روح الشِّـعـر ومنطق الإقصاء

حجم الخط
0

سعيدة تاقيحضور الشعر في بنية الثقافة العربية راسخ فعلاً. فالشاعر في العصر الجاهلي لم يكن لسانَ حاله بل لسان القبيلة؛ يشِيد بأيامها ويخلّد أمجادها ويحمي أعراضها. ولذلك كانت القبيلة إذا نبغ فيها شاعر أتتها القبائل مهنِّئة. لكن مع انطلاق علوم اللغة والنقد والبلاغة والفقه والتفسير والحديث والفلسفة بدءا من أواخر القرن الثاني الهجري وتشييد الدواوين وبروز مكانة الكاتب، تراجع وضع الشاعر المبجَّل وتحوَّل إلى صانعٍ مبدع يجيد اللغة ويبدع في تشكيل صورها، خاضعاً لسياق التداول الذي يملي عليه النموذج المكتمل وشروطه في كل أغراض الشعر.وغير بعيد عن ما نعته جمال الدين بن الشيخ بمفهوم ‘القدامة الجديدة’، وهي المدرسة التي يراها صالحة للفترة الممتدة من القرن الثالث حتى القرن الرابع عشر الهجري، يبدو أن الشعر قد ظلّ حاضراً طيلة هذه القرون مراوحاً بين ثوابته وتحولاته، مراهناً على إشعاعه المواكب لكل الأجناس الإبداعية التي حايثـته أو بزغت في ظل حضوره الراجِح من أدب المقامات والنوادر والأمثال والسرد والنثر الترسُّلي والمناظرات والرحلات والسير، والرواية والقصة والمسرح والمقالة وغيرها. لم يُطرح في أي لحظة من ذلك المسار الإنتاجي الممتد في الثقافة العربة، سؤال صراع الأجناس الأدبية. ورغم أن الشعرية العربية لم تشيِّد نظريتها وإنما بـنتْ على متن الشعر حواشي العلوم المختلفة، التي استدعاها الانتقال من ذاكرة الحفظ والرواية إلى طور الكتابة والتقييد. فإن المفاضلة كانت في ذلك السياق محسومةً للشعر لأنه النتاج الأول. غير أنّ ما بلَـغـنا من صورة الشعر الجاهلي لا يعني أن مفهوم الشعر، وفق ما كان شائعاً، لم يكن يملك إلا تلك الصورة الوحيدة، بل إن الغلبة كانت للأقوى الذي رسّخه الدرس اللغوي لاحقاً لحظة جمع المتن اللغوي بالرواية والمشافهة والاستقراء.ماذا بعد كل هذا، عن لحظتنا التي تصرّ على وضع الشعر في مواجهة الرواية ضمن حلبة صراع مصطنَع، يغدو أمامها المتلقي مشاهداً يتابع عن بعد دون مشاركة فعلية؟الشعر لم يعد جماهيرياً مثلما كان في الغنائية العربية والملحمية الإغريقية اللاتينية والتراث الإبداعي لشعوب عديدة. أمّا الرواية فتُـثْـبِتُ جماهيريتها الآن عالمياً يوماً بعد يوم . أيعني ذلك أن الشعر لم يعد الأنسب للتعبير عن ضمير الأمة؟لا شك أن حلقات الشعر الحيّة تنتِج مسالك بقائها وخلودها في كل الأزمنة، ذاك ما يقوله ثباتُ منظومة الشعر المتطورة في كل مسارات الإنتاج الإنساني الممتدة.الذي لا يرغب في التغيُّر هو منطق الإقصاء. كان في زمن سابق يشتغل علناً لصالح الشعر، واليوم يشتغل في الخفاء لصالح الرواية.في ظل غياب الدراسات السوسيوثقافية للقراءة ولتداول الكِتاب، وهي في واقع الأمر إمكان ممتنع لكون فعل القراءة الرّاسخة بدورها إمكان ممتنع تمنعه الأمية والانشغال بالعيش ونخبوية الثقافة، لا يمكن الحديث عن وضع الشعر على مستوى التلقي والقراءة، عِلماً بأنّ الشعر لسبب تعرفه فحسب سطوة الناشرين العرب قد غدا عدوَّ المطبعات.العالم الرقمي لا ينفث الكراهية ضد الشعر والتقنيات المتلاحقة لا تكيل له الحقد، بل على النقيض، الوسائط المتعدِّدة التي تشغل الناس اليوم تقتات في إنتاجاتها الجماهيرية على الشعرية، غير أن عين التلقي لا تدرك ‘القصائد العديدة’ التي يبدِعها الشعر بروحه العظيمة المعطاء، خارج ما ينعته النقاد الأجلّاء بـ’جنس الشعر’.*كاتبة وناقدة من المغرب، الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية عن فرع النقد.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية