في خضم انشغالها بمراسم عاشوراء والجدل الذي خلفه الحضور المفاجئ لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مجلس عزاء عام يحضره المرشد الأعلى علي خامنئي، حرصت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على إرسال رسائل واضحة عن أزمتها المباشرة مع الولايات المتحدة عندما أكدت على لسان الرئيس حسن روحاني وهو يرد على اتصال هاتفي من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الحكومة والبرلمان والشعب في إيران يجمعون على أن لا معنى للمفاوضات مع ترامب ما لم يرفع العقوبات.
ربما تعتبر هذه رسالة بالغة الأهمية تأتي للرد على خطوة إقالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستشاره للأمن القومي جون بولتون، لكنْ ما جرى في مجلس العزاء الذي يقيمه آية الله خامنئي كل عام في الحسينية الطهرانية والدعوة عامة فيها للجميع، فهو كان يحشد عليه المنشد (الرادود) الايراني محمود كريمي وهو يكرر مقطعاً بحضور قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني يبشر بإزالة شر إسرائيل من العالم، وبهمة قائد معسكر الحسين وهو خامنئي.
الفيلم الذي وزعته وكالة “فارس” للأنباء التابعة للحرس الثوري، ووضعه سليماني على حساب منسوب له في موقع تويتر، أظهر مقتدى الصدر وقاسم سليماني وطبعاً القائد خامنئي، وهم يضربون على صدورهم بهدوء وشفاههم تهمس بالكلام المذكور عن الخلاص من شر إسرائيل في العالم، وهذه أيضاً رسالة أرادت ايران إيصالها لمن يعنيه الأمر أنها لن تقدم أي تنازلات بشأن موقفها من القضية الفلسطينية وعموم التسوية وما يسمى بصفقة القرن، للرد على ما يقال عن مطالبات أمريكية وأوروبية لها بالدخول في مفاوضات تشمل عملية التسوية في الشرق الأوسط.
واللافت أن هذا الفيلم أعاد نشره على تويتر حساب موجه للإيرانيين والناطقين بالفارسية هو “إسرائيل به فارسي” لكنْ بعد عمل مونتاج حذف فيه صور مقتدى الصدر.
ورغم أن التسريبات من طهران كانت تؤكد أن أي لقاء رسمي لم يعقد بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وأي مسؤول إيراني حتى قاسم سليماني ولا طبعاً المرشد خامنئي، إلا أن طهران كانت حريصة على ابلاغ المعنيين في العراق والمهتمين بالشأن العراقي، أن حكومة عادل عبد المهدي باقية.
المبادرة العراقية
كانت لدى الإيرانيين معلومات عن خطة جديدة لإعادة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من جديد إلى العراق بالسيطرة مباشرة على العاصمة بغداد بالتعاون مع قوى فاعلة شيعية وسنية مشاركة في العملية السياسية وبعضها يملك ميليشيا قوية وشارع يمكن تحريكه بسهولة للبطش بحكومة عادل عبد المهدي بحجج مختلفة تركز على عجزها عن معالجة الفساد وغيره من الملفات الداخلية.
ومن هنا وبينما تعمل طهران على تأمين حصول العراق منظومة دفاع لحماية أجوائه وحماية بغداد بطرق لم تفصح عنها، تحرص على التأكيد أنها ترفض أي مساس بحكومة عبد المهدي الرافض بقوة استخدام العراق منصة لإيذاء جيرانه، وهذا ما عبر عنه بصوت أكثر وضوحاً أمين عام حركة سيد الشهداء (توصف بأنها موالية لإيران) أبو ولاء الولائي الذي نقل رفض تغيير الحكومة عن هادي العامري رئيس تحالف الفتح وذلك قبل يوم واحد من ذهاب مقتدى الصدر إلى طهران.
تعتقد طهران أن ورقة العراق هامة جداً في أي مفاوضات مقبلة يريدها ترامب مع روحاني رغم أنها تقلل من إمكانية حصول لقاء مباشر بين الرئيسين لا تستبعده نهائياً (ربما في نيويورك إذا خففت العقوبات وتم فتح خط ائتمان بقيمة 15 مليار دولار لشراء النفط من إيران) أو بعد انتهاء أعمال الجمعية العامة للأمم المتّحدة.
وبالفعل فقد أطلق العراق المنسجم مع استحقاق دستوري يسمح بل يوجب أن يقوم بدور إيجابي في حل الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وايران بدلاً من الانحياز لأحدهما، عدة مبادرات في هذا السياق ونجح في المساهمة بفاعلية في حل أزمة الناقلات بين لندن وطهران، ورفض مشاركة إسرائيل في تحالف دولي دعت له واشنطن لحماية الملاحة في مضيق هرمز بل رفض فكرة التحالف الدولي برمته، وقدم للإيرانيين والأمريكيين مقترحاً لا يجري الحديث عنه في وسائل الإعلام العراقية، يركز على عودة ترامب إلى الانفاق النووي باعتباره مضموناً بقرار دولي من مجلس الأمن (2231) ورفع العقوبات أو إعادة العمل على الأقل بنظام الاستثناءات (وهذا ما توفره المبادرة الفرنسية) والشروع بمفاوضات مباشرة عن الاتفاق النووي ترضي الرئيس الأمريكي الذي وصف الاتفاق النووي بالسيء، وترضي الايرانيين أيضاً الذين لا يعتبرون هذا الاتفاق أفضل ما يريدون، وأن يضم ما يتم التوصل له كملحق إلى الاتفاق الأصلي.
الوساطة الباكستانية
ومثل المبادرة العراقية فإن الوساطة التي قام بها رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان لتقريب وجهات النظر بين ترامب والإيرانيين لا تجد حظاً لها في وسائل الإعلام التي جذبها بريق دعوة الرئيس الفرنسي ماكرون لوزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف للحضور إلى بياريتس حيث كان ترامب الذي فرض عقوبات على ظريف مشاركاً في قمة الدول الصناعية السبع وما تبودل من إشارات إيجابية بين ترامب وروحاني عن إمكانية حصول لقاء مباشر بينهما قريباً.
ومع أن ايران ترى أن وزير الخارجية مايك بومبيو لا يختلف كثيراً عن بولتون وهو يظهر في تصريحاته عنها بوجهين وأنه الوحيد في الإدارة الأمريكية لم يدخل في جدال مع الرئيس ترامب حول الملفات الخارجية، إلا أنها لا تمانع في الجلوس معه إذا رغب وعاد إلى طاولة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي لبحث تنفيذ الاتفاق النووي، خصوصاً وأن بومبيو ظهر (بعد عزل بولتون) في مؤتمر صحافي نادر ضمه مع وزير الخزانة الأمريكي المسؤول عن تنفيذ ورفع العقوبات على إيران قائلاً وهو يتخلى عن شروطه الـ 12 “إن ترامب قد يلتقي روحاني في نيويورك بدون شروط مسبقة” ما يعني أن العقوبات على إيران قابلة للإزالة كما أزيل بولتون وكل من يعرقل المفاوضات المباشرة التي يريدها ترامب مع إيران للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.