روسيا القيصرية والأرض المقدسة: الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية

حجم الخط
4

أوردت دوريات وتقارير البعثات الدبلوماسية الروسية في الشرق الأدنى ونشرات الكنيسة الأرثوذكسية، أواخر القرن التاسع عشر، معلومات ذات شأن بالغ عن تعاظم سيل الحجاج والمحسنين الروس الذين أمّوا الأراضي المقدسة في فلسطين ومصر وسوريا، وظهور تبادل تجاري نشيط بين روسيا وبلدان المشرق العربي، بعد أن تمكنت روسيا القيصرية من توسيع دائرة علاقاتها الدبلوماسية والروحية مع الولايات العربية العثمانية. وحينها بدأت سفن شركة الملاحة والتجارة الروسية، التي تأسست عام (1857)، تتردد بانتظام على الموانئ العربية في مصر وبلاد الشام وسواحل الخليج العربي.
بيت لحم من الأرثوذكسية إلى الكاثوليكية
من غير الممكن تجريد البعثات الروسية، إن الدينية منها أو التنويرية، من توجهات سياسية طموحة للدولة القيصرية، وميول تبشيرية ناعمة للكنيسة الأرثوذكسية الأكثر تطلعاً إلى الأرض المقدسة. الأمر الذي أوجب استنفار همم السفارات والبعثات الدبلوماسية، والإمكانيات المعرفية والصلات الدينية والعرقية، والكشوف الجغرافية الأثرية، والممتلكات الباذخة للمؤسسات الأكاديمية وجمعيات الكنيسة الأرثوذكسية، واستثمارها في نشر القيم الروحية والأفكار التجديدية للحضارة الروسية الحديثة ببعديها الديني والعلماني في بقاع العرب المقدسة، موطن الإيمان الأرثوذكسي، الذي أصبح في القرون الماضية موضع حملات تبشير لبعثات كاثوليكية تمكنت من إغراء غالبية سكان بيت لحم، مهد السيد المسيح (عليه السلام)، التي عانت من جسامة الفقر والإهمال، في اعتناق الكاثوليكية. أما قصة تحول أهالي بيت لحم إلى هذا المذهب النصراني بعد أن كانوا أرثوذكس نقرأ عنها في كتاب (رحلات في الأراضي المقدسة ‘1723-1747’) للحاج فاسيلي بارسكي (1701- 1748) ما هو آت: (في السابق كان سكان بيت لحم يعتنقون الأرثوذكسية ولكن بعد أن جاء إليها رهبان من روما بدؤوا إدخال أهلها في ملة الكاثوليك. وسمعت بأن الرهبان مالوا إلى إغراء الفقراء من أهل المنطقة بالهدايا وعن طريق توزيع النقود والصدقة، غير أن قسماً من العرب بقوا مخلصين للأرثوذكسية وهم قليلون.).، كل تلك المعارف والإمكانيات تم إدراجها، أولاً؛ في ملف سياسة توسيع مصالح ومطامح روسيا القيصرية في ولايات السلطنة العثمانية الثّرية بإرثها الحضاري المديد؛ السومري- البابلي، والفرعوني، والإغريقي- الروماني- البيزنطي، والنبطي- العربي- الإسلامي، والعثماني، وتنوع مكوناتها الدينية وتركيبتها العرقية وثيقة الصلة بالعقيدة الأرثوذكسية وميراثها الروحي والعمراني، والنفاذ إلى ملل ونحل غدت دمية في يد دول مستكبرة جشعة. وثانياً، في التنافس الجيو- سياسي الأوروبي المكين في تعارضه وتجاربه العدوانية ونزوعه النهم نحو السطو والاستحواذ على ولايات المشرق العربي الآيلة إلى الانفصال والاكتفاء الذاتي، بكل ما لها من ميراث وافد من أعماق تاريخ حضري فائق التنوع، وثروات طبيعية بكرة، وبؤس حال أقوامها وطوائفها التي جمعها الله والوطن رغم هشاشة وشائجها، وإهمال الحاكم في نهوض وتطور مجتمعاتها، ومسؤوليته عن ضحالة المعارف وتفشي الجهل والتخلف التاريخي الساحق في ديارها، وترهل الهرم الإداري وفساده وهوان البناء الاقتصادي والاجتماعي، وندرة التقنيات والمنتجات العصرية.
التقارب الروحي والنشاط التنويري
ساهمت تلك الميول الدينية والتوجهات السياسية لحكومة القياصرة الروس، بما حوته من رؤى علمانية، في إنشاء الجمعية الإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية في الأرض المقدسة يوم (21/أيار/1882) بإشراف الرحالة الروسي فاسيلي خيتروفو، مؤلف عشرات الأبحاث والدراسات التاريخية عن فلسطين وبلدان الشرق الأدنى. وأثناء تأسيسها، كانت تسمى الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية إلى أن مُنحت التسمية الفخرية (الإمبراطورية) عام (1889)، أعلنت أنَّ هدفها تعضيد التقارب الروحي والتنويري ودعم الأرثوذكسية في الأرض المقدسة عبر (بناء وإعانة المعابد، والمدارس ودور المعلمين، والمؤسسات الطبية)، وتنظيم وتدبير شؤون الحج الأرثوذكسي الروسي إلى الأرض المقدسة، والأعمال والمطبوعات العلمية والنشاطات التنويرية من خلال (جمع ودراسة ونشر معلومات في روسيا عن الأماكن المقدسة في الشرق، واقتناء المخطوطات والكتب، وإقامة المعارض، وتنظيم المحاضرات والبعثات الدينية والأثرية). وفي حقبة (1918-1992) أُلحقت الجمعية بأكاديمية العلوم الروسية (لاحقاً أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي) وكانت تعمل باسم (الجمعية الروسية الفلسطينية). وفي الخامس والعشرين من عام (1992) أصدرت رئاسة المجلس الأعلى لروسيا الفيدرالية قراراً بوضع الجمعية تحت حماية السلطة القضائية لروسيا الفيدرالية بصفتها منظمة اجتماعية دولية، وإعادة اسمها التاريخي.
وتشير مصادر الجمعية إلى أنَّ المؤرخ خيتروفو زار فلسطين في مستهل ثمانينات القرن التاسع عشر، وقام بجمع أدبيات قيمة شملت كتب ومخطوطات ودوريات عن الأرض المقدسة، ورثتها الجمعية بعد وفاته. والمعروف أن المؤرخ خيتروفو هو الذي أصدر العدد الأول من (المجموعة الفلسطينية) قبل تأسيس الجمعية بعام واحد. ويخبر العلامة الناصر لقضية فلسطين العادلة يفغيني يفسييف في كتابه (فلسطين في شراك الصهيونية) أَنَّ أعداد (المجموعة الفلسطينية) بلغت حتى عام (1917) تسعين مجلداًً. ومن بين العلماء والأدباء الروس الذين أشرفوا على نشاطات الجمعية؛ فيليبوف، كوتوزوف، أوليانتسكي، بونوماريوف. ووصل عدد أعضاء الجمعية مطلع القرن العشرين نحو خمسة ألاف منتسب بينهم الكثير من عامة الناس. وتركز اهتمامها العلمي والدولي على دراسة تاريخ العلاقات الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية بين روسيا وبلدان الشرق الأدنى منذ العصور القديمة.، هذا وكان للجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية والكنيسة الأرثوذكسية والمحسنين الروس الفضل الأعظم في شراء الأراضي في فلسطين وسوريا ولبنان وبناء شبكة واسعة من الكنائس والأديرة والمستشفيات ومقار لإقامة الحجاج الروس والمدارس ودور المعلمين ظلت تتسع باطراد حتى فاق عددها قُبيل الحرب العالمية الأولى (1914) المائة مدرسة، يتعلم فيها نحو (12) ألف طالب وطالبة من أديان وقوميات عديدة.
ميخائيل نعيمة والمسكوب
ننقل هنا ما كتبه المستشرق الروسي المعروف إغناتي كراتشكوفسكي في كتابه الشهير (مع المخطوطات العربية) عن مدارس الجمعية في فلسطين وسوريا ولبنان التي زارها مستهل القرن العشرين خلال بعثته التعليمية، والتي اعتمدت على أفضل المبادئ التربوية الروسية؛ ( ومع أن هذه المدارس الصغيرة كانت فقيرة الأثاث إلا أن لوجودها مغزى عظيماً. فلقد وصلت إلى هناك من روسيا وعن طريق مدارس الجمعية الفلسطينية الوصايا العظيمة والأفكار العالية لبيروغوف وأوسبينسكي. وكثيراً ما كانت المبادئ التربوية للمدارس الروسية في فلسطين وسوريا أعلى مما لدى المؤسسات التبشيرية المختلفة لغرب أوروبا وأمريكا على الرغم من جودة تجهيز هذه المؤسسات).
وفي هذا النحو كتب الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة، الذي تعلم في مدارس الجمعية وواصل دراسته الجامعية (1905-1911) في مدينة بتروغراد (بطرسبورغ) ومن ثم نُقل جوراً (لمشاركته في مظاهرة معارضة لحكومة القيصر نيكولاي الثاني) إلى مدينة بلتافا في أوكرانيا (زارها كاتب المقال عام (1989) بمناسبة احتفاء مستشرقي الاتحاد السوفييتي بمرور مائة عام على ميلاد الأديب ميخائيل نعيمة)، انطباعاته عن المدرسة الروسية الجديدة في بلدته اللبنانية (بسكنتا) يقول: (ما كان لنا نحن الصغار أن نعرف من أين جاءتنا تلك النعمة وكيف. وكل ما عرفناه أن (المسكوب) قوم أشداء وكرماء يحكمهم قيصر تهتز لكلمته جميع ملوك الأرض. وإنهم يقطنون بلاداً شاسعة وباردة في الشمال. وإنهم ‘روم’ مثلنا، ولذلك يعطفون علينا ويحرصون على الدفاع عنا وعن ‘ديننا ‘ôأما دولتنا ‘العلية’ كانت قد بلغت من الهرم والتفكك حد الانحلال وإن الدول الغربية، تحت ستار الدين راحت تتسابق إلى بسط نفوذها في أجزاء تلك الدولة المتداعية، فكان لنا فيض من المدارس الفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والروسية وغيرها في فلسطين ولبنان أما ذلك كله فكنا غافلين عنه، وغير شاعرين بوجوده).
السفراء وضياع أملاك الجمعية
غير أنَّ نشاطات الجمعية تعرضت لنكسة فادحة حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين،.إذ ضيقت قوات الاحتلال البريطاني الخناق على أعمال الجمعية الخيرية والدينية والعلمية، ومنعت وصول مساعدات من الاتحاد السوفييتي، وقامت بمصادرة بعض ممتلكاتها ورحلت الرعايا الروس من فلسطين، وأغلقت المدارس ودور المعلمين والمستشفيات بصورة تدريجية رغم مناشدة الحكومة السوفييتية، منذ عام (1923)، برفع الحظر المفروض على نشاطات الجمعية. واستمرت هذه السياسة العدوانية حتى قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، الذي قضى نهائياً على مؤسسات الجمعية وصادر أملاكها في القدس والناصرة وبيت لحم والرّامة وبيت جالا وغيرها من مدن فلسطين. ولم تتمكن الجمعية من استئناف نشاطاتها في ديار الأرض المقدسة ولو بحدها الأدنى إلا في نهاية ثمانينات القرن العشرين. ولا يزال مصير أملاك الجمعية، التي تقدر بعدة مليارات، موضع خلاف جدي بين حكومة الكيان الصهيوني ووارثي الجمعية اليوم (الحكومة الروسية، الكنيسة الأرثوذكسية، الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية والمحسنين الروس). والمؤلم أنَّ بعض سفراء الاتحاد السوفييتي اليهود في الكيان الصهيوني ساهموا في إهمال وضياع أملاك الجمعية بل والتقصير والتهادن مع الصهاينة في تبديدها. ولعل قصة بيع إحدى أهم بنايات الجمعية في ستينات القرن الماضي بصفقة برتقال فسدت قبل أن تصل إلى أراضي الاتحاد السوفييتي دليل على هذا التآمر المخزي.
ومع هذا تميزت أعمال الجمعية في حقبة ثمانينات وتسعينات القرن الماضي بكثافة الدراسات والمطبوعات. وتشير بيانات الجمعية أنها نشرت أكثر من خمسين كتاباً ونحو خمسمائة مقالة عن تاريخ وثقافة فلسطين واقتصادها وأبعاد قضيتها المعاصرة على الصعيدين القانوني والسياسي، إضافة إلى دراسات تفضح المحتوى العنصري للصهيونية وممارساتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني. كما تم إنتاج أفلام سينمائية عديدة عن قضية فلسطين العادلة، وعقد مؤتمرات دولية هامة، والإسهام في بعثات الحج إلى الأراضي المقدسة، والاستمرار في إصدار (المجموعة الأرثوذكسية الفلسطينية)، إلى جانب الأعمال الخيرية والعلمية في فلسطين المقدسة، رغم تلك المعوقات والمصاعب التي تبتدعها حكومة الكيان الصهيوني ومنظماته الدينية المتطرفة.

* باحث وأُستاذ جامعي/ روسيا
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية