روح راشيل كوري البدوية الأمريكية تحلق في مسرح لندن
خالد الحروبروح راشيل كوري البدوية الأمريكية تحلق في مسرح لندنكأنما يُحظر علي الألم الفلسطيني أن يتواجد علي مسارح نيويورك، إذ ينقض أحد مسارحها عقداً بعرض مسرحية إسمي راشيل كوري ـ My Name is Rachel Corrie. تعود المسرحية إلي بريطانيا حيث أعدت وولدت ومثلت. إن مات الضمير في الفن فتلك نهاية النهايات. قد ينتهي في السياسة، وقد ينتهي في المال، وقد ينتهي كل مكان، وربما قد انتهي جله فيها جميعاً. لكن أن يموت ضمير الفنان، والشاعر، والروائي، فهو الكارثة الإنسانية الحقيقية … ولحسن الحظ لم تقع بالكامل حتي الآن! عدل الصوت الذاوي لأنين الضعيف أعلي وأحد مضاءً من قرقعة سلاح القوي. لهذا يتوتر القوي في كل حال ومكان ينبس فيه الضعيف ببنت ألم. ظلام مسرح ما خضع لصوت المجرم في نيويورك بدده أنين الضحية العادل في مسرح آخر في لندن، حيث عرضت المسرحية. صدأ قلوب اصحاب الفن هناك، عوضته نصاعة قلوب نظراء لهم هنا. آلان ريكمان المخرج والممثل البريطاني المسيس هو صاحب الفكرة وهو مخرج المسرحية. يقول: أردنا أن نعرف ما الذي دفع فتاة بمثلها وفي عمرها لتتحدي نمط الحياة الاستهلاكية المحيط بها وبمثيلاتها في حياتها الهانئة في أمريكا. ما الذي قادها لأن تتسيس وتبحث عن مناصرة العدل. غاص ريكمان في 184 صفحة من يوميات ورسائل راشيل كوري لذاتها ولوالديها ولأصدقائها، ورسم باقتدار سجله له كثيرون هنا خلاصة الشخصية التي تعرف عليها من خلال ممثلة مبدعة، ميغان دودس. هذه مسرحية مسيسة والتحدي الذي خاضه ريكمان تجسد في نقل ما كانت تهجس وتفكر به راشيل كوري كما هو للمشاهد، عن طريق إطلاق نصها، وتركه يتحدث، من دون إدخال شخصيات أخري علي المسرحية يمثلون شهود عيان رافقوا راشيل في حياتها أو قبيل استشهادها. ساعة ونصف وميغان تتوحد بإبداع في شخص راشيل، فتُضحكنا، وتبكينا، تشاركنا أحلامها الصغيرة، وتتسلل إلينا بطموحاتها الكبري لتغير العالم. انتزع المخرج والممثلة المبدعة والمسرح الذي أنتج العمل تحية العدل الإنساني والتضامن ضد الظلم كيفما وحيثما توحش.هي إذن الشهيدة الملاك راشيل كوري. نتعرف علي روحها عن قرب: عاشقة للتمرد، للتنقل، لمساءلة ما حولها. يتذكرها أصدقاؤها إذ كانت تحيد عن القطيع: تتوقف، تتأمل، ثم تنتقد ما تراه عالية الصوت والنبرة. من يوم كانت في العاشرة من عمرها تفجرت الأسئلة من حولها، فكتبت وتساءلت: كيف ولماذا يموت آلاف الأطفال الفقراء ممن هم في عمرها، فيما هي وأقرانها يفيضون بالحياة والرفاه. ما فتئت تقارن رتابة حياتها الوردية في غرفتها المزركشة محاطة بوالدين دافئين في مدينة أولمبيا الأمريكية، بحياة ناس هناك وراء الحدود يريدون مساعدتها. تتخطي عتبة العشرين من العمر وهي تحمل كل طموحات الشباب، تريد أن تجعل العالم أكثر عدلا وجمالاً وأقل فتكاً وقتلاً. نتأملها علي خشبة هذا المسرح اللندني تقرأ يومياتها، وتتأمل في فضاء لانهائي، تقول: علي أن أذهب إلي حيث يعاني الناس، أن أعيش معهم، أن أشعر بهم، وأن أقول لهم إننا نختلف عن سياسيينا وعن عسكريينا وفي قلوبنا ضمائر وحزن وتضامن معكم. كيف يمكن أن يضحي أناس في فلسطين ويستخدموا أجسادهم دروعاً بشرية، وأنا هنا أصنع دمي أرانب وأتوه بسخافات حياتي؟ ذهبت هناك قدمت جسدها درعاً بشرية، عمدت أرض رفح بدم إضافي، وعادت إلي السماء. كل نشاطها ضد الحرب وضد سياسة حكومتها لم يعد يشبعها في مدينتها، حيث ولدت وعاشت، وبدأ تيقظها. التقطت رسالة من صديق لها جاء إلي غزة وكتب لها يجب أن تأتي لتري ما رأيت: لن تصدقي. قررت للتو وطارت راشيل كوري إلي رفح لتعانق أطفالها بعد أن تعرفت علي حظر التجول و نقاط التفتيش و الدبابات . هناك طالت قامتها: قديسة تمارس تمردها وبداوتها وغضبها الإنساني الفوار في وجه دبابات التوحش وبلدوزرات الموت. ترزع جسدها اليافع في أرض رفح ما بين البيت المهدد بالتدمير والبلدوزر الذي يجرف الحياة ويرص الموت علي أنقاض البيوت. اللحم الطري يحاول إيقاف البلدوزر المتقدم، وصوت راشيل في مكبر الصوت يصرخ توقف توقف توقف. عيون المجرم القابض علي مقود البلدوزر تخترق عيون راشيل، هذا الملاك البدوي القادم من عمق جوهرنا ليعلن أن لا تكافؤ بين لحم الأطفال وفولاذ الدبابات. كان يغيظها دوماً وأبداً أن يوصف صراع الفلسطينيين مع أعدائهم وكأنه صراع أنداد. هتفت ضد الظلم الذي يتعرض له أطفال فلسطينيون بلا ذنب. في قلب لندن الباردة وطوال أسبوعين، عادت روح راشيل كوري إلي الحياة. في كل ليلة كانت روحها تهدهدنا علي مدار ساعة ونصف ينبعث فيها ألق للحياة انفلت من قدر الموت المحتوم علي ناصية بلدوزر بشع. ها نحن نتسلل إلي يومياتها فننبش في ضحكاتها وخططها وبدايات مشوارها في بيتها ومدرستها ورغبتها في أن تصبح كاتبة، وهوسها بتسجيل يومياتها وتفاصيل مشاعرها، ثم عادتها في أن تكتب قائمة بما تريد أن تعمل في اليوم والأسبوع والسنة والحياة. تعود إلينا، أو نعود إليها، بعد سنوات ثلاث علي رحلة روحها التواقة للتنقل، تقول: أشعر بأني روحي بدوية، لا تستقر. تسجل في يوميات رفح رغبتها في أن تذهب لمصر أو دبي لتتعلم العربية وتوفر بعض المال، ثم تعود إلي فلسطين. صارت فلسطين رغبة ولعنة في نفس الوقت، تقول: سأشعر بالذنب الكبير إن غادرت هذا المكان وتركت الموت يحصد هؤلاء الناس المدهشين. في دفتر يومياتها في رفح، وفي رسائلها الإلكترونية إلي أمها، تنقل راشيل تفاصيل الموت المحيط بالفلسطينيين لرأي عام غربي لا يعرف شيئا مما يحدث فيتضامن مع المجرم عوضا عن الضحية. يوماً بيوم ترصد: اليوم علي حاجز رفح، الساعة الثانية عشرة والنصف، خمس نساء وأطفالهن، الجنود الإسرائيليون يتهكمون عليهن، يبقونهن ساعتين ونصفا، الأولاد يبكون، الشمس حامية. بعد ساعتين يسمحون لهن بالعبور. الطابور صار أطول. الجنود يجلسون ويشربون الشاي ويقهقون، الطابور الفلسطيني يصير أطول.تسكن مع عائلة فلسطينية في رفح مقيمة في بيت مهدد بالتدمير. غرفتان من البيت لا تستخدمان بسبب ما لحقهما من قصف. العائلة الكبيرة تنام في غرفة الوالدين. راشيل تنام علي الأرض مع إحدي بنات العائلة الصغيرات. تكتب لأمها: أشعر بالضيق وبكوني عبئا علي هؤلاء الناس. يدهشونني بصمودهم وأخجل من لطف تعاملهم معي واهتمامهم بي رغم أنهم محاصرون بالموت في كل لحظة. إن بقوا في بيوتهم قد تحصدهم البلدوزرات، وإن خرجوا منها تنتظرهم الدبابات. هذا قدر رفح الواقفة علي الحدود، يسجنها السجان وراء جدار ارتفاعه إثنا عشر مترا. كل ما آمله هو أن أستغل بشرتي البيضاء وكوني أجنبية فأحرج الدبابة والبلدوزر الإسرائيلي فلا يقوموا بقتل الناس وهدم بيوتهم. أملها داسه البلدوزر. في رد علي رسالة إلكترونية لصديق لها يسألها عن أخبارها وكيف هو الوضع في فلسطين مستشيراً إياها بالقدوم تمازحه وتغريه بالقدوم، ثم تقول له: لا يمكنني وصف الوضع هنا بالكلمات، لا يمكن أن تعرف ذلك إلا بالعيش فيه: فتعال هنا، تعال هنا، تعال هنا، وكتبت تعال هنا عشرات المرات! هو صوت العدل النقي الطالع من فلسطين ومن القلوب النقية لكل العالم. كاتب واعلامي من فلسطين يقيم في لندن0