لندن ـ «القدس العربي»: تمحورت الأحداث في روسيا، هذا العام، حول الحرب التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا في 24 شباط/فبراير الماضي، والتي كانت لها تبعات سياسية واقتصادية محلية ودولية، من مقاطعة الغرب للاقتصاد الروسي، إلى ضخ كمية هائلة من الأموال في الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا التي دمرتها الحرب في الأشهر 10 الماضية، إلى أزمة طاقة ضربت أوروبا، وأزمة حبوب كانت آثارها واضحة في جميع أنحاء العالم. ارتبط اسم روسيا بأزمات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي، بين دول شرق أوروبا التي عبرت عن قلق شديد من توسع الصراع نحوها، وبين دول غرب أوروبا التي توجه اهتمامها أكثر نحو أزمة الطاقة التي سيسببها انقطاع ضخ الغاز الروسي نحوها بعد فرض العقوبات، والتي فضلت المسار الدبلوماسي، وحتى تردد بعض دولها كألمانيا بتزويد أوكرانيا بالأسلحة التي تحتاجها لصد الهجوم الروسي. كما ارتبطت روسيا بأزمات سياسية غير متوقعة بين حلفاء استراتيجيين قدامى، كالسعودية وواشنطن بعد رفض الأولى طلب الأخيرة بخفض أسعار النفط، وبإدانة الحرب الروسية علناً.
أيام قبل الحرب
صوت مجلس الدوما الروسي لصالح مشروع للاعتراف بلوغانسك ودونيتسك كجمهوريتين منفصلتين عن أوكرانيا. وكان هذا القرار من المؤشرات الرئيسية على نوايا الكرملين دخول أوكرانيا، إذ يسمح القرار لموسكو بنشر قواتها في المنطقتين، بحساب أنهما حليفتان لروسيا. وبالفعل، أقر بوتين القرار في 21 شباط/فبراير ووقع على مرسومين باعتراف روسيا بالجمهوريتين، طالبا من البرلمان الروسي الاعتراف الفوري بهذا القرار.
وجاءت الردود الغربية بالتنديد والرفض، باعتبار أن اعتراف روسيا باستقلال دونيتسك ولوغانسك انتهاكا لوحدة أراضي أوكرانيا. رداً على اعتراف روسيا بالمنطقتَين، بدأت الدول الغربية في فرض عقوبات على موسكو.
ولم يكن قد اتضح في تلك الفترة أن الكرملين قد اتخذ قرار الدخول في حرب مع أوكرانيا، ويتجلى ذلك في الاختلافات في الرأي التي صدرت عن مختلف أجهزة الاستخبارات في الغرب. فبينما ردد الروس بشكل شبه يومي نفي وجود أي نية لديهم بالدخول في حرب، كانت الاستخبارات الأمريكية تحذر أيضاً بشكل شبه يومي من خطر إطلاق بوتين عملية عسكرية في أوكرانيا. في المقابل، لم تتوقع الاستخبارات الفرنسية الحرب حتى بدأت، الأمر الذي أدى إلى إقالة رئيس الاستخبارات الفرنسي آن ذاك، الجنرال إيريك فيدو. إلا أن المفارقة هي أن الاستخبارات الأوكرانية نفسها كانت أيضاً مستبعدة احتمال الحرب. وحذر في حينها، الرئيس فولوديمير زيلينسكي من مبالغات الغرب حيال مستوى التهديد الروسي في ذلك الوقت.
انطلاق الحرب
رغم ذلك، في 24 شباط/فبراير الماضي دخلت القوات الروسية أوكرانيا على وقع إعلان لبوتين، عن عملية عسكرية في أوكرانيا دفاعا عن الانفصاليين الموالين لموسكو في شرق هذا البلد.
وقال بوتين في كلمة متلفزة: «اتخذت قرار شن عملية عسكرية» مندداً مجددا بـ«إبادة» تدبرها أوكرانيا في شرق البلاد ومستندا إلى نداء المساعدة الذي وجهه الانفصاليون خلال الليل وسياسة حلف شمال الأطلسي العدائية حيال روسيا والتي تشكل أوكرانيا أداة لها برأيه. بدوره أعلن وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، أن روسيا باشرت «هجوما واسع النطاق» مع ضربات على مدن عدة في البلاد.
وبطبيعة الحال، لم تنحصر تبعات الهجوم الروسي بالبلدين المتحاربين إذ ارتفع سعر برميل النفط ذاك اليوم إلى عتبة المئة دولار للمرة الأولى منذ أكثر من 7 سنوات. وسجل سعر برميل برنت 100.04 دولار، مع تنامي المخاوف بشأن حرب واسعة النطاق في أوروبا الشرقية. ومع أنها عادت وانخفضت لتصل إلى حوالي 79 دولارا خلال كانون الأول/ديسمبر، إلا أنها بقيت فوق 100 دولار لحوالي 5 أشهر، ما زالت تؤثر على الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف بعد من آثار سنوات كوفيد.
وفي البداية، لم يتضح كيف سيتعامل الغرب مع الغزو الروسي، إلا أنه كان مؤكداً أنهم سيتجنبون المواجهة المباشرة مهما كلف الأمر. توالت في الأيام الأولى من الهجوم الدعوات للإنهاء الفوري للعدوان إلى جانب جولة أولى من العقوبات، تلتها جولات عدة طالت بشكل رئيسي النظام المصرفي، والنفط، كما فرضت على الشركات الغربية إغلاق فروعها في روسيا.
24 شباط حتى 8 نيسان
بين 28 شباط/فبراير و21 آذار/مارس، جرت 5 جولات من المفاوضات لإنهاء الحرب، باءت جميعها بالفشل، ومنذ حينها رفض الطرفان التوجه مرة أخرى إلى طاولة الحوار بدون تنفيذ شروط مسبقة. وفي آخر أيام آذار/مارس، أعلنت جمهوريتا لوغانسك ودونيتسك عزمهما إجراء استفتاءات للانضمام للاتحاد الروسي.
8 نيسان إلى 5 أيلول
وشهدت تلك الأشهر تقدما واسعا لروسيا في الشرق والجنوب إذ سيطرت في نيسان/ابريل على ماريوبل بجنوب دونيتسك بعد حصار انتهى بمقتل أكثر من 2500 شخص وتدمير 80 في المئة من المدينة. كما وصلت القوات الروسية إلى محطة زابوريجيا النووية، الأكبر في أوروبا، كما تقدمت في خيرسون نحو ميكولايف.
وكانت الحرب قد أدت إلى إغلاق الموانئ الأوكرانية، ما تسبب بترك 20 مليون طن من الحبوب عالقة في الصوامع، وبالتالي، أدى إلى ارتفاع أسعار الحبوب العالمية وبالتالي السلع العذائية. كما رفع ذلك من خطر انقطاع مخزون الحبوب لدى بعض الدول. وفي 22 تموز/يوليو، نجحت محادثات جرت في تركيا بتحقيق مبادرة البحر الأسود هو اتفاق بين روسيا وأوكرانيا وتركيا (التي لعبت دورا محوريا في إنجاح وتنفيذ الاتفاق) بقيادة الأمم المتحدة يهدف إلى عودة حجم صادرات الحبوب الأوكرانية إلى مستوى ما قبل الحرب أي تصدير 5 ملايين طن متري شهريًا تضمنت الاتفاقية عدة بنود وقع عليها الأطراف الأربعة.
وفي 21 آب/اغسطس هز انفجار ضواحي العاصمة الروسية، ليتبيّن لاحقاً مقتل داريا دوغينا، ابنة منظّر القومية الروسية الحديثة، ألكسندر دوغين، في تفجير عبوة ناسفة في سيارة كانت تستقلها. أكدت المعطيات حينها أن المستهدف كان والدها. واتهمت روسيا أوكرانيا بالمسؤولية عن الاغتيال، إلا أن كييف نفت ضلوعها.
ودوغين معروف بنظرياته حول استعادة الإمبراطورية الأوراسية وإعادة توحيد السلاف الشرقيين وجميع شعوب أوراسيا في قوة عظمى جديدة تحت عنوان «العالم الروسي» وكان مع ابنته من أبرز داعمي الغزو الروسي لأوكرانيا، ليتعرضا معاً لعقوبات أمريكية وأوروبية. ويشتبه أن مدبرة الاغتيال كانت امرأة أوكرانية تدعى ناتاليا فوفك، عثر عليها مقتولة في النمسا في 28 آب/اغسطس.
الهجوم المضاد
في 6 أيلول/سبتمبر الماضي، أطلقت القوات الأوكرانية هجوماً مضاداً مفاجئاً أحرزت خلاله تقدماً واسعاً في خاركيف، حيث أقرت روسيا خسارتها مواقع حساسة في المنطقة لصالح أوكرانيا. تمكن الهجوم المضاد الأوكراني من إجبار الروسي على الانسحاب من خاركيف نحو لوغانسك، التي ما زالوا يسيطرون على أغلب مناطقها، كما أجبروهم على الانسحاب من خيرسون.
وبينما كان الهجوم المضاد الأوكراني في أوجه، أعلنت سلطات جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليتين، ومنطقتا زابوروجيه وخيرسون، في 20 أيلول/سبتمبر بدء الإجراءات لتنظيم استفتاء شعبي حول الانضمام إلى روسيا. وحددت فترة من 23 إلى 27 أيلول/سبتمبر موعدًا للاستفتاء. وفي 28 أيلول/سبتمبر أعلن المسؤولون الموالون لروسيا انتصارهم في الاستفتاءات. وأدان المجتمع الدولي الاستفتاءات على نطاق واسع، ووصفتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة بأنها استفتاءات «صورية» مؤكدة عدم الاعتراف بها.
وفي 30 أيلول/سبتمبر أعلن بوتين ضم المناطق الأربع لروسيا، علماً أن قواته لم تسيطر حينها سوى على لوغانسك بالكامل، إذ كان الهجوم المضاد الأوكراني قد أجبر روسيا على التخلي عن مناطق واسعة.
ودفعت الخسارات التي تعرضت لها القوات الروسية في الجبهتين الشرقية والجنوبية بوتين إلى الإعلان عن تعبئة عامة في 21 أيلول/سبتمبر كان من المفترض أن تستدعي 300 ألف جندي احتياط. ومن لندن إلى برلين مرورا بواشنطن، رأت عواصم غربية في التعبئة «إقرارا بالفشل ومؤشر ضعف».
وأثار الإعلان عن احتجاجات نادرة مناهضة للحرب في مدن متعددة وحالة من الذعر بين بعض الروس. وترددت روايات على نطاق واسع عن رجال يحجزون على عجل رحلات ذهاب فقط أو يتوجهون إلى البلدان المجاورة مثل فنلندا وكازاخستان. كما أنها تضمنت أخطاء كثيرة أقرها الكرملين وأحالها لسوء إدارة المسؤولين عن العملية.
واتهم بوتين الغرب بالسعي إلى تدمير بلاده وإخضاع موسكو لـ«ابتزاز نووي». وقال: «أود تذكير الذين يقومون بتصريحات كهذه بأن بلادنا تملك أيضا وسائل دمار مختلفة بينها وسائل أكثر تطورا من تلك التي تملكها دول حلف شمال الأطلسي». وأكد الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أن بوتين لا يمزح بما يتعلق بالتهديد النووي وأن البيت الأبيض يأخذ التهديد على محمل الجد.
جسر القرم وقصف البنى التحتية
بعد يوم من عيد ميلاد بوتين، في 8 تشرين الأول/اكتوبر تعرض جسر القرم، الذي بنته موسكو بكلفة باهظة (ليربط القرم التي ضمها الكرملين عام 2018 بالأراضي الروسية) لهجوم أدى إلى تضرره جزئياً. فجاء الرد الروسي بسلسلة حملات قصف للعاصمة كييف إلى جانب مدن عدة في أنحاء البلاد، استهدفت خلالها البنى التحتية للمدن، ما أسفر عنه انقطاع الكهرباء عن ملايين الأوكرانيين تزامنا مع بدء موسم الشتاء. واستخدمت في الهجمات مسيرات انتحارية اتهمت أوكرانيا وحلفائها الغربيين إيران بتزويد روسيا بها.
مع بدء فصل الشتاء، ساد هدوء نسبي على الجبهات، بعد أن حققت أوكرانيا مكاسب في خيرسون وخاركيف ودونيتسك، لم تشهد المعارك أي تبدل يذكر في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر. وتوقعت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية أن يستمر الهدوء لبضعة أشهر، حتى الربيع لإعادة حشد القوات وتوفير الإمدادات. ولكن استمرت الهجمات بالمسيرات، تستهدف مدنا أوكرانية عدة. كما رد الأوكرانيون بقصف مناطق في دونباس تسيطر عليها روسيا، إلى جانب بلغورود الروسية الحدودية.
خطاب بوتين
وفي 21 كانون الأول/ديسمبر جدد بوتين التهديد النووي الضمني، أثناء اجتماع مع كبار ضباط الجيش، إذ قال: «سنواصل الحفاظ على الاستعداد القتالي لقواتنا النووية وتحسينها» في مختلف المجالات. وأعلن على سبيل المثال أن صواريخ فرط صوتية جديدة عابرة للقارات طراز «زيركون» ستدخل الخدمة «بداية كانون الثاني/يناير» علما بأنها تنتمي الى المجموعة الجديدة من الأسلحة التي طورتها موسكو في الأعوام الأخيرة.
وكان بوتين يتحدث أمام مجموعة من الضباط الكبار في إطار اجتماع غايته تحديد أهداف الجيش الروسي للعام 2023 مع استمرار هجومه على اوكرانيا.
وقال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إن إحدى «الأولويات» ستكون «مواصلة تنفيذ العملية الخاصة (في أوكرانيا) حتى تحقيق كل أغراضها». وأكد أن موسكو ستنشر قواعد بحرية مخصصة «لسفن الدعم وخدمات الطوارئ ووحدات الصيانة البحرية» في مدينتي بيرديانسك وماريوبول الاوكرانيتين المحتلتين.
ورأى شويغو أنه من الضروري زيادة عديد الجيش الروسي إلى 1.5 مليون جندي، أي أكثر بـ350 ألفاً من الهدف البالغ 1.15 مليون الذي حدده الرئيس فلاديمير بوتين في آب/أغسطس الماضي.
ورد عليه بوتين: «أوافق على اقتراحاتك في ما يتعلق بالتغييرات البنيوية المقبلة للقوات المسلحة» مؤكدا انه سيتم تنفيذ هذه الخطوات «من دون أضرار» تطاول المجتمع والاقتصاد الروسيين، ومن دون أن يؤدي ذلك إلى «عسكرة» البلاد.