دمشق – «القدس العربي»: تعتمد أنقرة على المناورة بين تطبيق نموذج خارطة منبج في شرق الفرات وبين «بروتوكول أضنة»، إذ تظهر رغبتها في تحصيل اتفاق حول شرق الفرات مع الولايات المتحدة الأمريكية بدون غض الطرف عن مصالح حليفها الروسي لتتجنب تعقيدات بالغة، في وقت أثارت فيه موسكو اتفاقية أضنة من أجل ان تكفل بقاءها وحيدة في المشهد السوري بعيداً عن أي شريك دولي أو إقليمي، وفي محاولة لتحسين العلاقة بين حليفيها السوري والتركي، إضافة إلى تقويض أهداف انقرة في انشاء منطقة آمنة على الحدود مع سوريا.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكد على تحقيق هدفه في تأسيس منطقة آمنة، وتحقيق الاستقرار في منطقة شرق نهر الفرات قريباً، في ظل تنسيق مع الدول ذات الوجود العسكري على الأرض، وعلى رأسها روسيا وأمريكا، مشيراً إلى «وجود مؤشرات إيجابية من الدولتين» وذلك بهدف ضمان أمن تركيا القومي وتعزيزه.
وحول طرح اتفاقية أضنة والأهداف الروسية – التركية من ورائها، قال الخبير السياسي التركي بكير أتاجان «إن روسيا تحاول ان تحصل على اعتراف تركي بنظام الأسد، او الوصول إلى اتفاق بين الطرفين حتى لو بشكل غير مباشر، بينما ترغب قيادة بلاده من خلال الموافقة على الاتفاقية بضرب حزب الاتحاد الديموقراطي وهو ما يتضارب مع رغبة موسكو التي تسعى إلى الحفاظ على الحزب كأداة يمكن الاستفادة منها في الايام المقبلة بما يخدم المصالح الروسية، مشيراً إلى إمكانية استفادة موسكو من «اضطرار حزب الاتحاد الديموقراطي إلى التواصل مع روسيا كبديل عن الولايات المتحدة الامريكية اذا ما انسحبت الاخيرة من مناطق سيطرته».
وفي حال تطبيق اتفاقية أضنة التي أثارها الجانب الروسي، تكون موسكو قد فرضت حسب اتاجان «الامر الواقع على تركيا وامريكا وعلى النظام السوري وجميع الفواعل العسكرية وحلت أزمة عالقة برضى تركي، عبر إبعاد أنقرة عن هدفها في إنشاء منطقة آمنة، وفتح المجال امامها عبر اتفاقية أضنة من أجل التدخل في أي وقت تواجه فيه تهديداً لامنها القومي عبر الحدود مع ضمان عودة قواتها إلى مواقعها داخل الأراضي التركية».
اتفاقية أضنة إذاً، تكفل لموسكو ان تبقى وحيدة في المشهد السوري بعيداً عن اي شريك دولي او إقليمي إذا ما عدلت انقرة عن قرارها في إقامة منطقة آمنة، وانسحبت حسب الرغبة الروسية، وهي رغبة «مستحيلة التحقق» حسب المتحدث التركي لـ»القدس العربي» الذي قال ان أنقرة عازمة على المضي بإنشاء هذه المساحة الآمنة لأن انسحاب بلادها من المشهد يصب في صالح موسكو ويضر بمصالح أنقرة التي سوف تخسر «كل إنجازاتها ليس على صعيد أمنها القومي بل ادعائها بالوقوف إلى جانب الثورة السورية وهو ما يعني انتهاء المعارضة السورية والجيش الحر وهذا لن يكون لمصلحة أنقرة كونها قوية بوقوف المعارضة والجيش الحر إلى جانبها ما يكسبها شرعية وأوراق قوة على الأرض».
ترحيب تركي
وأشار اتاجان إلى أن تركيا سوف تتوغل مرة أخرى في بعض المناطق السورية وهي خطوة ضرورية لحماية أمنها القومي مضيفاً «منطقة الشرق الاوسط كلها ذاهبة إلى اتفاقيات ومخططات جديدة وتقسيمات وما شابه ذلك، فتركيا تبحث ان تبقي نفسها في موقع قوي وتفرض حلولاً تفاوضية قوية على طاولة المباحثات المقبلة مع الولايات المتحدة».
يقول الخبير السياسي بكير اتاجان إن القيادة التركية وافقت على اتفاقية أضنة بالرغم من انها تقوض أهدافها في انشاء منطقة آمنة «ليس من اجل تحسين علاقاتها مع سوريا، بل لقبول شرعيتها التي تسمح لها بحقوق التدخل في سوريا من اجل محاربة الإرهاب، كلما كان الموقف يتطلب ذلك، ومن اجل تحقيق جزء من شروط المنطقة الآمنة التي تطالب فيها».
وفي ظل الشروط الروسية حول المنطقة التركية الآمنة في سوريا، لا يبدو مشوار وصول انقرة إلى هدفها رحلة سهلة، إذ نقل المتحدث الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف ما وصفه بمطالب بلاده للعمل باتفاقية «أضنة» داخل الأراضي السورية، والمتمثلة بـ «منع ظهور أي كيانات إقليمية منفصلة في المنطقة الحدودية، وألا تنتهك وحدة سوريا». كما عقب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال مؤتمر صحافي حول الوضع في إدلب قائلاً «لا يزال في إدلب وكر للإرهابيين وهذه حقيقة واضحة» لافتاً إلى أن وجود «جبهة النصرة» في محافظة إدلب السورية لا يتوافق مع اتفاقات موسكو وأنقرة بشأن حل مشكلة منطقة الأمن في إدلب».
الإعلان الروسي الأخير، أتى بعد تصريحات الرئيس التركي أردوغان حول اتفاقية أضنة، مؤكداً عزم بلاده على إنقاذ المنطقة بالتعاون مع الروس والإيرانيين من جهة، والأمريكيين من جهة أخرى، والشعب السوري من جهة أخرى.
انتقاد روسي
البنود الروسية المطروحة للجانب التركي حول العمل باتفاق أضنة المبرم عام 1998، تزامنت مع انتقادات وصفت بـ «الحادة» من قبل الكرملين لأنقرة حيال محافظة إدلب، إذ اعتبر المتحدث باسم الكرملين «بيسكوف»، أن الجيش التركي لم ينفذ كل ما تم الاتفاق عليه بين الرئيسين بوتين وأردوغان حول إدلب.
وفيما يبدو أن تركيا من خلال استحضار اتفاق خفض التصعيد بالتزامن مع مباحثات مشتركة مع تركيا حول شرق الفرات، تحاول القول إن أي تحرك لا يضمن مصالحها المحددة ضمن إطار بروتكول أضنة 1998 سوف يترتب عليه طرح الخلافات وتصعيدها في ملفات أخرى لا سيما مقاطعة إدلب.
الباحث بمركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي أوضح في هذا الاطار ان تركيا ملتزمة بالحصول على تفاهم سياسي مع روسيا إزاء أي تحرك شرق الفرات، لأنها تدرك مدى تأثير اي عرقلة من حليفها في أستانة على مكاسبها ومصالحها في الشمال السوري. مضيفاً « لـ»القدس العربي»: ان رغبة تركيا في تحصيل اتفاق حول شرق الفرات مع أمريكا بالتنسيق مع حليفها الروسي ومراعاة مصالحه، واضحة من اجل تجنب أزمات جديدة، لذلك يبدو أنها تعتمد على مبدأ المناورة بين تطبيق نموذج خارطة منبج في شرق الفرات وبين بروتوكول أضنة.
على صعيد آخر، أكد النظام السوري على لسان مسؤول عسكري لديه تعبئة قواته وحشدها على تخوم محافظة إدلب في الشمال بهدف تمكين الجبهات، حيث تم نقل عدد من الآليات والدبابات والمدافع المتوسطة والبعيدة المدى، مؤكداً أن القوات القادمة ستدعم الجاهزية التامة في حال طرأ أي تغير على جبهات ريفي حماة وإدلب خلال الأيام القليلة القادمة.
في حين اعتبر سفير النظام السوري السابق في تركيا نضال قبلان أن استئناف مناقشة اتفاق أضنة، بشأن مكافحة الإرهاب بين سوريا وتركيا، يهدف لاحتواء ما سماها بـ «الخطط التوسعية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان».
ورأى قبلان المقيم حالياً في دمشق، خلال حديثه لوكالة «سبوتنيك» الروسية»، طرح روسيا لاتفاق أضنة «هو محاولة لمحاصرة المشروع التركي التوسعي في سوريا، لافتاً إلى أن أي تواجد عسكري تركي في سوريا يسقط تلقائياً لو استطاعت روسيا وإيران وسوريا ضمان أمن الحدود، وأن الرئيس التركي تورط بوعود كبيرة لا يستطيع الوفاء بها، وأن موسكو تساعده في النزول عن الشجرة».