تخشى روسيا من بؤرة ساخنة جديدة في المنطقة
على خلفية استعداد موسكو للعب دور الوسيط في النزاع بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة على النيل، تخشى أغلبية القراءات الروسية من أن يخلق الخلاف المتنامي بين إثيوبيا ومصر بؤرة ساخنة جديدة في المنطقة. وترصد أن مصر خسرت الأوراق التي راهنت عليها كافة، بما في ذلك أداة “القوة الناعمة” المشكوك فيها، أي وساطة البطريرك القبطي المصري، الذي يقيم علاقات نشطة مع الأقباط الإثيوبيين، كذلك توثيق العلاقات مع حوالي 12 مجموعة انفصالية إثيوبية متمردة، التي تأسست في عهد حسني مبارك، لا سيما من خلال حلفاء مصر في إريتريا. وقد تحاول مصر، التي تواجه نشاط الإسلاميين داخل البلاد، استخدام العامل الديني، بتحريض المسلمين، الذين يشكلون حوالي ثلث السكان الإثيوبيين، للضغط على الحكومة المسيحية في البلاد. بيد أن التطورات في المنطقة نسفت الرهانات المصرية.
وقالت قراءة روسية أعدها معهد الشرق الأوسط في موسكو، إن الدول الثلاث لم تتجاوز خلال المباحثات في 16 حزيران/يونيو الحالي عبر الفيديو الخلافات القانونية، وفي الأشهر السابقة الخلافات التي نشأت بشأن التعبئة الأولى للسد الإثيوبي النهضة. وحصرت الخلافات بثلاثة مواضيع، الأول يتعلق بالجوانب القانونية، وخاصة فيما يتعلق بالطبيعة الملزمة والقوة القانونية للاتفاقية وكيفية تعديلها. والثاني استمرار الخلاف بين الطرفين حول آلية تسوية المنازعات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق، ونقطة الخلاف الأخيرة هي كيفية التوفيق بين الاتفاق مع “قضايا تقاسم المياه غير الملائمة” الأخرى، والتي تسعى إلى إجبار الأطراف على إنهاء الصفقة قبل موسم الأمطار، لتمكين إثيوبيا من بدء عملية ملء طويلة الأجل.
واستنادا إلى ذلك تخلت إثيوبيا بالفعل عن جميع الاتفاقات التي تم التوصل لها في مباحثات واشنطن لحل الخلافات حول ملء سد النهضة الإثيوبي. ويذكر أنه في سلسلة مفاوضات عقدت في واشنطن بوساطة وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، اتفقت مصر وإثيوبيا والسودان على عدة نقاط تتعلق بعملية التقديم والتي ستستغرق عدة سنوات. ومع ذلك، فشلوا في تحديد كمية المياه التي سيتم تخزينها وإطلاقها لدول المصب، وخاصة مصر. بالإضافة إلى ذلك، أراد السودان إنشاء آلية تنسيق لحماية سدوده على النيل الأزرق. وتخلت إثيوبيا فيما بعد عن الوساطة الأمريكية تمامًا.
ورجحت القراءة الروسية أن تبدأ إثيوبيا إجراءات من جانب واحد لملء الخزان، بغض النظر عن ديناميكية عملية التفاوض. وتقرر في اجتماع لمجلس الوزراء الإثيوبي في 11 أيار/مايو، برئاسة رئيس وزراء البلاد أبي أحمد، البدء بملء الخزان في تموز/يوليو 2020 في ذروة فيضان النيل الأزرق. وفي الوقت نفسه، قال رئيس الحكومة أنه خلال موسم الأمطار بالفعل، سيتم ملء الخزان الكهرومائي بـ 4.9 مليار متر مكعب. م من الماء. والحد الأقصى لحجم الخزان المقدر هو 74 مليار متر مكعب.
ووفقا للقراءة فإن القاهرة على هذه الخلفية، لا يمكن أن تقدم على أي خطوات واضحة لتعطيل هذه العملية. مشيرة إلى عدم تحقق محاولات إثارة انتفاضة لمسلمي أورومو من أجل عرقلة البناء. كما رفضت إريتريا استخدام أراضيها لتدريب الانفصاليين الإثيوبيين، وقالت إن نية القاهرة الأولية لإنشاء قاعدة عسكرية في جنوب السودان لطائراتها تواجه الآن رفض جوبا الفعلي للوفاء بالاتفاقيات السابقة حول هذا الموضوع. وكان المصريون مستعدين لبناء خزان صغير للطاقة الكهرومائية في جنوب السودان، والذي استقبلته سلطات جنوب السودان بشكل إيجابي في البداية، ولكن الآن غيرت جوبا رأيها، بسبب التهديدات المباشرة من إثيوبيا، وإعادة فتح المخيمات على أراضيها لتدريب العديد من الجماعات المتمردة من جنوب السودان. ومن هنا جاءت محاولة القاهرة الأخيرة لطرح القضية على مجلس الأمن الدولي كمحكمة نهائية.
وكانت الخارجية الروسية قد أكدت على لسان المتحدثة الرسمية باسمها ماريا زاخفاروفا، بأن موسكو تتابع عن كثب تطور عملية التفاوض بين إثيوبيا ومصر والسودان فيما يتعلق ببناء سد النهضة الكهرومائي على نهر النيل الأزرق. وأعربت عن الأمل بتنسيق الأطراف المعنية مجموعة كاملة من القضايا المتعلقة ببناء محطة الطاقة الكهرومائية هذه ونظام استخدام المياه مع مراعاة مصالح الأمن القومي ومهام التنمية الاجتماعية والاقتصادية لدول حوض النيل، وكذلك أن يتيح التوجه الذي أعلنه الطرفان، لمواصلة البحث عن حلول مقبولة وتحقيق نتائج ملموسة في شكل ثلاثي. وجرى التأكيد من جديد على الموقف “الذي لا يتغير” لموسكو بشأن أهمية حل هذه المشكلة من خلال المفاوضات في إطار الآليات القائمة، امتثالاً للقانون الدولي ووفقاً لروح إعلان مبادئ الخرطوم لعام 2015.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعرب عن استعداده لمساعدة مصر وإثيوبيا في حل المشاكل المرتبطة بسد النهضة، أعلن ذلك السكرتير الصحافي للزعيم الروسي ديمتري بيسكوف. ووفقا له، فقد تم التطرق إلى هذا الموضوع في اجتماعات بوتين مع قادة البلدين على هامش قمة روسيا ـ الدول الأفريقية الذي انعقد في 23-24 تشرين الأول/اكتوبر من العام الماضي في سوتشي. وقال ممثل الكرملين “لوحظ خلال هذه المحادثات أن القمة الحالية فرصة مناسبة للرؤساء لعقد اجتماع منفصل ومناقشة المخاوف التي تثار مباشرة”. وأضاف بيسكوف أن “الرئيس بوتين تحدث أيضا عن إمكانية قيام روسيا بتقديم المساعدة إذا طلبت الأطراف ذلك، والمساهمة في حل الإشكالات التي تثير المخاوف القائمة”.
وأكد ذلك الموقف ممثل الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، بقوله إن روسيا مستعدة للعمل كوسيط في النزاع بين مصر وإثيوبيا حول بناء سد النهضة على النيل. ورهن بوغدانوف المشاركة الروسية فقط في حال دعوة الدول المعنية لموسكو: “إذا طلبوا منا، فنحن على استعداد دائمًا. لدينا علاقة جيدة مع أديس أبابا والقاهرة. ونحن نعرف هذا الموضوع بالطبع لقد ناقشناه أكثر من مرة” وأشار الدبلوماسي على وجه الخصوص، في إجابته على سؤال الصحافيين بالقول “إذا كانت خدماتنا الوسيطة مطلوبة، فنحن جاهزون دائمًا”.
ولاحظ المراقب السياسي لصحيفة “روسيسكايا غازيتا” أن موضوعة الخلاف بالطبع لا تكمن فقط في سد النهضة “فإثيوبيا تعتزم أن تصبح قوة كبيرة في شرق أفريقيا، والحق في السيطرة على المياه التي تتدفق عبر أراضيها ليست سوى الخطوة الأولى”. علاوة على ذلك، يتذكر الإثيوبيون تاريخهم جيدًا، وهناك قوميون ليسوا أقل تشددا من القوميين في مصر أو السودان.
وضمن هذا السياق لفت إلى أن إثيوبيا هي واحدة من أسرع البلدان نموا في أفريقيا، مع ما يقرب من 50 في المئة من السكان تحت سن 18. والخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة هي أكبر شركة طيران في القارة. ومن المخطط بناء خط للسكك الحديدية في الخرطوم عاصمة السودان المجاور. في الوقت الحالي، توافق السلطات الإثيوبية على خطة التنمية الخمسية التي تحدد نمو الاقتصاد من خلال إدخال التقنيات الرقمية، وزيادة كفاءة الزراعة وهذا مهم بشكل خاص لبلد يجلب فيه القطاع الزراعي 90 في المئة من عائدات التصدير، ونمو الخدمات اللوجستية للإمداد، وزيادة القدرة التنافسية للسياحة، من خلال ما يمكن لإثيوبيا التنافس عليه مع غالبية البلدان في عدد المعابد القديمة والتنوع العرقي وجمال الطبيعة.