القاهرة ـ “القدس العربي”: نحب فلسطين على الورق، وفي المجال العام نستعير أقنعة المقاومين، لكننا لا نبذل لأهلها شيئا يذكر.. تلك الملايين التي تحارب أشرار الكون وأعتى القوى العالمية، لا شيء نصنعه لها سوى ترويج الأوهام للجماهير، قال السنوار منذ سنوات وفي زمن الوباء “لا.. أريد أن أموت بكورونا، بل بـ”أف 16 والأباتشي.. أريد الشهادة لا أن أروح فطيس”، لأجل ذلك كان حقا لشعبه أن يرفع عنقه لعنان السماء.
تشير بشارات النصر على أيدي المقاومين، الذين يبلون بلاء حسنا في ميادين القتال، إلى أن نضال الشعب الفلسطيني لن يضيع هباء، والمؤامرة الأمريكية الإسرائيلية الرامية للوقيعة بين غزة وشعبها، كتب لها الفشل وواصل التأثير الجارف لمشهد نهاية زعيم “حماس”، على الرأي العام وتصدرت الصفحة الأولى لصحيفة “صوت الأزهر”، صورة تعبيرية لمشهد النهاية في حياة البطل يحيى السنوار، وهو يقذف بالعصا في وجه المسيرة واستشهدت الصحيفة بحديث للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول فيه: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل». واحتوت الصحيفة على رسالة باللغتين العربية والإنكليزية كتب فيها: «المقاومة شرف وصناع الإبادة هم الإرهاب». وهاجم الإعلامي المقرب من السلطة أحمد موسى السنوار، ومن نعته شهيدا مشددا على أن الشهيد فقط من ينتمي للجيش والشرطة.
وأفاد مصدر رفيع المستوى، بأنَّ مصر أكدت أهمية سرعة التوصل لصفقة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة وإدخال المساعدات، وأضاف المصدر خلال تصريحات تلفزيونية، أن مصر تتمسك بأن أي خطوات تجاه التهدئة يجب أن تؤدي إلى الوصول لوقف إطلاق نار شامل في المنطقة.
داخليا سادت حالة من الجدل العام إثر تصريحات أوضح فيها الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة، خلال كلمته في مؤتمر السكان والصحة، أننا طرحنا بعض الأسئلة على “شات جي بي تي” لمعرفة التأثير المباشر للمشروعات القومية على التنمية البشرية في مصر، وكانت إجابته: “هناك تحسين لمستوى المعيشة وجودة الحياة، وتوفير لفرص العمل، وزيادة في الدخل، وتحفيز في النمو الاقتصادي، وتعزيز للتعليم والتدريب المهني، وتحسين لجودة الرعاية الصحية، وجودة التعليم”. وأضاف الدكتور خالد عبد الغفار، أن ما أجاب عنه “شات جي بي تي”، يعكس رأي المؤسسات الدولية من خلال محركات البحث، فيما تم في مصر خلال السنوات العشر الماضية، وإن كان للرأي العام رأي معاكس لما انتهى عنده عبدالغفار، إذ الأسواق تضج بالصراخ من الغلاء الذي لا يتوقف وضيق ذات اليد الذي أصاب الأغلبية. سياحيا ولمدة 20 دقيقة اصطف آلاف السياح للاستمتاع بمشاهدة ورصد ظاهرة تعامد الشمس على وجه رمسيس الثاني في قدس الأقداس في معبد أبوسمبل، جنوب أسوان، التي انطلقت قبيل السابعة صباحا. وحرص السياح على التقاط الصور لتلك الظاهرة الفريدة.
قضائيا أصدرت جنح الخليفة حكمها في قضية “سحر اللاعب السابق مؤمن زكريا المفبرك”، عاقبت المحكمة المتهمين الخمسة بالحبس لمدة 3 سنوات مع الشغل وكفالة 5 آلاف جنيه لكل منهم، كما قضت بتغريمم كل متهم مبلغ 100 جنيه لكل منهم، وأحالت الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة.
روحه ستوحدنا
فى موكبٍ تاريخي، كما يصفه فاروق جويدة في “الأهرام” أخذ يحيى السنوار مكانه مرتديا زيه العسكري وسط دمائه، ليضع نهاية لرحلة من البطولة، واهبا حياته لشعبه وأمته وأرضه.. رحل السنوار تاركا خلفه صفحاتٍ مضيئة من التضحية والفداء، وظل يقاتل وسط جنوده ليعيد إلى الذاكرة صور أبطال كتبوا أروع الصفحات في تاريخ شعوبهم وأممهم.. لقد حارب المحتل الغاصب عاما كاملا في حدث فريد لم تشهده القضية الفلسطينية في تاريخها، وصمد الرجل وسط شعبه، وحوله آلاف الشهداء الذين لم يبخلوا على وطنهم بشيء.. كانت آخر مواقف يحيى السنوار، حين حاول أن يجمع قادة المقاومة من رموز وأبناء الشعب الفلسطيني. ربما أدرك وهو يقترب من ساعة الرحيل أن الأحداث أكدت أن فلسطين لن تحررها إلا دماء أبنائها، وأن الجميع يتاجر فيها، بعدما باعوها مئات المرات.. كانت دعوة السنوار إلى وحدة الصف الفلسطيني آخر أحلامه، قبل أن يمضي. كان يرى أن الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات يستحق من قادته أن يوحدوا كلمتهم ويخلصوا لقضيتهم، وأن تتجه أنظارهم إلى القدس بيتا وصلاة ووطنا. هل تلقى دعوة السنوار صدى؟ وهل يمكن أن تجتمع كلمة رموز الوطن على رفات السنوار، ليبقى دليلا لكل الشرفاء في التضحية والوفاء؟ ولم يعد أمام قادة المقاومة الفلسطينية إلا أن تتوحد كلمتهم، وليكن رحيل السنوار بداية لمواقف تتسم بالحكمة، حتى يكمل طوفان الأقصى مسيرته.. لقد أصدرت جميع قوى المقاومة الفلسطينية بيانات وداع صادقة، وأبدت عرفانها للمقاتل الراحل.. قد تكون هذه بداية لجمع الشمل وتوحيد الكلمة.
أين جيوشنا؟
لماذا لا تتدخل الجيوش العربية لحماية أمنها القومي ولنصرة الفلسطينيين ضد العدوان الإسرائيلي الوحشي، تطبيقا لمواثيق واتفاقيات الدفاع العربي المشترك؟ هذا سؤال يكرره كثير من المواطنين العرب، وهم يرون إسرائيل تعيث فسادا وقتلا وتدميرا في فلسطين ولبنان وسوريا. وتقول إن أياديها الطويلة قادرة على الوصول لكل مكان في الشرق الأوسط، بل إنها تنوى تغيير المنطقة بأسرها. ويرى عماد الدين حسين في “الشروق” أن من حق الناس أن تسأل الأسئلة الطبيعية، ومن حقها أيضا أن تعرف الواقع المرير الذي تعيشه الأمة العربية بأكملها تقريبا. غالبية الشعوب العربية لديها الآمال والأفكار نفسها وتتوق إلى التوحد، لكن ماذا عن حال الحكومات والأنظمة، والأمر الواقع، الذي يجعل من التوحد الآن أمرا بعيد المنال للأسف الشديد. السؤال الذي سوف يصدم كثيرين هو: إذا كانت غالبية الدول العربية غارقة في انقسامات وحروب أهلية وطائفية وعرقية وجهوية، وغير قادرة على توحيد نفسها، فهل ستكون قادرة على دعم ونصرة الفلسطينيين ومواجهة إسرائيل؟ بل إن السؤال الأنكى والأصعب هو: إذا كان الفلسطينيون أنفسهم غير قادرين على إنهاء انقساماتهم لمواجهة العدو المشترك، فكيف يلومون الآخرين على عدم دعمهم؟ أي مواطن عربي يسأل: أين دعم الدول العربية للقضية الفلسطينية؟ عليه أن يسأل نفسه عددا من الأسئلة البسيطة والبديهية، ووقتها سوف يدرك حقيقة الواقع المرير، ويبدأ في رؤية الصورة على حقيقتها، وربما في هذه الحالة ربما تكون هناك أفكار للخروج من هذه الحالة المزرية.
غير موجود
يمضي عماد الدين حسين متسائلا، مثلا ليبيا، هل يمكنها دعم الشعب الفلسطيني بغير البيانات؟ هي في حالة انقسام وحروب أهلية وجهوية منذ عام 2011، لا يوجد أساسا جيش موحد في ليبيا حتى نتحدث عن إمكانية مساعدته للفلسطينيين. وما الذي يمكن أن يفعله السودان وجيشه، وهو الذي يعاني حربا أهلية طاحنة منذ إبريل/نيسان 2023، حولت عشرة ملايين من مواطنين إلى نازحين ومئات الآلاف إلى لاجئين في دول الجوار. الأمر نفسه ينطبق على الصومال، الذي لا يستطيع إعادة توحيد كل أقاليمه، بل إن إقليم أرض الصومال المتمرد والمنشق منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وقع على اتفاق منفرد مع إثيوبيا يعطيها حق إقامة ميناء وقاعدة عسكرية على شاطئ البحر الأحمر، في مكان استراتيجي قبالة ميناء عدن. وما الذي يمكن أن تفعله سوريا وهي تعيش حربا أهلية منذ مارس/آذار 2011، جعلت كل جيوش القوى الكبرى موجودة على أراضيها، وتشن إسرائيل عليها هجمات واعتداءات متكررة دون أن يتمكن الجيش السورى المنهك من التصدى لها. ونعلم تماما ظروف دول الخليج. الأمر نفسه ينطبق على لبنان، فحزب الله يدعم الفلسطينيين فعلا، لكنه على خلاف جوهري كبير مع بقية القوى السياسية اللبنانية التي تتهمه بأنه اختطف الدولة اللبنانية ويخوض الحرب لمصالح طائفية، ولم يستشر بقية القوى السياسية. والحشد الشعبي في العراق كذلك. ونعلم ظروف الأردن الصعبة. إذن من الذي بقي؟ فقط مصر، هي الوحيدة التي لديها استقرار نسبي وجيش قوي، وبالتالي فحينما يتحدث كثيرون عمَّن يتصدى لإسرائيل فهم عمليا يقصدون مصر. والسؤال ببساطة: هل تتصدى مصر وحدها، أم يفترض أن يكون هناك دعم عربي حقيقي، وهو للأسف غير موجود بالمرة.
عودة الروح
المسألة الفلسطينية كانت تاريخيا ولا تزال، حسب الدكتور نبيل عبد الفتاح في “صوت الأزهر”، تعبيرا عن سعي الكولونياليات البريطانية، والأوروبية – الفرنسية والإيطالية – والإمبريالية الأمريكية، إلى استمرارية السيطرة واستغلال المنطقة العربية ونفطها وموقعها الجيوستراتيجي والسياسي، في إطار صراعاتهم الدولية مع الكتلة الماركسية السوفييتية السابقة، والصين وروسيا في مرحلة الصراع الدولي الراهن، بهدف الاستمرارية على قمة النظام الدولي. وفي الوقت ذاته التخلص من العبء السوسيو- نفسي عن التطهير العرقي النازي لليهود، التي تبدو آثاره حتى الآن في ألمانيا وفرنسا وأوروبا والمسيحية الصهيونية في أمريكا، ومن ثم مساندتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية للدولة الإسرائيلية. شكلت مشكلة فلسطين أحد أبرز وجوه العجز العربي، ومعه هشاشة الفكرة العربية الجامعة – القومية والوحدة العربية – التي شاعت في بعض الفكر السياسي قبل وبعد الاستقلال الوطني، والتي شكلت أحد مكونات بعض أيديولوجيا سلطات ما بعد الاستقلال، في المشرق العربي، في ظل أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي، والناصرية في مواجهة الدول العربية المحافظة، خاصة النفطية ذات العلاقات الوثيقة مع بريطانيا وفرنسا ـ في الجزائر قبل الاستقلال – والولايات المتحدة الأمريكية، بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية 1945. كانت الفكرة العربية الجامعة ذات طابع أيديولوجي ومثالي، لأن شروطها الموضوعية، في التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، لم تكن متحققة في التركيبات الاجتماعية العربية على نحو جماعي، أو داخل كل دولة، باستثناء مصر والمغرب. الأهم أن بناء الدولة الوطنية كان يواجه مشكلات بناء الموحدات الوطنية في ظل مجتمعات انقسامية ـ دينيا ومذهبيا وعرقيا وقوميا ولغويا ومناطقيا – على نحو جعل قضية بناء الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الأيديولوجية والرمزية أساسية وأولية، ومعها بناء الجيوش الوطنية، والبيروقراطية، والنظم السياسية والدستورية الشمولية والتسلطية. هذه العمليات البنائية أدت إلى إعاقة للفكرة العربية الجامعة، خاصة في ظل التوظيف السياسي لسلطات ما بعد الاستقلال، وقادتها للدين، على نحو أحدث المزيد من التفكك الداخلي، خاصة في ظل الصراعات مع الجماعات الإسلامية السياسية، التي طرحت الفكرة الإسلامية الجامعة – دولة الخلافة – في مواجهة الفكرة العربية الجامعة، من ثم اختلاف النظرة وتباينها إزاء المسألة الفلسطينية، التي تحولت إلى أبرز القضايا المركزية العربية، بل اعتبارها القضية الأساسية.
جرحنا الغائر
إن نظرة “طائر” حسب تعبير الدكتور نبيل عبد الفتاح على القضية الفلسطينية تشير إلى تحولها مصدرا من مصادر الصراعات العربية البينية، بين الدول العربية الراديكالية الأساسية ـ مصر وسوريا والعراق، ثم ليبيا في عهد القذافي، والجزائر، والدول المحافظة، وفي الوقت ذاته، باتت قضية تحرير فلسطين أحد مصادر شرعية هذه النظم الشمولية والتسلطية، حتى هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967، وصدور القرار 242، والتغير في النظرة إلى القضية الفلسطينية وإلى ضرورة إقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت في الضفة وقطاع غزة، وذلك في أعقاب فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، لتصبح منظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. بدأت عمليات التحول وتهميش القضية المركزية تدريجيا لتغدو واحدة من قضايا عديدة للدول العربية الميسورة والمعسورة، وليست المركزية، وإنها قضية أساسية للشعب الفلسطيني بقطع النظر عن الخطاب العربي السلطوي الشعاري حول مركزيتها. تنبهت قيادات المنظمة لهذا التوجه، ودخلت في مفاوضات سرية في أوسلو انتهت بتوقيع اتفاق إعلان مبادئ حول الحكم الذاتي الانتقالي بين ياسر عرفات وإسحاق رابين في البيت الأبيض، بحضور بيل كلينتون الرئيس الأمريكي الأسبق في 13 سبتمبر/أيلول 1993. من ناحية أخرى ظلت الصراعات العربية – العربية على تبعية بعض الفصائل الفلسطينية لها مستمرة، على نحو أدى إلى ضعف متنام لمنظمة التحرير الفلسطينية، والطابع المحافظ لحركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية وشيخوخة قادتها التاريخيين، وفشلهم في إنجاز عمليات بناء مؤسسي فعال لأجهزتها في الضفة وقطاع غزة بعد أوسلو وإلى الآن.
خذلتهم بطولته
رحل السنوار وهو يمسك سلاحه يدافع عن وطنه وعرضه، لم يختبئ في نفق أو خلف ستار أو حائط، لكنه بمجرد أن سمع مركبات العدو تقترب من المنطقة التي يوجد فيها، وضع يده على سلاحه وخرج ليواجههم بكل شرف، لم يقل على حد رأي أمجد مصطفى في “الوفد” إنه قيادي، ولا بد أن يحافظ على أمنه وسلامته، ويختبئ لكنه خرج عليهم رافعا سلاحه في مواجهة الآليات العسكرية المجهزة على أعلى مستوى. وخيرا فعل الأزهر الشريف عندما نعى شهداء الأرض شهداء المقاومة الفلسطينية الأبطال، بعد مقتل السنوار وأكد الأزهر أن «شهداء المقاومة الفلسطينية كانوا مقاومين بحق، أرهبوا عدوهم، وأدخلوا الخوف والرعب في قلوبه، ولم يكونوا إرهابيين، كما يحاول العدو تصويرهم كذبا وخداعا، بل كانوا مرابطين مقاومين متشبثين بتراب وطنهم، حتى رزقهم الله الشهادة وهم يردون كيد العدو وعدوانه، مدافعين عن أرضهم وقضيتهم وقضيتنا؛ قضية العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها». والمتابع للأحداث يكتشف أن الرواية الإسرائيلية حول استشهاد يحيى السنوار تظهر «فشلا استخباراتيا ذريعا، ليس فقط في 7 أكتوبر/تشرين الأول؛ بل على مدار عام كامل، بعد أن عجزت إسرائيل عن تحديد مكانه أو الوصول إليه». يحيى السنوار هو من اشتبك مع القوات الإسرائيلية من موقعه، مرتديا زيه العسكري. الاستشهاد ليس خسارة أو مصيبة عند المناضل الفلسطيني؛ بل هو أسمى ما يتمناه المقاتل الفلسطيني». نعم أستشهد الآلاف من أبناء فلسطين، ستظل المقاومة باقية بقاء الأرض وسيبقى صاحب الأرض مشروع شهيد إلى أن يسترد أرضه المسلوبة. الكيان الصهيوني اعتقد أن في رحيل السنوار راحة لهم، لكن في الحقيقة أن رحيله نكبة لهم، لأنه سيخلق مليون سنوار جديد.
نال ما يريد
قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي بالفعل حققت للسنوار ما تمناه طوال حياته، في مشهد سيظل وفقا لصابر أبو الفضل في “القاهرة 24” عالقا في أذهان العالم أجمع، ظل يقاتل حتى آخر قطرة من دمه، بل حتى الرمق الأخير، فبعد تداول خبر استشهاده بساعات قليلة، نشر الجيش الإسرائيلي فيديو لاستشهاد السنوار، وهو مرتديا جعبته العسكرية، مُمسكا بسلاحه، وهو يقاتل.. لكن ما وقفت عنده كثيرا تلك الخشبة التي صوبها السنوار تجاه الدرون الإسرائيلية، وهو يصارع الموت جالسا على كرسيه في رسالة منه لقوات الاحتلال يقول فيها: لن استسلم لكم. الصور التي نشرها الجيش الإسرائيلي أظهرت سلاح السنوار الأخير كانت الخشبة، أرسلها رمزا للإصرار على المقاومة، وأن الاستسلام لم يكن يوما في قاموسه. لم يستطع جيش الاحتلال، على الرغم من ترسانته العسكرية كسر شوكة هذا الرجل، الذي تعرض لسلسلة من الاعتقالات، ففي عام 1982 تم اعتقاله لأول مرة وهو في العشرين من عمره، ووُضع رهن الاعتقال الإداري لمدة 4 أشهر، وأُعيد اعتقاله بعد أسبوع من إطلاق سراحه لمدة 6 أشهر من دون محاكمة، لكن تم اعتقاله مرة أخرى بتهمة قيادته لعملية اختطاف وقتل جنديين إسرائيليين وقتل 4 فلسطينيين يُشتبه في تعاونهم مع الاحتلال، وصدر بحقه حكم بالسجن لأربع مؤبدات، أي ما يعادل 426 عاما.. قبل أن يتم الإفراج عنه في صفقة تبادل الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليط، بعد عقدين من عمره في سجون الاحتلال الإسرائيلي. وفي نهاية المطاف، لم تكن قوات الاحتلال هي التي أنهت حياة السنوار، بل كان قراره بالموت على طريق المقاومة، وبهذا تحول استشهاده إلى ملحمة جديدة في تاريخ القضية الفلسطينية إلى ملحمة ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة، شاهدة على صمود شعب لم يعرف الاستسلام، ولم يستطع إخضاع بطل حتى في لحظة استشهاده.
نفتقد الشيخ كشك
الشيخ كشك ترك نحو ألفي شريط كاسيت، تُسمع حتى اليوم عبر بعض الوسائط، وتُبث أجزاء منها على مواقع في الإنترنت، لكنه ترك مع هذا طريقة في الأداء يصفها الدكتور ياسر عبد العزيز في “الوطن” بالفريدة، وكنزا من الإفيهات لا ينفد وقابلا للاستعادة، ومقولات ذهبت أمثلة سائرة يتداولها الناس، ومقاطع تهكم مفصلية لا تزال تشاغب من انتقدهم وشن هجماته عليهم، على الرغم من مرور العقود. لو كان الشيخ كشك حيا اليوم لوجد مادة خصبة أكثر دسامة وتشويقا لشن الهجمات، وتعليق المشانق؛ فثمة حالة غنائية شديدة الاضطراب والخلط، وهناك «اليوتيوب»، و«تيك توك»، وما يحدث عبر هذه الوسائط كان سيمنح الشيخ محتوى لا ينضب، وفرصا لا تنفد للنقد والتقريع. تابع الكاتب.. لم أجد أبدا أن الشيخ كشك كان على حق في ما ذهب إليه من طريقة لاستهداف صناعة الغناء في زمنه، وهو أمر لا يقلل من نجاحه الواضح في جذب السامعين، وامتلاكه مهارات خطاب عمومي واتصال فريدة. وببساطة فإن هذا الشيخ لم يكن ناقدا فنيا بطبيعة الحال، ولم يقارب النشاط الفني بأي من أدوات النقد الموضوعي والبناء، كما أنه أظهر درجة كبيرة من كراهية الفنون، وعدم إدراك طبيعتها، وحمل بشدة، ومن دون ذرائع منطقية في أغلب الأحيان، على فنانين موهوبين ومجيدين، كانوا، وسيظلون، جزءا مهما من سيرة مصر الفنية الناصعة وألقها الثقافي. ومع ذلك، فإننا في حاجة إلى ناقد لاذع في أيامنا هذه لطبقة جديدة من المحسوبين على مجال الغناء، والمقصود بهؤلاء من يدّعون أنهم مطربون، خصوصا من مؤدي «الراب» و«المهرجان»، الذين يسرفون في ابتداع الأغاني غير اللائقة والصادمة في أحيان عديدة.
وباء غنائي
برر الدكتور ياسر عبد العزيز حاجتنا للشيخ كشك بما يلي: لقد ظهرت طبقة من مؤدي «المهرجان» في العقد الأخير قوامها صبية وشبان في العقدين الثاني والثالث من العمر، معظمهم من مناطق شعبية، يؤدون نوعا من الغناء الذي ازدهر في الأفراح الشعبية، وعبر منصتى “تيك توك” و”يوتيوب”، ووجدوا رواجا وازدهارا، بحيث حقق بعضهم مئات الملايين من المشاهدات. وفي أكثر التقديرات محافظة، فإن مؤدي «المهرجانات» باتوا حقيقة ساطعة، ويحظون بجماهيرية تتخطى عشرات الملايين في مصر وخارجها، وباتوا يتمتعون بالطلب حتى في أكثر الأوساط رقيا على الصعيدين المالي والاجتماعي. ينبغي علينا أن لا ننظر إلى حالتي “الراب” و”المهرجانات” باعتبار أنهما حالة غناء فقط، لكنهما جزء من تعبير سياسي واجتماعي وثقافي يخص الأجيال الجديدة، ويعكس ذائقتها وتطلعاتها ويترجم انتماءاتها، كما أن هذا التعبير شق طريقه بسلاسة فائقة ليضحى جزءا من ثقافة الغناء لدى قطاعات وطبقات أخرى في المجتمع. ومن بين ما وجدته من عناصر لتلك الثقافة السائدة، سواء في “الراب” أو “المهرجان”، أو بعض الأغاني الجديدة، غياب واضح للوحدة الموضوعية، وشيوع لعدم الاتساق، وتهشم مزرٍ للغة بلهجاتها المختلفة، وإصرار على السجع المتكلف والقوافي المصطنعة، ودرجة من الإباحية مقلقة وغير مسوغة، ونبرات استعلاء وتجبر، ونزعة للتمييز، وفردانية تكره الجماعة وتشيطنها، وازدراء عميق بـ«الآخر».. أي «آخر»، وميل واضح للصدام واستخدام لغة العنف. لم يكن الشيخ كشك موفقا في استهدافه غناء أم كلثوم وعبد الحليم وغيرهما من عمالقة الفن، الذين أثروا ثقافتنا بصيغة غناء فريدة وعابرة للحدود، وباتوا أيقونات مصرية تجسد الألق الثقافي للبلاد، وترفد قواها الناعمة بعوامل البقاء والتأثير. لكن وجود “شيخ كشك” جديد اليوم، أكثر إخلاصا لفكرة الفن، وفهما لها، قد يكون مفيدا في حال ركز نيران مدفعيته الثقيلة على بعض أنماط “المهرجان” و”الراب” والغناء المسف والمبتذل، التي كادت أن تغرقنا في حالة غنائية سخيفة وبائسة.
الدور على الحكومة
“لا بد من مراجعة الموقف مع صندوق النقد.. لا بد من مراجعة الموقف مع الصندوق”.. من حديث الرئيس السيسي مؤخرا، اذ يؤكد حمدي رزق في “المصري اليوم” أن الرئيس كررها مرتين، في ما يشبه التنبيه الأخير، وكما يقولون «الثالثة تابتة»، يقينا لن نصبر على طعام واحد، حتما ولا بد من مراجعة البرنامج الإصلاحي مع صندوق النقد الدولي. مطلوب من الحكومة مراجعة وطنية تعنى بالمقاصد الوطنية العليا، لا تترجم تراجعا عن برنامج الصندوق، ولا فض شراكة، ولكن مراعاة لظرف اقتصادي ضاغط، من نواتج حروب إقليمية كلفت الاقتصاد الوطني ما يثقل حركته. مستوجب وضع هذه الظروف القاسية وتداعياتها الاقتصادية تحت أنظار خبراء الصندوق، أفقدت مصر من 6 إلى 7 مليارات دولار خلال 10 أشهر. (من حديث الرئيس). ومتوالية الخسائر أقرب إلى نزيف حاد؛ بند واحد، مصر تفقد شهريا نحو 600 مليون دولار لتأثر الملاحة في قناة السويس، بسبب هجمات الحوثيين. مصر لم تتقاعس يوما عن الإصلاحات الضرورية في عمق الاقتصاد الوطني، على الرغم من قسوتها، ولا يوما تأخرت عن سداد القروض رغم ثقلها، ولم تمار حكومتها في روشتة الصندوق، وتجرعت والشعب الدواء المر جرعات. مصر صابرة، من دون أن تتململ أو تطلب تعويضات دولية، يذهب الكثير منها إلى دول أخرى في الإقليم، ومصر تتحمل فوق هذا الغرم غرما مضاعفا باحتواء ملايين اللاجئين هربا من الحروب الأهلية في الجوار، وتوفر لهم ملاذا آمنا، المنحى الأخلاقي يكلف كثيرا، ومصر لم تتأفف، ولم تغلق حدودها، ولم تقم مخيمات للاجئين على أرضها، وتعاملهم معاملة تليق بمكارم الأخلاق. هل حسبها خبراء الصندوق، هل توقف أمامها الاتحاد الأوروبي الذي يدفع المليارات لمنع دخول اللاجئين إلى أوروبا.. كم يدفع الاتحاد الأوروبي لمنع الهجرة غير الشرعية.. وكم نصيب مصر؟ مصر دولة تحترم شراكاتها الدولية، ولديها سوابق معتبرة في التعاطي مع صندوق النقد، وبرنامج الإصلاح الاقتصادي قبل (كورونا) حظي بنجاح لافت في ظل ظروف اقتصادية عالمية مواتية، لم يتوفر مثلها لتنفيذ مقررات البرنامج الثاني الذي تلقى ثلاث ضربات قاسية؛ كورونا، الحرب الأوكرانية، حرب غزة. البرنامج الثاني للأسف يتعثر، نظرا لعدم الاستقرار العالمي اقتصاديا، وهناك تحديات شديدة الصعوبة، لهذا يجب أن يدرك صندوق النقد الدولي هذا الموقف جيدا.
العطش يداهمنا
يصل الهوس بالبعض، حسب سكينة فؤاد في “الأهرام” توهم تعطيش المصريين وحرمانهم من حقهم في مياه النيل، ويلعب الكيان الإرهابي الصهيوني الدور الأكبر في زرع الشقاق والخلافات، وللأسف تنقاد لجرائم الكيان الصهيوني جماعات منشقة لا تدرك آثار الصراع على شعوبها، وأن الوحيد الذي يخرج فائزا هو الورم السرطاني الصهيوني الذي يريد أن يمتد ما يرتكبه من جرائم حرب وإبادة وتجويع في غزة ولبنان إلى جميع الدول العربية، مستغلين من أوصلهم الصراع والخلافات ونقص الوعي الوطني لتوفير المزيد من أسباب الخلاف والانقسامات والحروب داخل بلادهم وخارجها، لذلك أقف في السطور المقبلة أمام ما يستدعي المتوافر لدينا من مقومات وعناصر الاستقواء بالذات. إن النداء الرئاسي لكل من يستطيع أن يصنع وينتج ما تستطيع مصر أن تنتجه وتصنعه يجب أن يحترم وينفذ ويحاسب كل مسؤول على عدم تطبيقه.. ما أكثر ما تساءلت مثل كثير من المصريين عن أسباب استيرادنا لسلع استفزازية، أو ما في مقدرة المصريين صناعته، ومن المسؤول عن سيطرة المستورد على الأسواق وعن الأرقام الضخمة للعملة الصعبة التي تدفع فيها، ويتجاوز الأمن الغذائى المتواضع للقاعدة العريضة، من الأكثر ألما واحتياجا من المصريين وللطبقة المتوسطة، التي نزلت تحت خطوط الفقر، بعد أن كانت رمانة ميزان الحياة والاقتصاد، وأين المصانع التي كانت تقدم أروع المنتجات المصرية ودون حاجة إلى استيرادها مثل الحقائب والأحذية والعطور والملابس القطنية الرائعة في جودتها وفي انخفاض أسعارها، أين وكيف ولماذا تراجعت هذه الصناعات والمنتجات المصرية الرائعة، وكيف سمحت الحكومة باستيراد ورق الفويل بـ500 مليون دولار بدلا من تصنيعه محليا؟ علاوة على مختلف ما يتم استيراده، من دون وجود قوانين تنظم هذا الاستيراد وتقصره على ما لا نستطيع تصنيعه وإنتاجه.
أطعمة لم نتذوق أغلبها
سؤال جدير بالبحث عن إجابة اهتمت به سكينة فؤاد: هل ملايين المصريين الذين يمثلون بصبرهم واحتمالهم لبلدهم، هم الذين وفق ما أعلن يستخدمون عطور مستحضرات تجميل بـ 500 مليون دولار، وسيارات بـ25 مليارا وحقائب يد بـ200 مليون وبعض أنواع الشوكولاتة بنحو 400 مليون دولار.. ووفق ما لم يتم نشره «كافيار وسيمون فيميه وأجبان مستوردة ومما يبدو أسماؤها غريبة وعجيبة والحمد لله على نعمة الجبن الأبيض، على الرغم من ارتفاع أسعار بعض أصنافه، والحمد لله أيضا على وجود أسواق شعبية تنخفض فيها الأسعار لمن يستطيع الوصول إليها، خاصة بالنسبة لأسعار الأسماك، رغم مساحات المياه التي نملكها ومزارع الأسماك والجمبري، كيف تصل إلى الأسعار التي تباع بها الآن، خاصة في سلاسل الأسواق الكبرى، وعلى الرغم مما نشر عن قرب الاكتفاء منها بإنتاج مليوني طن سنويا وأننا الأوائل افريقيا، وفي المرتبة السادسة عالميا في إنتاج الأسماك، وإنشاء مفرخات زريعة للأسماك البحرية والجمبري؟ ولن اكتب عن أسعار اللحوم التي تراجعت من على موائد أغلب المصريين، ولا تختلف عنها كثيرا أسعار البيض والدواجن والألبان، للأسف، أنه سعار أصاب الأسعار ويكاد يتنافس فيه المحلي مع المستورد ولا أنسى وسط ما أصاب أسعار الدواء، التي وفق ما نشر أيضا نستورد منها بما قيمته 23 مليار دولار سنويا بينما هناك نقص في المنتج المحلي، وتتضاعف أسعار ما يمكن العثور عليه، ولن أكتب أسماء علاجات لأمراض مزمنة لا يمكن الاستغناء عنها وما وصلت إليه أسعارها.
ومن البنزين ما قتل
رسالة مفعمة بالسخرية والغضب أطلقها أشرف عزب للدكتور مصطفى مدبولي في “الوفد”: عزيزي رئيس الوزراء تحية مغلفة برائحة “البنزين” من مواطن احترق بنيران أسعاره، مواطن يعلم حجم التحديات والمخاطر التي تحيط بنا، مواطن لا ينساق خلف معارضة هدَّامة، أو يتبع أكاذيب أصحاب الهوى، مواطن دهسته قطارات الغلاء فأضحت أقصى أمانيه أن يجمع أشلاءه وروحه المبعثرة على قضبان “مسارات التنمية وخطط الإصلاح”. أكتب إليك أنا المُطارد من شركات التسويق، وأنا المطرود من خطط بيع قطع الأراضي بالدولار، فيتخللني شعور بالعجز المطلق، متيقنا أن أحلام اليقظة هي طريق الهروب من هذا الواقع، مستيقظا من تلك الأوهام على ابتسامة حائرة مع كل اتصال يطالبني بالتبرع لكفالة يتيم أو إطعام جائع وكساء مسكين، كيف أفعل ذلك وقد صرت أنا كل ذلك في شخص واحد، وحالة واحدة هذا المواطن يسأل: كيف وصل بنا الحال إلى هذا التصريح الذي أعلنتم فيه أن الحكومة مضطرة لرفع أسعار “البنزين” وتحريك أسعاره تدريجيا حتى نهاية 2025، وأنتم تعلمون جيدا توابع هذا الارتفاع، وتأثير ذلك التحريك على حياتنا؟ من أين جاء هذا الاضطرار؟ ومن صاحب تلك السياسات التي أوصلتنا إلى هذه الضرورة؟ أجبني كيف وصل بنا الحال أن تصبح أقصى مطامحنا وآمالنا وأمانينا أن نعيش؟ وكيف صار “انتظام التيار الكهربائي دون انقطاع”، رغم ارتفاع فاتورة أسعاره، إنجازا تفتخرون به؟ ثم لماذا لم نحصد «ثمار الإصلاح» ومتى نقطف من تلك الثمرات؟ العيب فينا، أم في تلك المسارات التي اخترتموها لنا؟ أجبني يا دكتور مدبولي: كيف يمكن فك الارتباط بين أزمة نقص الدواء التي حدثت، وتصريح سيادتكم بأن مصر صدّرت العام الماضي أدوية بقيمة مليار دولار، ومتوقع العام الحالي كما أشرتم بأن تُصدّر بـ1.2 مليار؟ هل صدرنا ما نحتاج من دواء للحصول على الدولار؟ إن كان هذا صحيحا فكيف فعلتم ذلك؟ وإن كان خطأ، فلماذا لم تمنع التصدير لإشباع سوق الدواء تخفيفا عن المرضى؟ أجبني سيادة رئيس الوزراء: كيف يمكن لمواطن صدمه مصطلح “اقتصاد الحرب” الذي أعلنتم أنكم مضطرون إليه إذا تعرضت المنطقة لحرب إقليمية، أن يتوقع ما هو مقبل؟