رواية ‘وراء السّراب.. قليلا’ لإبراهيم درغوثي: أليسَ مؤثرا أن نجعل من الألم جبلا؟

حجم الخط
0

تونس ـ من زياد عبدالقادر: ‘ كان فقط جبلاً، أليس مؤثراً أن نجعل من الألم جبلاً’ عبّاس بيضون. الأمر أشبه بمن يقشّر بصلة: ما هو الألم إن لم يكن وهجا من غبار ناعم، غبار خفيف لا يمكن للعين رؤيته إلاّ بشكل غائم وقصير! ما هي الكتابة إن لم تكن تدرّبا على الألم، الألم الذي يجعل العالم هشّا كقطعة بسكويت مغطّسة في الحليب!

ما هو الحزن هذا؟ ما هو الألم هذا؟

أقرأ رواية ‘وراء السراب قليلا’ لأجيب عن كلّ هذا.

السراب وعدُ الكتابة. يحسبه القارئ ماءً. يسير مؤمّلا نفسه بالوصول.’ ها قد وصلتُ! ‘ يقولُ. صوت المؤلّف يأتيه مشجعا: ‘لقد وصلتَ.

حثّ خطاك، لقد اقتربتَ من الحقيقة لم يبق إلاّ القليلُ!

لكن وعد السراب يأتي مرة أخرى ليطيل تغريبة الأشقياء. السراب حجرُ نرد يرمي به إبراهيم درغوثي، حجرٌ يعيد إنتاج التغريبة المنجمية وفق ما سمّاه فريديريك نيتشه بـ ‘عودة الماضي الذي لا ينتهي’. ماض ما فوق واقعيّ بات مستقبلا أقلّ من واقعي. هذا هو زمن المنجميين في الجنوب الغربي التونسي، مستقبل تذكري كومضة ورائية في فيلم كابوسيّ من أفلام ألفرد هيتشكوك، مستقبل شاخ تراجعيا فأمسى مقبرة لانتظاراتهم التي لم تعد تنتظر شيئا. التذكر قضيبُ حديدٍ عارٍ في بناية مقصوفة. الألم أيضا الأمر أشبه بمجموعة من الصور الفوتوغرافية المتجاورة لذات الشخص، حيث لا تتجاوز الفروقاتُ بين صورة وأخرى تطوّر الخط البياني للتجاعيد واتّساع المحجرين وتهدّل الرقبة. بين رمية نرد وأخرى يعيد التاريخ تغيير الكادر الخارجي للصور الفوتوغرافية.

في كتابه ‘شبكة الفكر’ يتساءل كرشينامورتي: ‘ هل نستطيع مراقبة الألم دون أن نستعين بالذاكرة؟ بمعنى التفكير فيه دون النظر إليه من خلال الذكرى، أي دون النظر إليه من دون تسميته، من دون زمن ومن دون ذكريات؟’. ما قصده كرشينامورتي هو أن الكتابة المقطعية تستوجب التخلي عن الحذر المنهجي. رُبّ فهم أتاح للمؤلف اللعب بتقنيات السرد وخلط العوالم. إنها أشبه برواية لاتينية، حيث أجواء الواقعية السحرية والفانتازيا الباذخة، الزمن في أعمال درغوثي أشبه بالمغارات المثقوبة في أصل الجبل. تنتظر أن يطلّ عليك من إحداها فيفاجئك من الأخرى. العالم أيضا، أشبه بصفحات الكتاب الملتصقة يحرّرها السرد من ثقل المادة اللاصقة ويفكّكها إلى طبقات حكائية.

الأمر هنا أشبه بمن يقشّر بصلة. طبقات لا تنتهي من الرقائق البيضاء، وغشاوة في العين من أثر الدموع. II من يلعب لعبة النرد حقا: الانسان أم التاريخ؟ لا تنتظر أن يجيبك ابراهيم الدرغوثي على هذه الأسئلة. ألم يعلن رولان بارت موت المؤلف؟

عليك أن تتذكر فقط. التذكر هنا ورشة عمل، خيميائي عظيم يحوّل معدن القسوة إلى غبار ناعم اسمه الهشاشة.

على مدار ستة فصول نتابع تغريبة المنجميين، تغريبة الأشقياء من سوافة وأولاد سيدي عبيد وأولاد بويحيى وجريدية ومراركة رمت بهم أقدارهم الكافكاوية إلى جحيم شركة فسفاط قفصة. يتخذ المؤلف من عزيز السلطاني بطلا تراجيديا تتناسل من حوله الأحداث. عزيز السلطاني حجر أملس صغير يُقذف به في يمّ الرواية فيحرّك قيعانها فتحرّك بدورها دوائر نصية فانتازية وتتناسل الحكايات:

حكايا الرجال ذوي القرون والزنوج الذين حررهم الباي من العبودية بفرمان أميري وقائد المكوك الفضائي ديسكوفري الذي صادف فارسا على حصان عربي يطوف في الفضاء. ستقرأ تفصيل حال أهل طرابلس الذين وصلوا إلى المتلوي في بدايات القرن الماضي وعن الأرواح الهائمة في أنفاق الجبل. كلّ شيء يبدأ أمام الجبل وكلّ شيء ينتهي في جوفه: ‘ وتسلّمني مرزوق القبائلي ليعلّمني كيف أحفر بالمثقاب حفرا في لحم الجبل. وأكيف أدسّ الديناميت في تلك الحفر. وكيف أفجّر تلك الأصابع الرقيقة التي تحدث دويّا كدويّ الرّعد’. تاريخ المنجميين في الجنوب التونسي تاريخ تراجعي، لذلك ستقرأ عن ميلود الطرهوني ومعركة الطرابلسية ورجال القبائل. إنه التاريخ يعيد دورته: قتلى وتمثيل بالجثث، عِقد من الأنوف المجدوعة والآذان المصلومة وهلمّ جرّا. هذي المتلويّ بدايات القرن الماضي. ما الذي تغيّر؟ لا شيء. إنه التاريخ يعيد تغيير الكادر الخارجي للصور الفوتوغرافية.

ثمّة من يرمي نرده. بعبارة أخرى، إنه التاريخ يعيد رماية نرده، ذات الرقم الأجوف في كلّ مرّة. رقم العذابات يعيد صياغة التركيب ذاته، التركيب الذي يعيد غلق قوس الدائرة المستطيلة. الدائرة التي أمست مثقلة جدا بأشباحها كفقاعة الصابون المحمّلة بتعب الجوارب والسترات القذرة.

على مدار ستة فصول تتلاحق أحداث التغريبة.

الرقم مغر بممارسة التأويل. لا مجال هنا لفصل سابع. الرّبّ استراح في سابع الأيّام. مؤلف ‘وراء السراب قليلا’ يحرمك الاستراحة. الحرمان مفردة توازي التعاطف مع الضحايا.

هذي أدنى درجات التعاطف التي في وسع القارئ أن يبديها.III حِيلُ إخفاء القسوة:

ربّما تتساءل وأنت تقرأ ‘وراء السّراب قليلا’ عن سرّ الفانتازيا في الرواية، عن سرّ هذه العوالم الباذخة والصور الفوق واقعية. لعلّها حيلة ابراهيم الدرغوثي لاخفاء القسوة.’إنها مهن القسوة’ تتمتم بشفتين مزمومتين من الأسى.

ستحتاج وأنت تقرأ التغريبة إلى من يربّت على كتفك في رقّة تلامس السطح وتلمس العمق.

طابور الأشقياء لا ينتهي. شيء بسيط تغيّر في نسق الحكاية المنجمية: في بداية اكتشاف الفسفاط كان يُبعث بمتعهّدي انتدابات لجلب العمّال، كان يؤتى بالضحية إلى عتبة بروسربين، أمّا الآن فقد صارت الحكاية أكثر درامية. طابور الأشقياء لم يعد في حاجة للاغواء وتزيين المسلخ بالورود. مع الوقت أصبح للمأساة بهاؤها وقدرتها على صنع اغوائها الخاص:’ دام الإضراب أربعين يوما، ثم انفرط العقد.

واحدا وراء واحد، تسلّل العمّال إلى المنجم.

ذهبوا ليلا في الأوّل حتى لا يفضحهم نور الشمس. وظلوا وقفين أمام أبواب الأنفاق الموصدة بقضبان حديدية غليظة. ولم يفتح لهم أحد الأبواب. فعادوا بحسرة ما بعدها حسرة.. أقٌسموا ألاّ يعودوا إلى الوقوف أمام تلك الأبواب مرة أخرى. ولكنهم في الليلة التالية كانوا يقفون أمامها وبأعداد أكبر. ولم يلتفت أحد إلى وقوفهم’. (الصفحة 167-168). حين تصير السعادة على الناصية الأخرى يصبح الشقاء شكلا من أشكال الافتتان الغامض.

أغلق الرواية وقد أصبحت أكثر قدرة على تسمية الألم:’ إنه شيء هشّ يوزن في العينين كما يوزن الخبز قبل أن يوضع في الفرن’جازف باختراق السراب لتعرف هذا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية