‘روبي’ وخطر الافكار المستوردة

حجم الخط
0

عادل العوفيلطالما أثارت تلك المتابعة الخرافية وذلك الهوس الغير مبرر للأعمال التركية ومن قبلها المكسيكية اشمئزازي ولغاية كتابة هذه الأسطر لا زلت غير مستوعب لهذا الكم من الحب الذي تقابل به وهي بعيدة كل البعد عن بيئتنا وثقافتنا ولا تلامس أدنى مشاكلنا وهمومنا (وما أكثرها). لكنني ومع كل تلك الحسرة التي تتملكني جراء رؤية لذلك التهافت والتسابق من لدن المحطات وشركات الإنتاج لشراء حقوق تلك المسلسلات والعمل على دبلجتها (بينما أعمال عربية أخرى يلجا المشرفون عليها للتسول من اجل بيعها كي تبث في منتصف الليل) كنت ابحث لهؤلاء على الأعذار وكما يقولون فالتجارة شطارة وهؤلاء شئنا أم أبينا مجرد تجار يبيعون ويشترون سواء كان العمل تركيا أو حتى فليبنيا لا يهم بقدر ما تهم المداخيل التي سيجنونها من ورائه (ولي مش عجبوا يشرب ماء البحر). ومع هذه الهدنة القسرية التي قررت توقيعها والالتزام بها كي اكف عن انتقاد هذه المسلسلات وجدواها والاكتفاء بتجاهلها باغتني هؤلاء بمغامرة غريبة عجيبة قرروا الإقدام عليها والتي تتمثل في إنتاج عمل جديد وتحت إشراف طاقم عربي بالكامل وعلى طريقة تلك المسلسلات أي الاعتماد على أسلوب الحلقات الطويلة، ولكن المضحك المبكي في هذه النقطة هي شراء حقوق فكرة عمل مكسيكي سبق وان تم إنتاجه وحقق نسبة مشاهدة عالية حسب قول المنتج وبرأيي هنا مربط الفرس كما يقال إذن بحسب القائمين على مسلسل ‘روبي’ نحن نعيش أزمة إبداع عربية خانقة وإلا فكيف نتوجه حتى أمريكا وندفع المليارات من اجل شراء فكرة مسلسل لا يمت بصلة لواقعنا؟ وكل هذه الجحافل من الكتاب العرب لا يساوون شيئا في نظر هؤلاء ويعانون فقرا حاد في الأفكار وإلا فكيف نفسر هذه الخطوة التي تعتبر ضربة في الصميم لكل المبدعين العرب الذين بالمقابل عليهم تحمل مسؤوليتهم والتحرك من اجل وقف هذه المهازل التي تترجم على شاشتنا والتي هم الأولى بحيازة دور ريادي فيها على الأقل، ولأننا نعي جيدا المنافسة المحتدمة حول كسب ود المحطات من لدن المنتجين لذلك ليس من المستبعد أن تلقى هذه التجربة استحسانا لدى الآخرين وبالتالي محاولة تقليدها ومجاراتها وشراء أفكار مسلسلات أخرى ذائعة الصيت مما يعني خطرا مباشرا على صناعة الدراما العربية التي تحمل ماسي الإنسان العربي وآماله، أنا هنا لا لست بصدد تمجيد وإحصاء محاسن هذه الدراما التي لها عيوبها هي الأخرى ولا تزال تحبوا وبحاجة إلى عمل جد شاق للتطور لكنها على الأقل فيها أشياء تشبهنا وعلى تماس مباشر معنا وعندما أشير إلى دراما عربية فإنني أتحدث عن السورية والمصرية واللبنانية والمغربية والأردنية وغيرها، لأننا لاحظنا الخلطة التي تعمدها منتج مسلسل ‘روبي’ والتي تجمع بين فنانين لبنانين كسيرين عبد النور وشادي حداد وتقلا شمعون وأمير كرارة وعزت أبو عوف من مصر ومكسيم خليل ورامي حنا مخرج العمل من سوريا، جميل أن نرى هذه ‘الوحدة’ ولو في حدودها الدنيا تتكرس في هكذا مسلسلات ولكن كان من الممكن أن تكتمل جمالية الصورة برؤيتها تنصهر في فكرة تطرح موضوعا عربيا بامتياز لا استنساخا لقصص من كوكب أخر.

ومن الأشياء التي يمكن التقاطها في هذا المسلسل هي محاولة استثمار البيئة اللبنانية أو لنقل ما يتمتع به هذا البلد مؤخرا من ‘سلم وأمان’ وبصراحة شديدة لست من المقتنعين بما يجري تسويقه مؤخرا من الكثيرين حول هذا ‘الاكتشاف’ الجديد وبأنهم منبهرون بتقنيات الفنان اللبناني وموهبته الفذة كل هذا صحيح ونحن لا نشك فيه إطلاقا ولكن لماذا تأخر كل هذا الإطراء والمديح حتى هذه الظرفية؟ هل كان عصيا عليهم إدراك مدى عبقرية عبد المجيد مجذوب وعمار شلق وبيير داغر مثلا حتى هذه اللحظة؟ أم أن انتفاضة أحرار سوريا وعدم استقرار الوضع بالمحروسة مصر هو من عجل بهذه الالتفاتة إلى مواهب لبنان وحتى مناظره الخلابة والتي نتمنى صادقين أن تدوم وتشكل رافدا للدراما اللبنانية كي تحتل المكانة التي تستحقها زمن طويل.

وهنا يخطر ببالي سؤال عريض ماذا لو سخرت كل هذه الإمكانيات الضخمة لكتاب من طينة هاني السعدي وريم حنا وحسن سامي يوسف ونجيب نصير من سوريا أو يسري الجندي من مصر ود. وليد سيف من فلسطين وغيرهم من اجل بلورة مسلسل عربي مشترك يطرح موضوعا راهنا أو سيرة شخصية تاريخية بروح معاصرة على غرار كل تلك الأماني التي كانت تعتمل في صدر المخرج العالمي الكبير مصطفى العقاد والذي لم تسعفه الظروف ورحل عنا قبل أن ترى النور وهو الفارس المعروف بشهامته وأخلاقه وغيرته على وطنه ودينه حتى وهو يعيش في قلب مجتمع أمريكي يهوى التقليل واحتقار أبناء جلدته ووصفهم باقدح النعوت والأوصاف.

وفي انتظار نهاية الحلقات التسعين من مسلسل ‘روبي’ من حقنا أن نتساءل هل هي بداية تجربة جديدة لنوع جديد سيغزو المحطات العربية؟ والأهم متى سيتوقف هذا المد يا ترى؟ ‘بساط الريح ‘والحنين إلى أيام الزمن الجميلفي برنامجه الجديد ‘فوق السطر’ على فضائية ‘الشارقة ‘يواصل الإعلامي السوري مروان صواف مغامرته المعتادة في عالم الثقافة والفن باستضافته لخيرة النجوم والمبدعين ومحاورتهم بأسلوبه الراقي والفريد من نوعه، فمن النادر حقا متابعة مقدم برامج يتمتع بثقافة واسعة ويجيد محاورة الضيف بعيدا عن التصنع والاعتماد على تقنية التلقين والحفظ التي باتت عادة سيئة لدى اغلب المحاورين اليوم (ومن هنا جاء لقبه ملك الارتجال )، والأكيد أن الحديث عن إعلامي من طينة مروان صواف يقودنا إلى التطرق لكم البرامج المنوعة التي أبدع من خلالها من قبيل ‘نقطة ع الحرف ‘و’أيام عالبال’ و’إذا غنى القمر’ وغيرها الكثير.

وهنا اعترف أنني لا أميل كثيرا إلى متابعة فضائية الشارقة (مع احترامي الشديد طبعا) إلا في أوقات بث برامج هذا الهرم الإعلامي والذي ابهرني في حلقته قبل الماضية عندما استضاف الفنان السوري رشيد عساف (ولن أخوض في تفاصيل الكواسر والجوارح وغيرها من اعمال ساهمت في صنع اسم هذا الفنان) ولكن مشهدا عابرا أثناء الحوار جعلني ازداد تقديرا واحتراما للمحاور والمتمثل في عرض بعض اللقطات التي تعود لسنوات جمعت بينه وبين ذات الضيف في برنامج أخر بعنوان ‘بساط الريح’ واللافت بالنسبة لي أن هذه الحلقة صورت بمدينة مراكش المغربية وجمعت الفنان السوري رشيد عساف والمغربي محمد حسن الجندي تعتمد بالأساس على إلقاء الشعر بينهما في شكل مواجهة شعرية وفي تبادل للأدوار في ثنائية تجمع المشرق بالمغرب فنشد الأول مقاطع لابن زيدون ورد عليه الثاني بأبيات لنزار قباني في رسالة واضحة وغير مشفرة على مدى الروابط المتينة التي يجب ألا نرضخ لأصوات الفتن الساعية لبث الفرقة والشتات بينهما، وهنا أحسست بالحاجة الماسة لمثل هذه البرامج التي تنشر قيم التآخي والتآزر وبطريقة فنية بديعة يستحق عليها مروان صواف كل التحية.

خضر عدنان بعيون غربيةلن أعود لسرد تفاصيل المعجزة التي كان بطلها الشيخ خضر عدنان والتي هزت العالم اجمع وحركت في دواخلنا أشياء كنا نزعم أنها ماتت ولم يبقى لها اثر في زمننا هذا، وان كان من الأجدر لو بقيت قصة هذا الإنسان الفلسطيني البطل تعاد صباح مساء على مسامع من باعوا قضية هذا الشعب الباسل بابخس الأثمان لعلها توقظ فيهم النخوة والشهامة.

ومن خلال كل التفاعلات التي أعقبت قضية الشيخ عدنان من وقفات احتجاجية ومسيرات تضامنية استوقفتني الأغنية التي أصدرها المغني الأمريكي ‘ديفيد روفيكس’ بعنوان ‘خضر عدنان بوبي ساندز’ (في إشارة منه إلى احد قادة الجيش الجمهور الايرلندي ‘الشين فين’) وبقدر ما سيبدو الأمر سخيفا لدى البعض بقدر ما اعتبرته درسا لا يجب أن يمر مرور الكرام فالمسيرات والوقفات أضحت شيئا عاديا في عالمنا العربي وهي اقل شيء يمكن الإقدام عليه في وضع مشابه، ولكن أن تأتي هذه الخطوة (رغم رمزيتها ) من فنان غربي وينتمي لبلد يحتضن ‘الكيان الصهيوني ‘فاني أجدها بالمقابل خير دليل على الانحطاط الذي يعشيه الفنان العربي بصفة عامة وتقصيره الغير مبرر تجاه الهموم التي تؤرق بال مجتمع يفترض أن يكون صوته وهو الأولى بالانخراط في دعم قضايا شعوبه بدل هذه الصراعات المخجلة التي تدور راحاها بين المكاتب الإعلامية لهؤلاء الفنانين، واستغرب أننا نحاول دوما تقليد الغرب في الأشياء التافهة ونتجاهل حسناتهم (ولو أني لست من عشاق ذلك التطبيل والتزمير المبالغ فيه لكل ما هو قادم من وراء البحار ). كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية