية، فيبزغ نجم الشر ليطغى على عنصر التفكير ويبدد المنطق الموازي له. هي قصة تتكرر في العالم بأجمعه، حيث تتلاعب نيران الكره المبرم بسبب الأعمال التخريبية التي يقوم بها البعض فتُظلم ديانةٌ بأكملها، مع أن دعاة الحرية هم من ينادون بعدم التطرف وبأن «لا تزر وازرة وزر أخرى». وفي الرواية أقوالٌ منسوبة لنيتشه تدلل على فرط تعصبه العرقي، دون أن تمخر عباب الفلسفة العميقة الحية التي سعى إليها وكللها بكتابه «هكذا تكلم زرادشت» لكنها تستوعب من القشور ما لا تنطق به البواطن، ولهذا تظل قيد الرأي الشخصي لا أكثر.
الرواية تبدأ باكتشاف صفية جثة الطفل العراقي جواد في أمريكا، لكن الفصول التالية هي ما قبل موته، حيث كان طفلاً مرحاً سعيداً بصنعه طائرة نفاثة يرتديها في عيد الهالويين بتشجيع من معلمته أليس، لكن معلمة اللغة الإنكليزية تلمحه من بعيد فتجفل وتهرع صوب الهاتف متصلة بالشرطة ومدعيةً بأنه طفل عربي يحمل قنبلة جاهزة للتفجير. تحضر الجهات المختصة بأكملها لتقبض على طفل في الرابعة عشرة من عمره، ذنبه أنه صنع لعبةً ليظهر ذكاءه ومهارته الفنية، ويتم حجزه والتحقيق معه، وبعد إثبات براءته لا تصدر الشرطة بياناً قطعياً نافياً لاقترافه الجرم، لكنها بدلاً من ذلك تؤكد خضوعه للمراقبة وتخوفهم الدفين من كونه مشروعا إرهابيا ورسالة تهديد إلى المدرسة بعثت إليهم. تصبح حياة جواد أشبه بالجحيم المتوقد الذي يضطرم بنيران العذاب، فيواجه التعليقات الساخرة من أصدقائه ويتلقى رسائل الكراهية والتهديد منهم، ومن مصادر لا يعرفها، وتطرده المدرسة لمدة ثلاثة أيام بعد خروجه من السجن، وكأنها تعاقبه وتثبت جرمه الوهمي. يعاني والداه بصمت، ويكتم جواد جراحه حتى لا يورط عائلته في مأزق جديد.. لكنه اليوم يتكلم بلغة الميت، فقد تمت تصفيته بعد أن استقل سيارة فخمة كانت تنتظر خروجه من المدرسة ويبدو أنه كان يعرف سائقها، ويتفاجأ بعد أن يصعد إليها بضربة قوية على رأسه تفقده صوابه ثم يغيب عن الوعي ليستيقظ في غياهب العدم ومستنقعات الألم التي تغرقه في عذاباتها. يحاول جواد التواصل بلغة سرية مع صفية وهي فتاة هندية تدرس بمنحة دراسية في كليتها وتعشق العمل الصحافي وتعمل محررة في صحيفة المدرسة التي يرأسها مستر هافارد مع ثلة من أصدقائها، وهي مرصد إعجاب لزميلها ريتشارد الذي يحبها ولم يصارحها بعد، وتشعر بالتفاتاته ولمساته وهمساته لها وتبادله الحب بصمت.
تنال التهديدات العنصرية من صفية التي ترفض العنصرية، وتدعو لتطهير أعناق البشرية من سلاسلها الدامية، وتبلغ متجر والديها إذ يكتب أحدهم على جدرانه كلماتٍ متطرفة تقول:»عودوا إلى دياركم فقد مات الإله». هذه العبارات تعزوها الكاتبة إلى نيتشه والأيديولوجيا النازية، وتحمله وزر العنصرية برمتها وتنعته بالداعي الأول لمبادئ اليمنيين أصحاب البشرة البيضاء، الذين ينادون بإجلاء جميع المهاجرين وأصحاب البشرة السمراء عن أمريكا، على الرغم من أن فلسفة نيتشه، الذي حول ميتافيزيقيا العقل، التي دعا إليها هيغل إلى تيارات روحية من الإرادة والعزيمة، والدوافع السعي الفردي لا تبرر العنف البشري، واتهامه بالتطرف مأساة مكللة بانعدام التبحر في عالمه الفريد، الذي مهد لفلسفة خطيرة ما زالت طلاسمها لم تكشف جميعها بعد.
يتخاطب جواد بلغة الهمس مع صفية رغم موته، إذ يصبح شبحاً يلازمها في أحلامها ويسيّر خطواتها الثابتة نحو طريق العدالة، رغم عدم تعاون الشرطة وتخاذلها وتسترها على الحقيقة، حسب قولها، إذ أنها بعد اكتشافها لجثته تعثر على قاتليه، وهما صديقاها الثريان في المدرسة نيبيت وريتشارد، الذي كان يظهر لها ولعه المفرط حتى يتسلل إلى داخل أفكارها ويبعد عنه شبهات الجريمة، وتوحي القصة بأن انحسار العقل عن أفعال هذين الصبيين، جعل غريزة التوحش تنبثق بلا حدود في أعمالهما.
الرواية خيالية نوعاً ما، إذ أنها تحيل طالبة في المرحلة الثانوية إلى محقق خطير يكتشف أبشع الجرائم ويقود الشرطة الأمريكية التي عجزت عن تبيان الصواب إلى الحقيقة، وفيها الكثير من توارد التفاصيل الرتيبة، لكن الكاتبة سميرة أحمد، التي بلا شك تتمتع بأدوات السرد، لم تحسن استخدامها، بل أرادت أن تظهر فكرتها ضمن رواية طويلة، وتغص بالمحطات المطولة، فهي تطرح المنغصات الاجتماعية الكريهة من تعصب وتطرفٍ وكراهية، دون أن تقدم الحلول، أملا منها ربما بأن تتحول إلى فيلم سينمائي في المستقبل، واللافت في الرواية أن الترجمة إلى العربية تمت بحرفية واتقان، وتضمنت تعابيرَ مجازيةً خلاقةً ومتموجةً بين الواقع والخيال.
كاتبة لبنانية