روبرت دي نيرو وفن التمثيل: ما وراء الشعور والتفسير النفسي للشخصية

يعد روبرت دي نيرو من الممثلين الأكثر اقتدارا على استخلاص المشاعر وتقطيرها، وتحقيق الجو الخاص بالشخصية التي يشحنها بالحياة، ويضيف إليها أبعاده الفنية وانطباعاته الواقعية وحركاته الدقيقة المنضبطة، من خلال الأداء الممتلئ بالتفاصيل والمتطلبات التكنيكية المعقدة، والتصميم الصارم للتشخيص وتنظيم خلق المؤثرات، ونجد أنه يخضع تماما للشخصية بهيئته الجسدية وحواسه الداخلية والخارجية، لكنه على الرغم من ذلك لا يجسد الشخصية بقدر ما يقدم التفسير النفسي لها، كما في فيلم «سائق التاكسي»، حيث لم يعتمد الأداء على المحاكاة الجسدية والحركية، وإثبات القدرة على تقمص شخصية «ترافيس» بأسلوب طبيعي وحسب، وإنما كان التركيز على العالم الداخلي لهذا الشخص الغريب الوحيد، ومدى حساسيته وحدّة رؤيته للأمور، وتفاعله مع كل ما يراه في شوارع نيويورك ليلا ونهارا، ورفضه للواقع الذي يسعى لتغييره بيده، وطريقته العنيفة في معالجة المشكلات التي تؤدي في النهاية إلى القضاء على الشر بإغراقه في بحور من الدم.
يعلق المشاهد على الفور بعيني روبرت دي نيرو لأنه يعتمد عليهما بشكل أساسي في لعب أدواره، ولأن فيهما أغلب أسباب جاذبيته ووسامته وحيويته اللامعة، وفيهما أيضا يظهر أثر ابتسامته المتميزة، التي قد تكون عاشقة متيمة أحيانا، أو ساخرة لامبالية في اللحظات الأليمة، أو مخادعة تمهد للانتقام وأقسى مشاهد القتل وأكثرها ترويعا، ويكون التعبير من خلال العينين أكثر عمقا وغموضا في الوقت نفسه، ويختلف عن وضوح التمثيل بواسطة الصوت أو الجسد، فعندما ننظر إلى عيني روبرت دي نيرو، نجد أنه لا يعبر عن شعور أو إحساس محدد، وإنما عن الكثير من الأمور التي تعتمل وتتفاعل وراء هذا الشعور، فهو إذا عبر بصوته عن الغضب أو الألم، على سبيل المثال، فإننا سنستمع إلى صراخ وتأوهات قوية تنقل إلينا الإحساس بطريقة مباشرة، أما إذا قام بالتعبير عن الغضب والألم بالاعتماد على عينيه فقط، فإننا نرى ما يوجد وراء ذلك الغضب، وما هو أعظم من الصراخ والألم، كما نرى أدق تفاصيل المشاعر التي لا يمكن التعبير عنها من خلال الكلمات، ولا يستطيع الجسد أن يظهرها، ولا تجد منفذا تنطلق صوبه من الروح سوى العينين، وهو إذا عبر بالجسد عن الانهزام، سنرى ذلك واضحا من خلال الانهيار أو الانكماش، وتكوم الجسد على نفسه، وفقدان السيطرة عليه، أما إذا عبر عن ذلك الانهزام بعينيه، فإننا نرى الكثير من المشاعر التي تختبئ خلفه وتفوقه ألما، والاحتمالات المروعة لأثره وفعله في النفس، فالتمثيل اعتمادا على العينين يعد إذن من أهم نقاط القوة لدى روبرت دي نيرو.


وهذا ما يمكنه من لعب أدوار البطولة في أفلام ذات طبيعة سينمائية خاصة، مثل فيلم «صائد الغزلان»، حيث قام بتجسيد شخصية «مايك» الذي لم ينطق طوال ثلاث ساعات تقريبا، إلا بكلمات قليلة في فيلم يكاد يخلو من الحوار الدرامي، ولا مجال فيه للحركة الكثيرة، لأن البطل يكون في وضع كامن ثابت في هدوء تام، من أجل اصطياد الغزلان والتمكن من التصويب عليها بدقة، أو يكون أسيرا في فيتنام، يحاول أن يكتم أنفاسه، وأن يتحرك في المياه بدون أن يحدث أثرا، أو يكون محاطا بمجموعة من الفيتناميين في كوخ خشبي صغير ضيق، يجبرونه على قتل نفسه بمسدس، لم يبق له الفيلم إذن الكثير من وسائل التعبير التمثيلي، لذا اعتمد على عينيه في أداء هذا الدور، والتعبير عن مشاعر هذا الشاب الأمريكي، الذي ينتقل من اللهو وسط الطبيعة الساحرة إلى جحيم الحرب في فيتنام، ومن خلال عينيه نرى روحه وهي تتمزق، وعقله وهو يتفتت، كما يعتمد كثيرا على التواصل البصري مع صديقه، إذ يمكنهما تبادل الرسائل الصامتة.
ويستطيع روبرت دي نيرو أن يقوم بتجسيد النموذج الواحد بأكثر من طريقة، مثل شخصية رجل العصابات أو المجرم القاتل، التي تكررت كثيرا خلال مسيرته السينمائية، في أفلام مثل «كازينو»، «رفاق طيبون»، والجزء الثاني من فيلم «الأب الروحي»، وتتنوع مشاهد الغضب والقوة والجبروت والعنف المروع، وممارسة القتل، كأسهل ما يكون ببرود تام، ويضفي دي نيرو على شخصية المجرم بشكل عام جاذبية كبرى، اعتمادا على مشاعر الزهو والغرور والمظهر الخارجي، الذي يخلق التأثير، كما في مشهد تدخين السيجارة في فيلم «رفاق طيبون»، وله أسلوبه البارع في أداء مشاهد الشر، والانتقام بهدوء كامل واسترخاء جسدي، وصوت خفيض يدل على تمكنه من تركيب حنجرته، وكان منافسا للعملاق مارلون براندو في تكنيك الصوت، وطريقة تكلم شخصية «فيتو» في فيلم «الأب الروحي»، التي جسدها كل منهما في مراحل عمرية مختلفة، وعلى الرغم من وسامة روبرت دي نيرو، إلا أنه نادرا ما يلعب دور الوسيم، وكذلك نجد أن أفلامه الرومانسية قليلة للغاية، رغم تميزه في أداء المشاهد الغرامية، وحتى في هذه الأفلام الرومانسية نراه يظهر كرجل عادي بسيط، مثل «فرانك» في فيلم «الوقوع في الحب»، و»ستانلي» في فيلم «ستانلي وآيريس» الذي يومض بمهاراته الإبداعية في التمثيل الدرامي، وتمكنه التقني من هذا النمط الشاعري، ويتميز هذا الفيلم بأنه يتطلب في جزء كبير منه إخفاء المشاعر لا إظهارها، وكان على دي نيرو أن يحمل آلام وعذابات الشخصية في صمت، وأن يكابد معاناة كتمان التوتر والقلق، والهروب من المواقف التي تتطلب منه القراءة أو الكتابة، وكذلك الاضطراب والصمت والتلعثم وفشل محاولات البوح والاعتراف بما يخجل منه أمام حبيبته «آيريس»، مع قوة في التناسق الحركي النفسي، والتعبير عن المشاعر الثقيلة، والعقل المثار المحترق، بصوت هامس حنون وبإيماء ممتلئ باللمسات الشاعرية، وهو من أجمل أدواره الرومانسية الهادئة التي تظهر القوة الدرامية في فنه التمثيلي.

٭ كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية