روسيا استثمرت حرب أوكرانيا للتمدد في الساحل والصحراء

رشيد خشانة
حجم الخط
2

الأرجح أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ستؤثر تأثيرا كبيرا في منطقة تبدو بعيدة جغرافيا عن ذلك الصراع، هي منطقة الساحل والصحراء. ولوحظ في الفترة الأخيرة تكثيف للحضور الروسي في عدة بلدان أفريقية، بالرغم من انشغال الكرملين بتطورات الحرب في أوكرانيا.
وزاد عدم الاستقرار الأمني وتوالي الانقلابات في بلدان الساحل من تصميم الدول الأوروبية على السحب التدريجي لقواتها العاملة في إطار قوة «مينورسو» وبعثات عسكرية أخرى، ما ضاعف من الفرص المُتاحة لتعزيز الوجود الروسي، على جميع الأصعدة. ويُعزى عدم الاستقرار إلى كثرة الانقلابات العسكرية في السنتين الأخيرتين، إذ استحوذ الجيش المالي على الحكم في آب/اغسطس 2020 ثم في انقلاب ثان في أيار/مايو 2021.

«فاغنر» الشاغل الأول

كان الاتحاد الأوروبي يُتابع تلك التطورات عن كثب، وما شغل باله في المقام الأول، هو الحضور المتزايد لعناصر المجموعة الأمنية الروسية «فاغنر» في مالي، استجابة لدعوة من المجلس العسكري الحاكم. وتعاونت تلك العناصر مع ضباط الجيش المالي، الذين تلقوا تكوينهم في بلدان أوروبية. وكانت دول الاتحاد الأوروبي انتدبت مئات من العسكريين والخبراء في مهمتين تدريبيتين في مالي، واحدة موجهة إلى العسكريين والثانية إلى رجال الشرطة. وتم تمديد فترة المهمة الأولى إلى 18 أيار/مايو 2024 فيما مُددت الثانية إلى أواخر كانون الثاني/يناير 2023.
وقرر الاتحاد الأوروبي في الحادي عشر من شهر نيسان/أبريل وقف جميع برامج التكوين والتدريب العسكري في مالي، مع البقاء في منطقة الساحل ومعاودة الانتشار في البلدان المُجاورة لمالي، بحسب ما أعلنه مفوض العلاقات الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بورال. واعتبر بورال أن تطور الأحداث هو الذي «أكره» دول الاتحاد على اتخاذ ذلك القرار، لكونها لم تحصل على ضمانات من الحكام الجدد. وكان هذا الموضوع محور اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أخيرا في لوكسمبورغ. وفي تلك المناسبة أكد الأوروبيون أنهم لن يوقفوا دورات تكوين الضباط المحليين على قوانين الحرب وقواعدها.

وضوح ألماني

وكان الألمان أكثر وضوحا إذ أبدوا رغبتهم في سحب قواتهم من مالي، وهي قوات كانت تعمل في إطار خطة التدريب، بالاشتراك مع بعثة الأمم المتحدة المندمجة لتحقيق الاستقرار في مالي، المعروفة باسم «مينورسو». وفي هذا الإطار زارت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بايربوك مالي حيث اجتمعت مع رئيس المجلس العسكري. وهي تقول إنها تحتاج إلى زيارة ميدانية لمعرفة الوضع السياسي والأمني الحقيقيين على الأرض، لكي تقرر ما إذا كانت ستُبقي على القوات الألمانية في مالي أو تسحبها. ويشارك في مهمة التدريب الأوروبية بمالي حوالي 300 جندي ألماني، فيما يشارك 1100 جندي آخرين في عملية «مينوسما» المؤلفة من 14000 عسكري وشرطي.

مذبحة مورة

أكثر من ذلك طلب الأوروبيون إجراء تحقيق مُحايد في الأحداث التي جدت في مدينة مورة في وسط مالي بين السابع والعشرين والحادي والثلاثين من آذار/مارس الماضي، إذ أن الجيش المالي يؤكد أن هذه العملية استهدفت القضاء على ما بين 200 و400 من «الجهاديين» خلال عملية عسكرية واسعة النطاق. بينما يُلح الأوروبيون على أن الأمر يتطلب إجراء تحقيق مُحايد، بناء على الشهادات التي تحدثت عن إعدامات بالجملة لمدنيين على أيدي قوات مالية كانت مرفوقة بـ«مقاتلين أجانب» لم تُحدد الشهادات جنسياتهم، ولكن يُعتقد أنهم من شركة «فاغنر» الروسية. أما الأمم المتحدة فقالت إنها فتحت تحقيقا في ما تعرض له سكان مورة، التي تُصنف على أنها أحد مواطن الجماعات العنيفة في منطقة الساحل والصحراء، من دون الافصاح عن نتائج التحقيق حتى اليوم.
وهذا يعني احتمال التصادم بين عناصر «فاغنر» والقوات الأوروبية، التي استدعتها دولُ الساحل لمساعدتها على احتواء الجماعات المسلحة وشبكات التهريب في المنطقة. وقد أرسل الاتحاد الأوروبي مئات من العسكريين والخبراء إلى مالي، في إطار الدورات التدريبية للجيش والشرطة المحليين. مع ذلك رفضت السلطات التعاون مع الأمم المتحدة، بل ومنعت المحققين من الوصول إلى مدينة مورة.

حُماة الرؤساء

ويزداد انزعاج الغربيين من التمدد الروسي في المنطقة، مع تواتر معلومات عن دور عناصر «فاغنر» في حماية بعض الأنظمة الأفريقية، وهو تمدُدٌ لم يُخف الأمريكيون إصرارهم على احتوائه. والأرجح أن الأدوار التي باتت تلعبها عناصر «فاغنر» في الساحل والصحراء، ستُلقي بظلالها على علاقة واشنطن بالجنرال المتقاعد خليفة حفتر. فبعدما كانت واشنطن تُجامل القائد العسكري للمنطقة الشرقية، ولا تنتقد علنا اتكاله على قوات «فاغنر» الروسية، ستجد نفسها مضطرة لمحاصرة الانتشار الروسي، في سياق لعبة العقوبات والعقوبات المضادة في الحرب التي تشنها على أوكرانيا.
وتؤكد غالبية التحاليل الأوروبية لمجريات الحرب في أوكرانيا أن التقليل من الاعتماد على الغاز الروسي يشكل أولوية لدول الاتحاد. وهم يطرحون، تعويضا لشراء الغاز الروسي، فكرة تشكيل «المجموعة الأوروبية المتوسطية للطاقة» مثلما اقترح ذلك جان لوي غيغو مؤسس «معهد الدراسات الاقتصادية المستقبلية للعالم المتوسطي» ومقره في مدريد. ويرى غيغو أن الحرب الراهنة تقتضي إيجاد استراتيجيا سياسية واقتصادية تُحرر أوروبا من التبعية للغاز والنفط الروسيين، وتجعلها تلتفت إلى أفريقيا، التي تعاني من تفاوت كبير بين الزيادة السريعة في عدد السكان ونمو اقتصادي متواضع. ومن ضمن هذه الاستراتيجيا ينظر الأوروبيون إلى الدور المحوري للجزائر وفرنسا على أنه صنوُ المحور الألماني الفرنسي في الاتحاد الأوروبي.
وهذا المشروع، الذي يُضايق روسيا كثيرا، ليس بالجديد. ففي العام 2011 دعت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن إلى إنشاء مجموعة الطاقة بين الاتحاد الأوروبي وجنوب المتوسط، «الذي يبدأ بالبلدان المغاربية، ثم يتوسع إلى بلدان المشرق» على ما قال.

الأنبوب الأول

ويقول الإيطاليون إنهم من المنخرطين الأوائل في هذا المشروع الإقليمي، منذ مد أنبوب الغاز «ترانسميد» في العام 1985 الرابط بين الجزائر وإيطاليا، عبر تونس والبحر المتوسط. وهو ما أكده رئيس مجلس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي خلال زيارته الأخيرة إلى الجزائر. وتُقدر طاقة الأنبوب، الذي أطلق عليه اسم رجل الدولة الإيطالي الراحل أنريكو ماتيي، بـ32 مليار متر مكعب، لكنه لا ينقل حاليا أكثر من 22 مليار متر مكعب فقط. وسيرتفع حجم الصادرات بـ3 مليارات متر مكعب إضافية، بناء على اتفاق جديد بين مجموعتي «سوناتراك» و«إيني» مع تعهد الجزائريين بعدم الترفيع في الأسعار. وتؤمن الجزائر حاليا 27 في المئة من حاجات إيطاليا للغاز الطبيعي.
وتسعى بلدان أوروبية أخرى، بينها فرنسا وإسبانيا والبرتغال، للنسج على منوال الإيطاليين، لكن الخبراء يرون أن طاقة التصدير الجزائرية لا تسمح حاليا بالاستجابة لطلبيات ضخمة بشكل يُعوض الغاز الروسي. ويُشير الخبراء أيضا إلى أن احتمال تحوُل الجزائر إلى مُصدر محوري للطاقة في المتوسط، من شأنه أن يُزعج حليفا مُبجلا هو روسيا، خصوصا في ظل تخصيص الجزائريين استثمارات ضخمة لتطوير قطاع إنتاج المحروقات. وأتى التعبير عن حرص الطرفين الجزائري والروسي على استمرار التحالف بينهما من خلال المكالمة الأخيرة بين الرئيسين عبد المجيد تبون وبوتين، والتي استمرت أكثر من ساعة.

في غضون عشر سنوات

وقدر الخبير غيغو ان الضفة الجنوبية للمتوسط (الجزائر وليبيا) قادرة، في غضون عشر سنوات، على التعويض عن الغاز المستورد حاليا من روسيا، بواسطة المحروقات في مرحلة أولى، ثم بالاعتماد على الطاقات المتجددة لاحقا. أما أنبوب الغاز الجزائري الإسباني فتوقف عن الضخ، بعد ما قررت الجزائرعدم تجديد عقد استغلال الخط، في أعقاب قطعها العلاقات مع المغرب في آب/اغسطس الماضي.
ويميل بعض المحللين الغربيين إلى اعتبار التأخير في إقامة مجموعة الطاقة الأوروبية المتوسطية خسارة للطرفين. ويعتقدون أن مثل هذا الرهان قابل للتجسيد في غضون السنوات العشر المقبلة، بما يُحقق الاستغناء عن الغاز الروسي، بواسطة المحروقات في مرحلة أولى، ثم بالطاقات النظيفة بعد ذلك. وتتعهد أوروبا وفقا لهذا السيناريو، بتزويد بلدان شمال أفريقيا من المغرب إلى مصر، بالقمح، مع الالتزام بمساعدتها على معاودة هيكلة قطاع إنتاج القمح المحلي.

التحدي الأمني

بالاضافة إلى هذا التحدي الاقتصادي تُواجه بلدان المنطقة تحديات من نوع آخر، تتعلق بالأمن والاستقرار الإقليميين، فقد تحدثت الأنباء الآتية من مالي عن تزايد عناصر «فاغنر» في منطقة تومبوكتو، إذ ما أن سحبت فرنسا في كانون الأول/ديسمبر الماضي قواتها، التي كانت منتشرة في شمال مالي، حتى انتشر الروس في قاعدة تومبوكتو، حيث تولوا تدريب القوات المحلية. وأكد ناطق باسم الجيش المالي أن قرابة خمسين من المُدربين الروس وصلوا أخيرا إلى شمال مالي واستقروا في العنابر التي كانت تشغلها القوات الجوية المالية، وليس في العنابر التي كان يُقيم فيها الجنود الفرنسيون.
وحذرت باريس، المُغتاظة بشدة من الانتشار الروسي في إحدى مناطق نفوذها الهامة في أفريقيا، وكذلك حُلفاؤها الأوروبيون، سلطات باماكو من السماح لعناصر «فاغنر» بالانتشار في أراضيها. لكن الأخيرة أكدت أن الأمر يتعلق بجنود نظاميين روس أتوا بموجب اتفاقات دفاعية سابقة بين الحكومتين. وشملت تلك الاتفاقات بيع طائرات وأسلحة ومعدات حربية روسية لمالي. وقالت السلطات إن التدريب على الأسلحة الجديدة «أقل كلفة هُنا مما هو هناك (في روسيا)».
ومن المُتغيرات المتوقعة جراء تداعيات الحرب الأوكرانية، وما رافقها من احتداد في الخلافات بين واشنطن وموسكو، تأثُر علاقات أمريكا باللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي بات في موقف حرج بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا. فقد كانت واشنطن على استعداد لغض الطرف عن الدعم الروسي للرجل القوي في المنطقة الشرقية واستدعائه عناصر «فاغنر» إلى ليبيا، لكن مصادر عليمة تؤكد أن واشنطن وحلفاءها باتوا يعتبرون رحيل هذه القوة الروسية أولوية الآن، وهم لن يغضوا الطرف عن هذه العلاقة، إذا ما استمرت بالزخم نفسه مستقبلا.

محاولة اغتيال زيلينسكي؟

ونقلت وسائل إعلام غربية عن قوات «فاغنر» المرابطة في بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى أن عيونها تتطلع حاليا إلى أوكرانيا حيث تدور رحى الحرب توقعا لاستدعائها إلى هناك. ووضع عناصر «فاغنر» على حسابهم في تطبيق «تليغرام» صورا تتحدث عن «انتصارات» الجيش الروسي في أوكرانيا، بما فيها المُعدات الحربية المدمرة أو التي وقعت بأيدي الروس. وأوردت صحيفة «ذي تايمز» أن مقاتلين من مجموعة «فاغنر» تم نقلهم من بانغي إلى ساحة الحرب في أوكرانيا، وتم تكليفهم باختراق دفاعات الأوكرانيين. وهناك من ذهب إلى حد القول إن المهمة التي كُلفوا بتنفيذها هي اغتيال الرئيس فلودومير زيلينسكي.
لا يقتصر التوغل الروسي على أفريقيا الوسطى ومالي، بل إن رئيس المجموعة إيفغيني بريكوجين، رجل الأعمال المقرب من بوتين، يتردد باستمرار على الخرطوم، حيث يحتفظ بعلاقات متينة مع كبار رجال النظام. وهو الذي كان وراء المصالحة التي تمت في العاصمة السودانية، بين رئيس أفريقيا الوسطى تواديرا وست حركات تمرد تُعارضه. وحسب الباحث ماتيو أوليفيي فإن الذي يقود فريق الحماية الشخصية للرئيس تواديرا ليس سوى فيتالي برفيلاف قائد عمليات «فاغنر»، كما أن المستشار الأمني للرئيس هو فاليري زخاروف، الذي أشرف على بناء مقر القيادة والتدريب في مدينة بيرينغو، وهي مقر إقامة السلاطين السابقين.
ليست روسيا القوة الوحيدة التي تتوغل في الجغرافيا الأفريقية، على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، وإنما تُنافسها، في صمت، كل من الصين وإسرائيل وتركيا وحتى إيران. وستتم معاودة تشكيل الخريطة الإقليمية في المستقبل، بما فيها ليبيا، في ضوء مآلات ذلك الصراع الدولي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية