أحمد بلخيري
صدر عن ‘دار الآداب’ اللبنانية كتاب من ثلاثة مجلدات، عنوانه ‘سيرة المسرح أعلام وأعمال’1. الأعلام مسرحيون والأعمال مسرحيات. تم التعريف في الكتاب بمجلداته الثلاثة بعدد من الأعلام المسرحيين من بلدان وعصور مختلفة، وكذلك بعدد يمكن كبير من الأعمال المسرحية. إضافة إلى التعريف هناك ‘جدول تاريخي للمسرحيين والمسرحيات’ كما هو مثبت في غلاف كل مجلد من المجلدات الثلاثة باعتباره عنوانا فرعيا، وكما هو موجود فعلا في متونها أيضا. الكتاب للمخرج والممثل المسرحي اللبناني روجيه عساف. الكتاب بمجلداته الثلاثة يضيف إلى عساف صفة أخرى تضاف إلى صفتي ممثل ومخرج مسرحي، إنها صفة باحث مسرحي. أشار الباحث إلى مراجع فرنسية عديدة ومرجع إنجليزي واحد (ص/227 من المجلد الأول)، كما أشار إلى مراجع عربية وأخرى مترجمة إلى اللغة العربية. والمراجع العربية قليلة بالمقارنة مع المراجع الفرنسية. هذا علما بأن بعض المراجع العربية تتعلق بالتاريخ وليس بالمسرح والمسرحيين. من المراجع العربية المتعلقة بالتاريخ وليس بالمسرح كتاب عبد الله العلايلي ‘تاريخ الحسين’ (1940)، وكتاب محمد حسين فضل الله ‘على طريق كربلاء’ (1984). وفي المجلدات رسوم توضيحية تتعلق بفضاءات مسرحية، ومنها فضاء العلبة الإيطالية، قدمت فيها عروض مسرحية عبر التاريخ. وكانت هذه الرسوم التوضيحية مصحوبة بشروحات. تم تخصيص المجلد الأول للعصور القديمة، وهو مكون من جزأين. عنوان الجزء الأول هو ‘زمن التراجيديا الإغريقية’ (ط/1، 2009)، وعنوان الجزء الثاني هو ‘زمن الكوميديا في اليونان وروما’ (ط/1، 2009). لكن رغم أن العنوان محصور في الكوميديا فقد تضمن هذا الجزء أيضا ‘زمن التراجيديا اللاتينية’. وقد كانت الصفحات المخصصة لهذه التراجيديا الأخيرة في هذا الجزء من المجلد قليلة، عددها هو ثماني عشرة صفحة. وتم تخصيص المجلد الثاني للقرون الوسطى. يتكون هذا المجلد الثاني من ثلاثة أجزاء. هي الجزء الثالث، والجزء الرابع، والجزء الخامس. عنوان الجزء الثالث هو ‘المسرح الاسيوي’، وعنوان الجزء الرابع هو ‘المسرح في العالم الإسلامي’، وعنوان الجزء الخامس هو ‘مسرح القرون الوسطى في أوروبا’. وخلافا للمجلدين الأول والثاني، فإن المجلد الثالث لم يقسم إلى أجزاء، وعنوانه هو ‘ عصر النهضة ‘ (ط/1، 2010)، والمقصود هو النهضة الأوروبية. تضمن هذا المجلد الأخير محورين أساسيين هما: ‘مسرح النهضة والحركة’ الإنسانية”، و’في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإنكلترا’. لكن مع ذلك يكاد يتطابق عدد صفحات هذا المجلد مع عددي صفحات الجزأين السابقين كل على حدة. فقد بلغ عدد صفحات المجلد الأول عشرا وثلاثمائة صفحة، وعدد صفحات المجلد الثاني إحدى عشرة وثلاثمائة صفحة، وعدد صفحات المجلد الثالث ثلاثمائة وصفحة واحدة. وفي الصفحة الثانية بعد الثلاثمائة توجد إشارة إلى المجلد الرابع الخاص بزمن ‘الباروك’ زمن شكسبير وزمن لوبه دي فيغا وزمن بيار كورناي. لكن المتوفر لدي الآن هو المجلدات الثلاثة المذكورة دون المجلد الرابع. تتكون مادة الكتاب بمجلداته الثلاثة من ملخصات لنصوص مسرحية، وتحاليل فنية لمسرحيات، وتحاليل تاريخية فضلا عن إصدار أحكام. فمن التحاليل الفنية التحليل الفني الخاص بأوبرا بيكين حيث جاء في المجلد الثاني من الكتاب: ‘لا شك أن مبعث الإعجاب والاهتمام في هذه العروض هو الجمالية الغريبة المعززة بتقنيات أدائية فائقة، والتي تبتعد عن محاكاة الطبيعة. هذه الاصطناعية القصوى أثارت دهشة المسرحيين الراصدين في الغرب واسترعت انتباههم لأنها جسدت بشكل قاطع قدرة الفن على الإفلات من الواقعية دون أن يلجأ إلى الذهنية التجريدية. لعل هذا المسرح هو الوحيد الذي قيد في فهرس مفصل كل الحركات وكل الإشارات التي تشكل العبارات الجسدية الاصطلاحية الخاصة بكل دور وكل حالة. لأدنى الحركات اسم وقواعد، من وضعية الأطراف إلى سيماء الوجه، من الإشارة بالأنامل إلى تقلب العينين، ولكل واحدة منها تبويب وتعريف وفقا لتصنيف الشخصيات النمطية الثابتة التي يتمرن عليها ويتخصص فيها التلميذ منذ صغر السن ‘ (المجلد 2، صص/53/54(. من هذه التحاليل الفنية أيضا ما كتبه المؤلف عن ‘المسرحيات الجزائرية’ لسرفانتس الإسباني (1547-1616) وهي تتكون من ثلاث مسرحيات هي: ‘الحياة في الجزائر’، و’سجون الجزائر’، و’الإسباني الشجاع’. ذلك أن هذا الأخير نقل-حسب المؤلف-‘ بأمانة أوضاع السجناء المسيحيين في فصل من دون كيخوته (‘رواية القبطان الأسير’) وفي مسرحيتين: الحياة في الجزائر وسجون الجزائر، الأولى فور عودته إلى ‘مدريد’ والثانية بعد عشرين سنة. إن كلتاهما مكونتان من سلسلة مشاهد واقعية لا صلة درامية بينهما، تقريبا على طريقة التحقيقات الصحفية أو السينمائية) (reportages) وأدرج الكاتب بين اللوحات حوادث عرضية رومانسية مستمدة من وقائع حقيقية ومحولة إلى قصص غرامية خيالية’. (المجلد 3، ص/203). هذان مثالان فقط عن التحاليل الفنية. ومن التحاليل التاريخية الموجودة في الكتاب نقتطف المثال التالي: ‘بعد انتصارها على انكلترا في نهاية ‘ حرب المئة سنة ‘ وفوزها على أمراء ‘بورغونييه’ (Bourgogne ) وضم هذا الإقليم الضخم على حدودها الشرقية، أصبحت فرنسا دولة غنية وقوية، وأراد ملوكها أن يجعلوا منها دولة كبرى في أوروبا….’ (المجلد 3، ص105). شملت التحاليل التاريخية التاريخ السياسي والتاريخ الثقافي والفني. يتبين ذلك-مثلا-فيما كتبه الباحث عن سيرة الظاهر بيبرس (1223- 1277)، وسيرة كربلاء المستمدة من حدث تاريخي كان في عهد يزيد بن معاوية (القرن الأول للهجرة) الذي لقي معارضة من قبل الحسين بن علي؛ وهو حدث يتعلق في جوهره بالسلطة والحكم أي بالصراع السياسي. أضف إلى ذلك المعلومات التاريخية المتعلقة بالمسرحيين المذكورين في الكتاب.
هذا بالإضافة إلى أحكام نقدية عديدة تتعلق بمسرحيات. من هذه الأحكام، على سبيل المثال، حكمه على مسرحية ‘ خاتمة سيرة راما ‘ ‘ Uaramacarita ou la Fin de la geste de Rëma ‘ لبهافابهوتي Bhavabhuti بكونها ‘تعتبر من أروع المسرحيات السنسكريتية’. (المجلد 2، ص50). فضلا عن ذلك توجد في الكتاب تعاريف تتعلق بمسرحيات عديدة من خلال تقديم ملخصات عنها. كما توجد فيه تحديدات لأشكال وأنواع مسرحية عديدة أيضا عرفها تاريخ المسرح العالمي. إن كتاب ‘سيرة المسرح أعلام وأعمال’ بمجلداته يتعلق بالمسرح في عصور مختلفة، وأمكنة وثقافات ولغات مختلفة أيضا منها الصينية واليابانية. وعمل من هذا النوع ممتد في الزمان والمكان لا يمكن أن يقوم به باحث واحد. بناء على هذا يمكن طرح السؤال التالي: هل جميع الأفكار والمعلومات والتحاليل الموجودة في الكتاب هي أفكار ومعلومات وتحاليل روجيه عساف؟. إن هذا الأخير يشير إلى المراجع في الهوامش، ولكن لا ذكر ولا إشارة لها في المتون نفسها. يترتب عن هذه الملاحظة الاستنتاج التالي، وهو أن روجيه عساف قرأ المراجع وأعاد صياغة ما هو موجود فيها بأسلوبه. هذه هي طريقته في تأليف هذا الكتاب. فقد قرأ مثلا كتبا بالفرنسية عن المسرح الياباني، وهي التي اعتمد عليها في تحريره للمادة المتعلقة بهذا المسرح، ثم حرر المادة المتعلقة بهذا المسرح في الكتاب. وعليه، فإن مصادر الأفكار والمعلومات والتحاليل المتعلقة بالمسرح الياباني وتاريخه في الكتاب هي هذه المراجع الفرنسية بالذات. وقس على ذلك بالنسبة لباقي المسارح، ومنها المسرح الصيني والمسرح الإسباني، بل وكل أجزاء ومجلدات هذا الكتاب. ويبدو أنه حينما لا يتمكن من الحصول على المراجع التي تعرف بنصوص مسرحية لكاتب مسرحي ما يكتفي بذكر عناوين نصوص مسرحية له، خلافا للنهج المتبع في الكتاب حيث يتم التعريف بنصوص مسرحية عبر تقنية التلخيص. فقد اقتصر على ذكر عناوين نصوص مسرحية للكاتب المسرحي الإسباني خوان دي تيمونيدا Juan de Timoneda (1518- 1583) دون التعريف بأي نص مسرحي له (المجلد 3، ص/191). وكلمة أعلام لا تقتصر في الكتاب على المؤلفين المسرحيين فقط، فقد أدرج الباحث ضمن الأعلام ممثلين مسرحيين هما جيمس بوربدج James Burbage )1531- 1597)، وهو- حسب روجيه عساف- ممثل مسرحي ومن هواة المسرح ‘وقف نفسه لبناء المسارح وإدارتها’ (المجلد 3، ص/244). والممثل المسرحي الثاني هو ابن جيمس بوربدج، واسمه هو ريتشار بوربدج (1568- 1619) الذي ‘أظهر موهبة خارقة في التمثيل منذ أن كان عمره عشرين عاما’ (المجلد 3، ص/245). ويبدو أن عساف ذكرهما في كتابه لأنه وجد معلومات عنهما في المراجع الخاصة بالمسرح الإنجليزي التي عاد إليها. إن ما سبق ذكره لا يقلل من أهمية الكتاب بمجلداته الثلاثة، فلا شك أن روجيه عساف قضى وقتا طويلا في القراءة والكتابة، فكانت النتيجة هي هذا الكتاب المهم. إنه كذلك، أي مهم، نظرا للمادة المعرفية التي يتضمنها. لكن، مع ذلك، لا بد من مراعاة قواعد البحث العلمي، ومنها التوثيق ونسبة الأفكار والتحاليل والمعلومات إلى أصحابها.
الهوامش1 ـ روجيه عساف، سيرة المسرح أعلام وأعمال العصور القديمة، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط/1، 2009. سيرة المسرح أعلام وأعمال القرون الوسطى، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط/1، 2010. سيرة المسرح أعلام وأعمال عصر النهضة، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط/1، 2010.