روحاني في نيويورك: ايران تراجع حساباتها؟

حجم الخط
13

لا يتناسب نفوذ ايران الشبه امبراطوري مع قدراتها الاقتصادية والعسكرية، فهي ليست بين الدول العشرين الأكبر اقتصادياً في العالم كما السعودية وتركيا المجاورتين لها. أما عسكريا فتوازي ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية ضعفي الناتج الاجمالي العام لايران، وتعادل القوة العسكرية لأمريكا 100 ضعف نظيرتها الايرانية.
لكن توازن القوى في ما يسمى منطقة الشرق الأوسط لا يقاس بالاقتصاد والعسكر فحسب بل بمجموعة معقدة من العوامل تتداخل فيها، بالنسبة لايران، الجغرافيا (القرب من دول الخليج النفطية ومضيق هرمز والعراق) والتاريخ (دورها القيادي للشيعة الموجودين في العالم)، مع دهاء الاستثمار والاستفادة من التحولات السياسية في المنطقة، بدءا من التمدد السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق بعد تدمير الآلة العسكرية لصدام حسين ومروراً بتدخلها المباشر في سورية ووصولاً الى رعايتها للتنامي الكبير لنفوذ حزب الله في لبنان، ودورها في النزاع الفلسطيني الاسرائيلي.
بعد انتخاب الرئيس الايراني حسن روحاني بدأت ايران الرسمية بارسال اشارات سياسية تختلف عن خطابها السابق المتشدد أيام الرئيس السابق احمدي نجاد، أولاً باتجاه امريكا واسرائيل، وثانياً نحو بلدان الجوار وخصوصاً السعودية، وثالثاً في الموضوع السوري المتفجّر، ورابعاً في موضوع مشروعها النووي.
لا يتعلّق الأمر باعتدال حسن روحاني بالتأكيد، ولكنه يتعلّق بقراءة المؤسسة الرسمية الايرانية للتطورات الجارية حولها، فبعد أن جرّبت أوراق التهديد بالصواريخ بعيدة المدى وباقفال مضيق هرمز وتحريك الأقليات الدينية في دول الخليج والمنطقة، وبعد غرقها المديد مالياً وعسكرياً في المستنقع السوري، بدأت ايران تراجع حساباتها الاستراتيجية.
المشروع النووي هو ذروة الطموح الايراني الذي وجد نفسه بعد لحظة الجنون الامريكي في افغانستان والعراق قد ربح دون جهد نفوذاً على منطقة شاسعة أحيت ذكريات الامبراطورية الفارسية القديمة التي كانت من حدود الهند حتى أطراف اليونان، والتي انتهت فعلياً مع صعود العرب الى منصة التاريخ مع انبثاق الإسلام.
ارتباط سقوط الامبراطورية الفارسية القديمة بالعرب والاسلام جعل الشخصية الايرانية قلقة وتعاني انفصاماً كبيراً بين رغبتها العميقة في الانتماء العقائدي للدين الاسلامي ورغبتها القومية في الانتقام لانحسارها التاريخي، وهو أمر أكثر ما يتجلّى في اضطهادها العرب في الأهواز (خوزستان) رغم أنهم شيعة.
يفتح المرشد علي خامنئي أوراقه الامبراطورية ويرى كوارث: مذابح وتفجيرات طائفية هائلة في العراق، حرب تطهير كيميائية ضد السوريين واستفحال الصراع الطائفي، انقلاب على جماعة الاخوان المسلمين في مصر، استقطاب طائفي شديد في لبنان والبلد على شفا حرب.
ولا نعلم ان كان المرشد يعتبر الشقّ الكبير بين الشيعة والسنة على طول قوس الأزمات انتقاماً من العرب أم وقوعاً في وهدة كارثة تاريخية.
تعاني ايران من مكر التاريخ الذي دفعت أمريكا ثمناً هائلاً له ودفعها للخروج من العراق وقريبا من افغانستان، فالأوراق الكبيرة التي تملكها للمساومة في المنطقة هي أوراق يمكن أن تحرقها أيضا فايران، على عكس امريكا، لا تستطيع الاختباء خلف المحيطين الهادي والاطلسي.
الأسوأ من ‘انتصارات’ الخارج بالنسبة للشعب الايراني هو تراجع الوضع الاقتصادي تحت وطأة العقوبات الغربية.
يذكر الايرانيون بألم كيف ان جورج بوش الابن هددهم ساخراً بأن يجعل الدولار أعلى قيمة من ‘خميني واحد’ اي ورقة الألف تومان التي عليها صورة الإمام خميني، وللأسف فان انهيار العملة الايرانية أدى لتصبح قيمة الدولار التي كانت آنذاك أقل قيمة من مائة تومان، أربعة اضعاف ما حلم بوش.
ايران، بهذا المعنى تنوء تحت وطأة ‘انتصاراتها’، كما حصل مع امريكا سابقاً.
حجّ روحاني الى نيويورك، ترافق مع اعلان تسلّم مفاعل بوشهر النووي من روسيا وهذا يعني فيما يعنيه: ما زلنا نمسك صاعق تفجير المنطقة فلا تحلموا باستسلامنا.
لكن قد يكون للتاريخ آراء أخرى!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية