روتانا طرب… وذكري مطرب الرجولة!

حجم الخط
0

محمد منصور

تمثل قناة (روتانا طرب) حالة شاذة ضمن القنوات الفضائية الغنائية… ورغم أنني لا أعرف حقا، ما هو الهدف من هذه القناة، التي تروج لمطربين بعضهم بلغ من الكبر عتيا، وبعضهم اعتزل، ومعظمهم انتقل الي رحمة الله… أما نسبة قليلة منهم، فهي كالسيدة فيروز ووديع الصافي وصباح فخري وسواهم من المطربين الكبار، فهم ليسوا بحاجة لترويج لا من هذه القناة أو سواها.

وقد طرحت علي نفسي سؤالا حول دور هذه القناة (الخيرية) التي لا يعلن أحد فيها، ولا تقع في دائرة الحدث الغنائي والفني الراهن، فلم أجد لها دورا سوي أن الوليد بن طلال، أرادها تكفيرا عن ذنوب شقيقاتها الروتانيات الكاسيات العاريات، اللواتي ينشرن السطحية والابتذال وثقافة الفيديو كليب، وتكريس نجوم السطحية والتفاهة كقدوة لجيل اليوم من الشباب العربي الحائر، بين ثقافة تطرف الارهاب، وبين حياة عصرية أخري خالية من الهواجس الحقيقية في زمن يكاد يكون أفلس ثقافيا، وجن سياسيا.

علي أية حال، يحسب لروتانا طرب، بقصد أو من دون قصد، أنها تقدم فرصة ما، لعشاق الطرب الأصيل في أن يحافظوا علي ذائقتهم وأسماعهم من التلوث السائد في الأغنية العربية اليوم، في حين أن الشباب قد لا ترضيهم الصورة التلفزيونية البائسة التي تظهر فيها التسجيلات والحفلات الطربية القديمة، والتي لن تصمد بالتأكيد أمام ايقاع صورة الفيديو كليب اليوم، ومفاتنها التقنية والجمالية، التي تقدم في السياق ذاته الكثير من الاغراء والاثارة، لتخاطب الغرائز، أكثر من أن تخاطب الأحاسيس والأذواق.

وقد ذكرتني (روتانا طرب) هذه الأيام بالمطرب السوري الراحل فهد بلان، الذي تمر هذا الشهر الذكري التاسعة لرحيله… وقد تابعت مؤخرا بعض الأغنيات التي قدمتها القناة المذكورة بالصدفة له… والتي تقدم نموذجا فريدا وغريبا لمطرب اشتهر بلقب ينطوي علي حكم قيمة أخلاقي أكثر منه فنيا، ألا وهو (مطرب الرجولة) والمعروف أن اللبناني نجيب حنكش هو الذي أطلق علي فهد بلان لقب مطرب الرجولة… مستوحيا ذلك من طبيعة أغنياته التي جسدت صورة العاشق الذي يحب ويعبر عن عواطفه بحرارة وربما بلوعةٍ وحزن أحيانا، لكنه لا يتذلل، ولا يسفح مشاعره علي أعتاب المحبوب.. كما نري علي سبيل المثال في أغنية (بالأمس كانت تهوي وجودي) التي لحنها له الفنان سهيل عرفة، وكتب كلماتها الشاعر الغنائي عمر الحلبي.. والتي يقول في مطلعها:

بالأمس كانت تهوي وجوديواليوم صارت تنسي وعودييا ويلها ماذا بها أتظنني عبدا لهاأنا لن تهون رجولتي خابت ظنون دليلتي!

وسيرة فهد بلان، تقدم ـ بصورة طريفة وعفوية ـ صورة عن المزاج الغنائي العربي الذي كان سائدا في ستينيات القرن العشرين… فقد استطاع فهد بلان، باللون الغنائي الذي تبلور له بالتعاون مع الملحن السوري المعروف عبد الفتاح سكر، وخصوصا بعد أغنيته الشهيرة (لركب حدك يالموتور) أن يلقي حجرا ثقيلا في بحيرة الغناء، التي لم تكن راكدة علي الاطلاق، لكنها كانت مستقرة في ألوانها وفنونها التعبيرية من خلال ما كانت تقدمه سيدة الغناء العربي أم كلثوم، ومدرستها في الأغنية الكلثومية الطويلة… أو من خلال ما كان يقدمه الرحابنة والسيدة فيروز من أغنية رحبانية الطابع والأسلوب، بايقاع مختلف وروح مجددة، وما بينهما كانت هناك ألوان عاطفية جسدها عبد الحليم حافظ حينا بأغنياته التي تجسد رومانسية الحب وحرارته العاطفية والحياتية، وفريد الأطرش حينا، بأغنيته التي تجسد عذابات وآلام العاشق المحروم… فضلا عن كلاسيكية محمد عبد الوهاب المعروفة. وقد جاء فهد بلان ليتجاوز كل هذا، فاستأثر بالأضواء والشهرة في بيروت أولا في فترة ازدهار وألق هذه المدينة العربية، وصار حديث المجتمع والصحافة الفنية اللبنانية التي كانت ذات كلمة مؤثرة ومسموعة عربيا، لدرجة أنه في فترة انتشاره الطاغي، قرر طلال مداح، الذي كان قد أتي الي بيروت بحثا عن الانتشار العربي، أن يعود الي السعودية بعد أن يئس من أن يسمع الناس لونه الخليجي، فيما سافر وديع الصافي الي أمريكا اللاتينية، بعد أن أصبح فهد بلان، المطلوب رقم واحد في الحفلات والكازينوهات والمسارح.

أما في مصر فقد كان حفله الأول، في سينما قصر النيل في آذار من عام 1967 والذي شاركه فيه عبد الحليم حافظ، أشبه بقنبلة مدوية في القاهرة.. فقد طلب الجمهور أكثر من مرة اعادة الأغاني التي كان يؤديها، ومع انتهاء الحفل بدأت الاذاعة والتلفزيون المصريان يبثان أغنيات فهد بلان وبدأ الشارع يردد أغنياته.. لكن نجاح فهد بلان الجارف في مصر حينها لم يستمر أكثر من ثلاثة أشهر، حيث حدثت نكسة حزيران عام 1967 فتوقف التلفزيون المصري عن تقديم الأغنيات العاطفية، مكتفياً ـ كما الاذاعة ـ بتقديم الأغنيات الوطنية لفترة طويلة… وبعد تجارب حب وزيجات متنوعة، أشهرها من الممثلة المصرية مريم فخر الدين ثم اللبنانية آمال عفيش… عاد فهد بلان الي وطنه سورية، ليقدم عددا من الأغنيات التي تعكس بيئة منطقة جبل العرب التي ينتمي اليها، والتي تعاون فيها مع صديقه الشاعر والملحن سعدو الديب، لتجدد بعضا من حضوره في الذاكرة، وعلي الأخص في أغنيته الذائعة الصيت (يوما علي يوم) التي كان يردد فيها بشجن ايقاعي صاخب: وآني غريب أبحث عن الرفقة… مات فهد في ديسمبر عام 1997 في نفس اليوم الذي توفي فيه ابن منطقته فريد الأطرش… لكن رحيله كان هادئا جدا، بالقياس الي الصخب الذي رافق مسيرته الفنية، والمفاجآت التي طبعت مسيرته، وعلاقته مع المستمع العربي… فتارة رأي فيه تعبيرا عن قيم الرجولة في عصر الحماس القومي العربي… وشعارات الثورة… وركبنا ع الحصان نتفسح سوا.. وأخري خبا فيها نجمه بعد النكسة، فتعرض لهجوم نقدي شرس قاده الناقد المصري كمال النجمي الذي أطلق عليه ساخرا: (مطرب الهاهات) والواقع أن هذه الهاهات… (أي الآه التي كان يقلبها فهد بلان هاها…) ما تزال تتردد اليوم خافتة هنا، ومستعيدة جزءا من الماضي هناك… لتعكس تقلبات المزاج العربي في الحب والغناء والشعارات والعهود التي تتغير قيمها وأعرافها في عالم مضطرب صاخب، المستمع العربي فيه مثل المشاهد العربي والمتفرج العربي والناخب العربي. أم.

بي.

سي: السيرة الذاتية بأسلوب الفيديو كليب! شاهدت علي قناة (أم.

بي.

سي) مؤخرا، حلقة من برنامج (مالا تعرفونه عن…) الذي خصص لتقديم ما لا نعرفه عن المطرب التونسي صابر الرباعي في جزأين… البرنامج، غير دوري، وهو في طريقة وآلية انجازه أقرب الي الفيلم الوثائقي، الذي ينبش جوانب غير معروفة في حياة ضيوفه من المطربين الأشاوس وعلاقاتهم، وقصة صعودهم وتربعهم علي عرش النجومية. وشخصيا، وبغض النظر عن مدي اعجابي بصابر الرباعي وفنه، ومدي فضولي لمعرفة خفايا مسيرته الفنية، التي لا تختلف في كثير أو قليل، عن قصص كفاح المطربين في الأفلام الغنائية القديمة… فان المشكلة الحقيقية فيما رأيتها… هي في طريقة الطرح الفني والمعالجة الاخراجية. فالفيلم يكاد يتحول بطريقة مونتاجه واخراجه الي فيديو كليب، يتوسل بين كل قطعة مونتاجية وأخري، المؤثرات البصرية، وتقنيات الغرافيكس، وألعاب التصوير البهلوانية، والكاميرا المقلوبة، والايقاع السريع علي حساب حميمية السرد، والانتقالات المفاجئة علي حساب ترابط الأفكار، ناهيك عن أنه يفتقد للبوصلة الحقيقية أحيانا، في استقراء معاني الأحداث ودلالاتها في حياة ضيفه. ان هذه الطريقة التي ترعاها وتحاول ترسيخها قناة (أم.

بي.

سي) هي استمرار لثقافة الفيديو كليب… حيث تضيع ملامح الأشخاص الحارة، وتفاصيل حياتهم الواقعية ـ بغض النظر عن مدي أهميتها بالنسبة الينا ـ وراء هوس الابهار التقني الشكلاني، والايقاع اللاهث… بلا معني ولا هدف… سوي تشتيت المشاهد من أجل أن يبقي في حالة من الاستلاب التلفزيوني الذي لا يقيم المادة تقييما موضوعيا، ولا يقيم حوارا كافيا مع عقله ومشاعره! قد يقول قائل: ان هذا الأسلوب مرتبط بكون ضيفه مطربا، لا مفكرا أو سياسيا… لكن من قال ان المطربين ليسوا بشرا، يمكن أن نقرأ خفايا سيرة حياتهم بوجدانية واحساس!

ہ ناقد فني سوري [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية