زهرة مرعيعندما يخلو العمل الصحفي من تلك الصلة الرحمية التي يجب أن يراعيها بين الإنساني والمهني يتحول إلى كتلة من لهب تحرق كل من تصله، خاصة في مثل الوضع السوري. وعندما يسعى الكثيرون من الذين يفتح لهم الهواء صوتاً وصورة إلى إستغباء المتلقين والضحك حتى على ذاكرتهم القريبة جداً، فهم يصبحون ممجوجين وينطقون بكفر مبين. بين هذا وذاك الموقف تبقى فعلة مراسلة قناة الدنيا المشينة ميشلين عازر في داريا، مدار بحث وتساؤل واستنكار على أكثر من مستوى مهني، إنساني وأخلاقي بالدرجة الأولى. فبين لحظة نقتنص فيها صورة أو كلمة للكاميرا، ولحظة يمكن أن تنقذ حياة إنسان، من المؤكد أن حياة الإنسان أغلى. وبين صحفي يتجول في غابة جثث وجرحى كما في مجزرة داريا ويبحث عن جريح يصارع للحياة يستصرحه، أو عن طفلة مرعوبة مصدومة تُسأل عن هوية الجثة التي بقربها، وصحفي فيه مشاعر بشرية طبيعية، ينتصب أمامنا البعد الإنتهازي الاستبدادي للمهنة. وعندها نتأكد بأن المهني الإنتهازي أطاح بكل ما هو إنساني وأخلاقي. فكم كان بالحري بميشلين عازر أن تسدل ميكروفونها نحو الأرض وتقترب من الطفلة المرعوبة تحضنها علّها تهدئ بعضاً من روعها بدل أن تسألها عن جثة والدتها: مين هاي اللي حدك؟ بتعرفي شو صار معك؟ وبدل أن تستوقف سيارة تهم بنقل جريحة لتسألها: مين أطلق النار عليك؟ هي مذيعة لا تحتاج لمن يصف طينتها عرّضت نفسها لمحاكمة كل من فيه ذرة إنسانية، لكن أحداً لم يحاكم قناة الدنيا على بثها هذا الشريط. فإن كان هناك الكثير من الأعلام ‘المغرض’ والملفق الذي نما وترعرع على الدم السوري المسفوك، فالدنيا عبثت بهذا الدم، وداست شرعة حقوق الإنسان وبخاصة الطفل.بين مجزرة وأخرى في سوريا تتقارب المسافات الزمنية ويقترب وجه الشبه. وما أن ينتهي الإعلام من وصف هول مجزرة حتى تطالعنا أخرى. إنما تبقى داريا حتى اللحظة قابعة في الذاكرة لهولها ولكثرة عدد الضحايا من كافة الأعمار. أمس الأول عرضت قناة الميادين صوراً لتلك المجزرة الرهيبة. قتلى في الأزقة، والطرقات. بعضهم أسلم الروح فوق آخر. جثث تتقارب تتكوم على بعضها، وكأن الناس كانت في رحلة هروب من دمها المستباح، لكن القتلة كانوا أسرع من تمسك هؤلاء بالحياة. هو مشهد ذكرني بمجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا خلال الإجتياح الصهيوني لبيروت سنة 1982. لقد قرأت قناة الميادين في مسائيتها ربطاً وثيقاً بين كل حدث سياسي يهتم بالشأن السوري الكبير، وبين المجازر. فهذه الأخيرة ترافق كل مبادرة سياسية كائناً من كانت. أما مراسل جريدة الأندبندنت البريطانية روبرت فيسك فقد نسب مجزرة داريا للجيش الحر ‘استدراجاً منه للنظام إلى موقعة’. من هذا التحليل الإتهامي بدأ السؤال للناطق باسم الجيش الحر بسام الدادا الذي إستنكر وإستغرب وتساءل: هل يقتل الشعب نفسه؟ وقال لفيسك: وسخ. ليس له مصداقية. عميل الإستخبارات البريطانية. أين يكون الصحافيون البريطانيون حين يقصف الجيش الحر بعد خروجهم. فهل الإستخبارات البريطانية مع النظام السوري يا ترى؟ وفي سبيل بعض من المصداقية قاطعت صحفية الميادين محدثها من أنقرة أو إسطنبول ـ لم تستقر على مكان ـ لتقول له: روبرت فيسك وجه انتقادات للجيش النظامي في سوريا. براءة الجيش النظامي، وبراءة الجيش الحر، وبراءة القنوات التلفزيونية من الدم السوري باتت تحتاج لطرف محايد يحكم فيها. فقد فاق العبث بهذا الدم البريء كل حدود.أخبار المملكةلم يبق للراغبين بالإطلاع على الخبر الموثوق عن حال الحُكم والحُكّام في المملكة العربية السعودية سوى تغريدات ‘مجتهد’ على تويتر. أظنه من بين الأكثر شعبية. فهو يقدم دائماً آخر المستجدات عن العائلة الحاكمة ومواقفها. ال بي سي تتابع تغريدات مجتهد، وتنقلها في الوقت نفسه للمشاهدين، ربما لهدف في نفس يعقوب. ومن هذه التغريدات ما يصح ومباشرة على الهواء. فقد ذكر مجتهد هذا الأسبوع أن الملك كان يخشى ترك المملكة للعلاج في الولايات المتحدة ‘ لأن وضع ولي العهد الأمير سلمان لا يؤهله للمسؤولية’، لكنه سيغادر إلى المغرب ومن ثم الولايات المتحدة. وفي اليوم نفسه تمّ تأكيد خبر الرحلة. ومن تغريدات مجتهد التي يحب البعض الإطلاع عليها ‘أن الملك السعودي والأمير بندر بن سلطان يعتبران المجاهدين في سوريا أخطر من نظام الأسد’. وأن المؤتمر الإسلامي في مكة ‘تعهد بعدم دعم الثورة في سوريا’. ربما هو سيدعم ثورة بورما مثلاً؟في السعودية حيث يصعب وجود غير إعلام السلطان وما يريد إيصاله إلى الناس، اخترق مجتهد هذا الحجاب الحاجز للمعلومة. وهو يحمل مصداقية كبرى. وهناك من يردد أنه ينتمي للأسرة الحاكمة. كم نحتاج إلى مجتهدين في كافة الأماكن المقفلة على الإعلام، أو حيث تحول الإعلام إلى مبخرة للسلطان، وهو النسبة الأكبر في عالمنا العربي. غالباً هو إعلام يركع لولي النعمة، إلا إذا قرر أن يكون إعلاماً يعيش من اللحم الحي، وهو قليل.اللاجئون السودانيون عار نلتحف بهالجميع في الدول العربية يشهد لقوة الإعلام اللبناني وفعاليته. سواء في نشرات الأخبار أو في البرامج الإجتماعية، لكن هذا الإعلام بقي مقصراً بشأن مجموعة بشرية من اللاجئين السودانيين في لبنان. فهؤلاء الذين يبلغون العشرات أقاموا قبل اكثر من شهرين على رصيف مبنى المفوضية العليا للاجئين في بيروت مع عائلاتهم وصاموا لأكثر من شهر عن الطعام مطالبين بتأمين سفرهم الى دولة ثالثة. واكبهم الإعلام إنما ليس بالفعالية المطلوبة، إلى أن فك إعتصامهم بالقوة وأحتجز الأمن العام اللبناني 13 رجلاً منهم بإيعاز من المفوضية العليا للاجئين. عادت النساء والأطفال إلى الرصيف نفسه طلباً لحرية المعتقلين. وعاد الإعلام ليسلط الضوء عليهم. نساء وأطفال في حر الشمس على الرصيف، وموظفي المفوضية خلف الجدران الإسمنتية السميكة جداً والغرف المكيفة. عدد قليل من اللبنانيين تداعوا بخفر للتضامن معهم. وعدد القوى الأمنية التي جاءت لحماية المكتب الدولي كانت أكثر منهم بكثير. بدوره جاء الإعلام وبمختلف أشكاله وألوانه. تحدث الإعلام والسودانيون عن المعاملة السيئة جداً في سجن الأمن العام، وعن منع زيارة كاريتاس للمسجونين وتقديم ما يحتاجونه. كان الإعلام موجوداً بالأمس لكنه يجب أن يتواجد في كل يوم دعماً لهذه القضية الإنسانية. فهل يعقل أن تصبح المفوضية العليا للاجئين سبباً في احتجاز حرية 13 لاجئ سوداني في لبنان، بدل أن تحررهم من معاناتهم؟ هذه القضية المستمرة فصولاً، وذاك السجن المخصص للأجانب في لبنان والواقع تحت جسر هو عار نلتحف به كل يوم. وهل سيبقى الإعلام اللبناني عاجزاً عن إيجاد نهاية لهذا العذاب السوداني في لبنان؟صبا مبارك مع ربيع سوريالصبا مبارك إطلالتها المشرقة على الشاشة. في حديثها جاذب وقوة حجة فنية دائمة. لجمالها الطبيعي وقع خاص على النفس في واقع الجمال المنفوخ والمشدود والمعدل. تظهر على الشاشة بإنسانيتها المميزة، وتبقى في الذاكرة بأدوارها المختارة بدقة، وخاصة في مسلسل الإجتياح مع المخرج الراقي فكراً وصورة شوقي الماجري الذي حاز على أوسكار المسلسلات من الولايات المتحدة. كانت صبا ضيفة زاهي وهبي في برنامج بيت القصيد. عندما سئلت عن الربيع العربي والربيع الفلسطيني ‘تشربكت’ مواقفها بين ربيع فلسطين الذي بدأ سنة 1948، ورغبة بعودة الناس إلى العلم والعمل بدل التظاهر؟ العلم مقاومة من نوع آخر برأيها؟ كان هذا جوابها بعد سؤال: ألا تحبين أن تعود ثورة الحجارة؟ وكان تعقيب المُضيف على جوابها بأن التظاهر لا يمنع العلم.في الشأن السوري تمنت صبا توقف الدم. الشعب السوري عظيم. وتاريخ سوريا أقدم من أي سلطة. من حق الناس أن يعبروا عن رأيهم. أن يعيشوا. وأن يقتصوا ممن قتل أولادهم. هذا ما قالته الجميلة والحيوية صبا مبارك. حاولت اختيار كلماتها فهي تدرك مدى تأثير كلام الإنسان المشهور في عامة الناس.صحافية من لبنان