رواية «هوارية» تفجر جدلا في الجزائر حول سلطة المجتمع في تقييد حرية الإبداع

محمد سيدمو
حجم الخط
3

الجزائر ـ «القدس العربي»: في العادة، تُطرح إشكالية الحريات في الجزائر، علاقةً بالسلطة ومواقفها وسياساتها التي يراها البعض «قمعية» في تعاملها مع أصحاب الرأي الناقد أو المعارض، لكن رواية «هوارية» لصاحبتها إنعام بيوض، وما خلفته من جدل صاخب، فتحت الأعين على جوانب أخرى، تتعلق بتأثير سلطة المجتمع الرمزية على حرية الإبداع وطرحت معها أسئلة حرجة، حتى بين الكتّاب أنفسهم، حول ما إذا كانت الحرية مطلقة في استباحة الذوق العام بمبرر «الواقعية» في الأدب.

لم تعرف الجزائر منذ زمن طويل، نقاشا كالذي أعقب الإعلان عن الرواية الفائزة بجائزة آسيا جبار بداية تموز/يوليو؛ فهذا الجدل المستمر والمفتوح على الجمهور في مواقع التواصل، بين كتاب نفضوا الغبار عن أقلامهم بعد أن حركت فيهم هذه الرواية، مسؤولية مجتمعية، بدا من الأهمية بمكان، كونه كان في معظم جوانبه رغم حدّيته وصداميته، مجليا للكثير من المفاهيم، والأهم من ذلك أنه كان يدور حول رواية أي على كتاب، وليس على التفاهات المعتادة في المواقع، وهو ما يحتاجه، بدون شك، وفق العديد من الآراء مجتمع تظل فيه نسب المقروئية متدنية، للاستيقاظ من هذا السبات المعرفي. ورواية هوارية (اسم يطلق بكثرة على الفتيات في وهران) تدور وقائعها حول قصة مراهقة من حي شعبي في وهران خلال فترة العشرية السوداء (سنوات الإرهاب) تعيش مع والدتها، وشقيقها الهواري المجرم وزوجته هدية سيئة السمعة في حوش يزدحم بعائلات تروي حكاياتها على وقع مدمني الخمر، الخيانات، العنف الأسري واختلاط الأنساب، وفق ما تلخص الكاتبة وفاء خالد شخصيات الرواية.
هذا الحوش يضم هشام ذو 18 عاما الذي سيقع في غرام هوارية التي لا يرى فيها المحيطون بها سوى فتاة طويلة بلهاء كثيرة الصمت وتخشى النظر في المرآة حتى لا تتراءى لها الأشباح. وفي رحلة إلى عيون الترك (مدينة ساحلية في وهران) تنتهي في ملهى ليلي يفقد هشام حياته ذبحا ويفصل رأسه عن جسده على أيدي جماعة إرهابية مسلحة كانت تقصد اغتيال الهاشمي الطبيب عشيق هدية. تدخل هوارية مستشفى الأمراض النفسية والعصبية على إثر فجيعة ذبح هشام أمام ناظريها وتعاني من آثار بعد الصدمة. ثم تخرج من المستشفى وقد انكشف عنها حجاب الغيبيات وأضحت تستقرئ النجوم لتتحول إلى عرافة تقرأ الكف وتكشف الغيب، تضيف وفاء خالد.
تكمل «هوارية الروحانية» حياتها في إحدى الزوايا تقرأ الطالع لزوار الضريح، وتدور معها أحداث الرواية التي لم تتردد كاتبتها في تضمين حوارات شخوصها كلاما بذيئا وخادشا للحياء، ورد في عدد قليل من المواضع، لكنه كان كافيا لتفجير جدل كبير، وصل بالبعض لوصف الرواية بالإباحية.

نقاش صاخب

وبقدر ما استغرق النقاش بين الكتاب والمختصين، في الجوانب الفنية والفلسفية للأدب وزوايا تناوله للمجتمع بوجهات نظر مختلفة، على خلفية التابوهات التي كسرتها «هوارية» بقدر ما أخذ النقاش طابعا آخر لدى جموع المتلقين الذين توقفوا فقط عند بعض الكلمات النابية الواردة في الرواية على لسان شخوصها، مطلقين أحكاما حادة في رفض العمل بمطلقه، وهو ما ولد لدى الطرف الآخر نفس الحماس في الدفاع عن العمل، ما خلق جوا من التجييش والاستقطاب، لم يخل من تداعيات سلبية.
من ذلك، أن الدار الناشرة لرواية «هوارية» أعلنت عن غلق أبوابها، بشكل دراماتيكي عبر بيان جاء فيه: «نعلن عن انسحابنا من النشر، تاركين الجمل بما حمل كما فعلنا دوما. نعلن أن «ميم» أغلقت أبوابها منذ اللحظة في وجه الريح، وفي وجه النار.. لم نكن إلا دعاة سلم ومحبة ولم نسع لغير نشر ذلك».
هذا الوضع، أثار في الواقع مخاوف من أن تؤدي الجرعات الزائدة في هذه الرواية، إلى نصب محاكم أخلاقية، تشحن فيها العواطف مستقبلا ضد أي عمل أدبي يتناول واقع المجتمع ومناطقه المظلمة، بما يؤدي إلى رقابة ذاتية لدى الكتاب، تتعامل مع الأصوات المرتفعة على أنها سلطة قمعية تحد من حرية الإبداع المكفولة دستوريا. واللافت أن السلطات، ممثلة في وزارة الثقافة ووزارة الاتصال، بقيت موقف المتفرج من هذا الجدل، وهو سلوك يمكن تفسيره بشكل متناقض، إما تأكيدا على الثقة في قرار لجنة التحكيم التي تضم أسماء مرموقة في النقد الأدبي، وإما حرجا من الرأي العام بعد تداول المقاطع الإشكالية الواردة في الرواية، والتي لا تستطيع معها العودة للوراء.
بيد أن هناك من يدفع لأجل استيضاح الموقف الرسمي، خاصة من السياسيين الذين تبنوا رأيا معارضا للرواية واعتبروها معادية للأخلاق وقيم المجتمع. وقال أحمد صادوق رئيس المجموعة البرلمانية لحركة مجتمع السلم (تيار إسلامي) الذي كان من أوائل من ساءلوا وزيري الثقافة والاتصال، في حديثه مع «القدس العربي» إن «الأمر لا يتعلق بحرية الفن والإبداع، فهذا أمر مكفول دستوريا ومتوافق عليه جزائريا ومتقبل مجتمعيا» بل يتعلق حسبه «باستغلال جوائز تدفع من خزينة الدولة لتكريس قيم تتنافى مع قيم وثوابت المجتمع الجزائري الأصيلة».
وأوضح صادوق أنه طالب في مساءلته بحجب وإلغاء الجائزة وفتح تحقيق معمق ودقيق حول من تسبب في منحها، إذ هو يشكك في كون «الأمر خاضعا للشروط الأدبية أو الثقافية، وقد يكون مجرد قرار إداري ناتج عن المحاباة». واعتبر المتحدث أن مبعث الاستنكار، هو في منح جائزة وطنية لهذه الرواية، بمعنى جعلها نموذجا للأدب في وقت هي «مشبعة بألفاظ بذيئة وإيحاءات جنسية صريحة في تنافٍ واضح مع أخلاق الجزائريين» كما أنها تصور مدينة وهران بعيدا عن واقعها كمدينة محافظة. وذكر أن هذه الأمور التي احتوتها الرواية حتى وإن كانت موجودة، فهي ليست قضية نقاش مجتمعي تحظى بالترويج، محيلا إلى ما كان الرئيس عبد المجيد تبون قد تحدث عنه من أخلقة الحياة السياسية والاجتماعية، وهو ما يجعل المساءلة السياسية حسبه واجبة.
وذهب البعض في خصومتهم مع «هوارية» إلى حد المطالبة بتحريك الدعوى العمومية ضد الكاتبة ولجنة التحكيم، باعتبار ما ورد فيها يقع تحت طائل القانون. وهنا، يقول المحامي والحقوقي عبد الغني بادي، إنه «كثيرا ما ارتبطت الحريات والحقوق في الدستور الجزائري بضوابط معينة كالنظام العام والأمن العمومي والمصلحة الوطنية وخصوصية المجتمع، فمن غير المنطقي أن تبقى حرية الإبداع دون ضوابط تتوافق والمعنى الحقيقي للإبداع، فالإبداع بطبعه يلقى القبول العام ومتى كان عكس ذلك فأكيد أن هناك خللا ما حول شكل هذا الإبداع أو مضمونه».
ويرى بادي مع ذلك، أن «القانون الجزائري لا ينص صراحة على معاقبة مثل هذا العمل الذي قد يحمل بعض الكلمات النابية، حتى أن التعديل الأخير لقانون العقوبات الذي تطرق للكلام الفاحش ربطه بالمكان العمومي، ولا يمكن اعتبار رواية مكانا عموميا، لذلك فنحن مقيدون بحرفية النص ولا يجوز لنا القياس أو التوسع في التفسير، فلا أعتقد أن بامكان أي جهة متابعة صاحبة الرواية بنص المادة 333 مكرر 8 من قانون العقوبات».
بالمقابل، لم يوجد من السياسيين من دافع عن الرواية، ربما تكاسلا أو غفلة فقط، كون الجزائر تعج بتيارات سياسية تدافع عن علمنة المجتمع وحرية الإبداع، مثل حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية والعمال وأحزاب اليسار عموما. وانبرى نشطاء يمثلون هذا التيار للدفاع عما يعتبرونه حرية الإبداع المهددة، حسبهم، من قبل الإسلاميين.
وكتب سمير لرابي تدوينة له في هذا المنحى تقول إن «قضية إنعام بيوض وقضايا أخرى مماثلة تذكرني، بالتحالفات بين بيروقراطية النظام والإسلاميين ضد مسرحية كاتب ياسين (محمد خذ حقيبتك) والتي منعت بالقوة لدواع دينية، رغم أن المسرحية تتطرق إلى قضية الهجرة العمالية».
وأبرز الكاتب «هذه الهجمة الشرسة تعبر في الحقيقة عن حملة شيطانية ضد استقلالية الفكر والإبداع الثقافي، وحتى ضد العمل الثقافي بحد ذاته. ففي كل مرة يتهجمون ضد المهرجانات والدراما والمسلسلات والأفلام والأغاني، باسم الدين وما يسمونه أخلاقا لأن الأخلاق الحقيقة لا تبنى على التدليس والكذب والنفاق».
وأردف: «النفاق وصل إلى حد اللعب على وتر شرف المرأة الوهرانية، ولكن ولا كلمة على المعاناة اليومية لـ(الهواريات) الفقيرات اللواتي بدون مسكن ولا رغيف خبز. ولا كلمة على الهواريات اللواتي عنفن أثناء مسيرات الحراك الشعبي الوهراني، كما وثق في الفيديوهات. فأين شهامتكم يا حراس الأخلاق؟ أنهم جبناء يخافون الحديث حول هذه المسائل الجوهرية خوفاً من أسيادهم وفقدان الريع الذي يقتاتون منه!».
وتابع مهاجما: «هذه الهوشة المصطنعة من طرف من حوّل نفسه إلى شرطة أخلاق وخلفاء الله في الأرض ومرتزقة الفضاء الأزرق، وكل الحملات المسعورة حول كل عمل فني واستقلالية الفكر، إنما ترمي إلى تدعيم الفكر الاستبدادي في مجتمعاتنا المقهورة أصلا. إنها تعطينا فكرة عن نوع التحالفات الاجتماعية والسياسوية التي تدعم صفوف الاستبداد المتمركزة في أجهزة الدولة والمؤسسة الدينية وحتى في العائلة كمؤسسة اجتماعية».

سجال بين الكتاب

وفي سياق هذا التجاذب السياسي غير المتكافئ، قاد كتاب وناشرون حملة مضادة تدافع عن حقهم في الكتابة والنشر دون قيود بعيدا عن «الديكتاتورية الأخلاقية» التي يريد حسبهم تيارات فرضها عليهم بمبررات تجاوزها الزمن ولا تنسجم مع طبيعة الأدب الذي من حقه أن يغوص في كل القضايا ويكسر التابوهات في عالمه المتخيل بعيدا عن الرقابة. لكن هذه الحملة لم تخل من تفجير خلافات بين الكتاب أنفسهم، إذ وجد رافضو «هوارية» من أسماء معروفة من يدافع عن خيارهم.
وهكذا، ظهرت عريضة مساندة للكاتبة إنعام بيوض ومديرة منشورات ميم آسيا علي موسى وأعضاء لجنة تحكيم جائزة آسيا جبار. وندد الكتاب الموقعون، بشدّة وحزم بما قالوا إنه «الهجوم الوضيع والتهديدات المواربة والصريحة ضدّ هؤلاء، مع إدانة المساس بحرية الإبداع والنشر والترويج للأعمال الإبداعية أيا كان مصدرها، وإعلان الدعم الكامل للكاتبة وناشرتها وأعضاء لجنة التحكيم، والتأكيد على التضامن معهم، ومطالبة مديرة منشورات ميم، بالتراجع عن قرارها بغلق الدار، إثر الضغوطات التي مورسَت ضدّها». وفي قائمة الموقعين، نقرأ أسماء شهيرة في عالم الأدب، مثل واسيني الأعرج وأمين زاوي ولزهاري لبتر واحميدة العياشي والمختص في علم الاجتماع ناصر جابي وغيرهم.
ومن الواضح أن بعض التعابير التي استعملها بعض هؤلاء الكتاب في دفاعهم عن الرواية لم ترُق لفصيل آخر من الكتاب، رأوا في محاولتهم قمعا لأي رأي معارض يخرج عن أيديولوجيتهم وصورتهم النمطية للأدب. وأثير من حول عبارة «الانكشاريين الجدد» التي وظفها واسيني الأعرج في مهاجمة «جبن» من وصفهم بعض الفئات الثقافية الجامعية وانجرارها وراءها باسم الأخلاق العامة والوطنيات الزائفة لمحاكمة الرواية، جدل واسع؛ دفع كثيرين لرد مضاد، مثلما كتبه الدكتور سعيد بوطاجين الذي قال إن «على هذه الأقلية الساحقة جدا التي تهيمن على المشهد الأدبي والثقافي والإعلامي، وعلى القنوات التلفزيونية والمناصب والجوائز والامتيازات والعقار أن تتوقف عن التمثيل والتباكي، وعليها أن تستحي من نفسها».
وأضاف أن «النخبة التي تصف القراء بالانكشاريين والرعاع والأوباش والصعاليك والكلاب البوليسية، لأنهم أدلوا بآرائهم، نخبة متوحشة لا تستحق أدنى احترام، وهي تتجاور مع المتشددين، ومستعدة لتفكيك البلد من أجل المناصب والمكاسب، كما فعلت من قبل محتمية بالدبابة». وتساءل بوطاجين «من يكون هؤلاء؟ ومن يمثلون؟ وكيف استولوا على تمثيل الجزائر بغير وجه حق؟ ألا يحق للرأي المختلف أن يدافع عن رموزه وتاريخه وكيانه ورايته أمام هؤلاء اليقينيين الذين يعتبرون أنفسهم مجرى ومرسى، مبتدأ وخبرا؟». وتابع: «من تكون هذه الحفنة التي تنظر إلى «الأهالي» نظرة استعمارية وعنصرية وتعتبرهم إرهابيين، أليس هذا افتراسا وإرهابا؟ وهل يجب أن نخرج الملفات أمام الجميع لمعرفة الحقيقة؟ يا لبؤس هذه النخبة وتعاستها».

المجتمع وقمع الحريات

وفي خضم هذا الجدل الذي طرح بقوة مسألة الحريات من جانب مختلف، يقول الباحث في علم الاجتماع نوري دريس، إنه «في مجتمع حيث درجة العلمنة فيه ضعيفة، وحيث عملية الانتقال من التقليدية إلى الحداثة لا تزال جارية، وحيث الدين والأعراف والبنى التقليدية عموما لا تزال تحظى بقوة في الضبط الاجتماعي، من الطبيعي جدا أن يمارس المجتمع باعتباره مستهلكا للفن وكل المنتوجات الثقافية سلطة مادية ورمزية. فالفن والإبداع حسبه هي منتجات ثقافية مرتبطة بالجمهور المستهلك، ليست بقيم مطلقة بل مرتبطة بسياق ثقافي واجتماعي، فيه فقط تأخذ معنى».
وذكر دريس في حديثه مع «القدس العربي» أن «المجتمع لا يعارض الإبداع التكنولوجي والعلمي لأن هذا الأخير يظهر محايدا بعض الشيء، ولكن المنتوجات الثقافية (رواية، فيلم، مسرح…) ليست بمنتوجات عالمية كونية مثلما تريد أن تصوره الثقافات المهيمنة في الغرب، بل هي مرتبطة بسياقات ثقافية واجتماعية وتاريخية، وهو كلام ينطبق كذلك على المنتوجات الثقافية الغربية نفسها. فهل تقبل هوليوود مثلا بإنتاج أفلام لا تتوافق والثقافة الأمريكية؟ لا بالطبع». وهنا يقول الباحث: «إذا ليست مجتمعاتنا فقط من يرسم حدودا أخلاقية ومعيارية للإبداع، بل كل المجتمعات تفعل ذلك. المجتمعات تستهلك ما يتوافق مع منظورها الثقافي والأخلاقي وترسم حدودا لكل شيء بما في ذلك الإبداع التقني».
وحول خطر عودة الاستقطاب الأيديولوجي الذي تحول إلى العنف سنوات التسعينات، ذكر دريس أن «الدولة الحديثة تحتكر القمع واستخدام العنف لكن في مجتمعات حيث الدولة لا تزال قيد البناء، فإن الدولة لم تمتص بعد كل السلطات في المجتمع. وهذه السلطات غير الممأسسة، حتى وإن لا تستطيع ممارسة القمع المادي والقهر الجسدي، إلا أنها تمارس قهرا معنويا قويا على الأفراد والجماعات الذين يخترقون الأعراف والمعايير الاجتماعية». ووفق الباحث، فإن القهر المعنوي فعال جدا في المجتمعات التقليدية ويجبر أحيانا الدولة على التدخل للتماهي معه لكسب شرعية اجتماعية تظهر فيها الدولة (النظام الحاكم) بمثابة حامي القيم التقليدية.
لذلك، يرى نوري دريس أن هناك ترابطا بين رقابة السلطة والمجتمع، تنفي فكرة الفصل بينهما. ويقول في هذا الشأن: «لا يزال المجتمع الجزائري مجتمعا أيديولوجيا، تخترقه اختلافات وانقسامات عميقة على غرار كل المجتمعات. لكن للأسف السلطة السياسية عندنا، أغلقت كل الفضاءات المؤسساتية التي يمكن فيها لهذه الخلافات والاختلافات ان تعبر عن نفسها بطريقة سلمية، ولذلك تظهر هذه الخلافات والانقسامات حول مواضيع الهوية والقيم والأخلاق والجهة والقبيلة واللغة، وتظهر أحيانا كخلافات حادة تصل درجة تهديد التجانس الاجتماعي للمجتمع». وينتهي إلى أن السلطة عندما الفضاءات السياسية التي يعبر فيها المجتمع عن تنوعه الايديولوجي، فإن هذا الأخير يتجلى في أبعاد أخرى يفترض أن تكون غير مسيسة، والنتيجة هي تسييس أبعاد في الحياة الاجتماعية يفترض أن تظل بعيدة عن السياسة».
وفي هذا الشق، تحدث عبد الحميد بورايو رئيس لجنة تحكيم الجائزة، بعد صمت طويل، عن الخلفيات التي تكون وراء الهجوم على الرواية والتي تتعلق أساسا حسبه بموضوعها الذي ناقش فترة حساسة لا تزال آثارها ماثلة في المخيال الجمعي للجزائريين. وقال بورايو في مقطع من تدوينة له إن «الرواية تحدثت عن شريحة اجتماعية مهمشة منحرفة كانت موجودة في بعض المدن الجزائرية منذ العهد الاستعماري، واستغلتها بعض تيارات الحركة السياسية الدينية في التسعينيات من القرن الماضي (فترة الإرهاب) وجندتها للقيام باغتيالات لرجال الثقافة والسياسة».
وأضاف أنه «بالنظر لهذا الموضوع الحساس الذي اتخذته الرواية كثيمة أساسية صنعت منها الأحداث وبنت الشخصيات بالاعتماد عليها، وهو موضوع ذكّر بصراع احتدم في الجزائر خلال العقد الأخير من القرن الماضي، وما زال أطرافه متواجدين في المجتمع، انبرت الأقلام للهجوم على الرواية أو الدفاع عنها». واسترسل: «لقد لعبت التقييمات المعبرة عن المواقف السياسية دورا أساسيا في توجيه التعليقات والكتابات بالنظر إلى أن موضوع الرواية ما زال حيا في النفوس، عبر عن مكبوتات جمعية، لم ينجح المجتمع الجزائري في تجاوزها بسبب غياب النقاش والآليات الكفيلة بذلك. لقد فسح المجال لأطراف النزاع من خلال هذه الحملة للتعبير عن أنفسهم من مواقعهم المتباينة من قضية سنوات الجمر».
وتعود من حين لآخر السجالات حول الأعمال الثقافية والفنية في الجزائر، لكنها ليست مطروحة بقوة مثلما هو الحديث الشائع عن الحريات السياسية. وسبق لرواية «ميرسو تحقيق مضاد» للكاتب كمال داود والتي تحاكي رواية الغريب لألبير كامو، أن أثارت جدلا بسبب مقاطع على لسان البطل تتحدث بشكل مسيء عن النصوص المقدسة، كما برز جدل عقب تحطيم أحدهم تمثال المرأة العارية في ولاية سطيف، بين من يدعو للاحتفاظ بالتمثال ومن يطالب بنقله للمتحف أو إزالته كونه يصادم قيم المجتمع. وباتت مواقع التواصل تلعب دورا حاسما في الترويج الإيجابي أو السلبي للأعمال الفنية، بناء على منطلقات لا تكون في كثير من الأحيان، بعيدة عن التقييم الموضوعي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية